أخبارالتنوع البيولوجيالزراعة

جينات الطماطم البرية تكشف مفاتيح السكر والمرارة واللون والرائحة

مفاتيح جينية تتحكم في مذاق الطماطم ولونها ورائحتها.. أسرارًا جينية خفية

توجد الطماطم في كل مكان تقريبًا، من السندويشات والسلطات إلى الصلصات والشوربات، لكن من سبق له تناول ثمرة طماطم مخيبة للآمال من أحد المتاجر يعرف أن الشكل الجذاب لا يعني بالضرورة مذاقًا جيدًا.

وعلى مدى عقود، جرى استيلاد أصناف الطماطم الحديثة للحصول على صفات مفيدة مثل كبر حجم الثمار، وصلابتها، وارتفاع الإنتاجية، وسهولة نقلها وتخزينها، لكن هذا التطوير صاحبه فقدان جزء من التنوع الجيني الموجود في أقارب الطماطم البرية.

وتكتسب هذه الجينات المفقودة أهمية كبيرة، لأن الطماطم البرية تحمل نسخًا جينية ترتبط باختلافات في الحلاوة واللون والرائحة وغيرها من خصائص الثمار.

وكشفت دراسة جديدة أن السر لا يكمن بالضرورة في امتلاك جينات مختلفة تمامًا، وإنما في الطريقة التي تتحكم بها النباتات في توقيت تشغيل الجينات وشدة نشاطها.

ونُشرت الدراسة في دورية Genome Biology.

لماذا تظل الطماطم البرية مهمة؟

قاد الدراسة باحثون في معهد بويس تومسون، من بينهم كارمن كاتالا وتشانغجون فاي، بمشاركة جيمس جيوفانوني في تصميم المشروع والإشراف عليه.

وتوفر الطماطم البرية مخزونًا هائلًا من التنوع الجيني المرتبط بالنكهة والقيمة الغذائية والقدرة على تحمل الظروف البيئية المختلفة.

لكن إدخال هذه الصفات إلى الأصناف الزراعية الحديثة قد يأتي أحيانًا مصحوبًا بصفات أخرى غير مرغوبة بالنسبة إلى المزارعين أو الأسواق، مثل انخفاض الإنتاجية أو صغر حجم الثمار أو قصر مدة صلاحيتها.

وقالت كارمن كاتالا إن الحصول على معلومات دقيقة حول كيفية التحكم في الجينات المسؤولة عن هذه الصفات يمكن أن يساعد في التغلب على هذه المشكلة.

وهذه إحدى التحديات الرئيسية أمام مربي النباتات؛ فقد تحمل الطماطم البرية صفة مرغوبة، مثل النكهة الأفضل، لكن تهجينها مع صنف زراعي قد ينقل معها في الوقت نفسه خصائص أخرى أقل ملاءمة للزراعة التجارية.

الهجن تكشف الاختلافات الجينية الخفية

قارن الباحثون بين الطماطم المزروعة Solanum lycopersicum وثلاثة من أقاربها البرية.

وشملت المقارنة النوع الأحمر الثمار S. pimpinellifolium، إلى جانب النوعين الأكثر بعدًا من الناحية التطورية S. neorickii وS. pennellii، اللذين تنتج ثمارهما الخضراء حتى عند النضج.
وقام الفريق بتهجين الطماطم المزروعة مع كل نوع من الأنواع البرية الثلاثة لإنتاج نباتات هجينة.

وحمل كل نبات هجين نسخة من الجين من الطماطم المزروعة ونسخة مقابلة من الطماطم البرية داخل الخلايا نفسها، وهو ما أتاح للباحثين تحديد ما إذا كانت الاختلافات في نشاط الجينات ناتجة عن اختلاف الجينات نفسها أو عن إشارات تنظيمية أخرى داخل الخلية.

وقال تشانغجون فاي إن النبات الهجين يوفر تجربة طبيعية مضبوطة؛ إذ توجد النسختان من كل جين في الخلايا نفسها وتتلقى الإشارات التنظيمية نفسها، فإذا كانت إحدى النسختين أكثر نشاطًا من الأخرى، فإن الاختلاف يكون مرتبطًا بالحمض النووي الموجود بالقرب من ذلك الجين.

وفحص الباحثون نشاط الجينات في مناطق مختلفة من الثمرة، بما في ذلك النسيج اللحمي الخارجي، والمشيمة، والجزء الهلامي المحيط بالبذور، كما تابعوا الثمار خلال مراحل متعددة من النمو والنضج.

جينات الطماطم البرية

تغييرات صغيرة في الحمض النووي قد تحدث فرقًا كبيرًا

توجد بعض الاختلافات في الحمض النووي بالقرب من الجين، ويمكنها تغيير قوة نشاطه، ويُطلق على هذه التأثيرات اسم التأثيرات cis.

في المقابل، توجد تغييرات أخرى في أماكن مختلفة من الخلية، ويمكنها التأثير في نشاط الجين من مسافة بعيدة، وتُعرف باسم التأثيرات trans.

وأظهرت النتائج أن التأثيرات القريبة من الجينات كانت أكثر شيوعًا بكثير، وبحسب النسيج ومرحلة النمو، أثرت التأثيرات من نوع cis في نحو 4.5% إلى 23.5% من الجينات النشطة، بينما ظهرت التأثيرات من نوع trans في نحو 0.9% إلى 4.6% منها.

كما أظهرت الأنواع البرية الأبعد تطوريًا عددًا أكبر من الاختلافات في تنظيم نشاط الجينات مقارنة بأقرب أقارب الطماطم المزروعة.

ويشير ذلك إلى أن أنواع الطماطم تراكمت لديها، بمرور الزمن، اختلافات أكبر في الطريقة التي تنظم بها جيناتها كلما زادت المسافة التطورية بينها.

جينات تتحكم في لون الطماطم

كان لون الثمار أحد الأمثلة الواضحة على هذه الاختلافات، ففي النوعين البريين S. neorickii وS. pennellii، تظل الثمار خضراء حتى عند اكتمال نضجها، على عكس الطماطم الحمراء المزروعة على نطاق واسع.

ووجد الباحثون اختلافات في جينات تتحكم في إنتاج الكاروتينات، وهي مجموعة من الأصباغ الطبيعية التي تشمل الليكوبين، المسؤول عن جزء كبير من اللون الأحمر المميز للطماطم.

وأظهرت النتائج أن بعض النسخ الجينية الموجودة في الطماطم المزروعة تعزز المسارات التي تؤدي إلى إنتاج الليكوبين، بينما تدفع نسخ برية من جينات أخرى عملية تصنيع الكاروتينات في اتجاهات مختلفة.

لكن هذا النمط لم يكن متطابقًا لدى جميع الأنواع البرية، ففي S. pimpinellifolium، كانت إحدى النسخ البرية لجين مرتبط بإنتاج الليكوبين أكثر نشاطًا في الثمار الناضجة.

وتوضح هذه النتيجة أن الطماطم البرية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجموعة واحدة متطابقة، إذ تحمل الأنواع المختلفة أنماطًا مختلفة من التحكم في نشاط الجينات، حتى عندما تكون هذه الجينات مرتبطة بالعملية البيولوجية نفسها.

الطماطم البرية تتعامل مع السكر بطريقة مختلفة

ظهر مثال آخر في السكريات، فبينما تخزن الطماطم المزروعة بصورة أساسية الجلوكوز والفركتوز، تستطيع النوعان البريان ذوا الثمار الخضراء أيضًا تراكم السكروز.

وركز الباحثون على جينين يعملان معًا في هذه العملية، يساعد جين TIV1 على تكسير السكروز إلى جلوكوز وفركتوز، بينما ينتج جين SlVIF بروتينًا يبطئ عملية هذا التكسير.

وفي الطماطم البرية ذات الثمار الخضراء، أصبح الإصدار البري من جين SlVIF أكثر نشاطًا خلال مرحلة النضج.

وفي الوقت نفسه، ارتبطت الاختلافات في تنظيم TIV1 بوجود معدل أقل لتكسير السكروز داخل الثمار البرية.

وتساعد هذه الأنماط في تفسير سبب اختلاف مزيج السكريات بين أنواع الطماطم المختلفة.

كما توفر للمربين جينات محددة يمكن دراستها واستهدافها، بدلًا من البحث بصورة عشوائية بين آلاف الاختلافات الجينية لمعرفة أيها يؤثر في صفات الطعم.

المرارة تتغير مع نضج الثمار

تحتوي ثمار الطماطم الصغيرة على مركبات دفاعية تُعرف باسم الغليكوألكالويدات الستيرويدية، وهي مواد كيميائية يمكن أن تمنح الثمرة طعمًا مرًا.

وتساعد هذه المركبات على حماية الثمرة خلال مراحل نموها الأولى، لكن التركيب الكيميائي للطماطم المزروعة يتغير مع النضج.

ووجد الباحثون أن المراحل المبكرة من إنتاج هذه المركبات المرة كانت تتحكم فيها بصورة أساسية إشارات تعمل من أماكن أخرى داخل الخلية.

أما في المراحل اللاحقة من النضج، فقد ارتبطت اختلافات قريبة من الحمض النووي في الطماطم المزروعة بزيادة نشاط جينات تحول المركبات المرة إلى أشكال أقل مرارة.

وتوضح هذه النتائج أن عملية استئناس الطماطم ربما لم تغير فقط المركبات التي تحتوي عليها الثمار، بل أثرت أيضًا في توقيت حدوث هذه التغيرات.

وبذلك تستطيع الثمرة حماية نفسها خلال مراحل نموها الأولى، ثم تصبح أكثر ملاءمة للاستهلاك مع اكتمال نضجها.

جينات الرائحة تتغير بمرور الوقت

درس الفريق أيضًا الجينات المسؤولة عن إنتاج المركبات المتطايرة التي تساعد على تكوين رائحة الطماطم.

وكان أحد الأمثلة المهمة جين TomLoxC، الذي يشارك في إنتاج مركبات الرائحة انطلاقًا من الأحماض الدهنية.

وفي النباتات الهجينة الناتجة عن تهجين الطماطم المزروعة مع S. pimpinellifolium وS. pennellii، كانت النسخة البرية من الجين أكثر نشاطًا في المراحل المبكرة من النمو، بينما أصبحت النسخة المزروعة أكثر نشاطًا أثناء نضج الثمار.

أما في S. neorickii، فظلت النسخة البرية أكثر نشاطًا حتى في الثمار الناضجة.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية لأنها توضح أن النكهة ليست نتيجة مفتاح جيني واحد يعمل بالطريقة نفسها طوال حياة الثمرة، بل يمكن للجين نفسه أن يتصرف بصورة مختلفة اعتمادًا على النوع النباتي والنسيج ومرحلة نمو الثمرة.

نحو تربية نباتية أكثر دقة

قال جيمس جيوفانوني، وهو عالم في دائرة البحوث الزراعية التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية، إن مربي النباتات يعرفون منذ فترة طويلة أن الطماطم البرية تحمل صفات مفيدة، لكن استخدامها في برامج التربية ينقل معها أيضًا صفات غير مرغوبة، ما يفرض عمليات طويلة ومكلفة للتخلص من هذه الصفات.

وأضاف أن المربين كانوا يفتقرون إلى طريقة تحدد أيًا من آلاف الاختلافات الجينية يقف وراء كل صفة، بما يسمح بجعل عملية الانتخاب أكثر دقة.

وتتيح النتائج الجديدة، وفق الباحثين، تحديد جينات بعينها يمكن استهدافها، مع معرفة تأثيرها في أنسجة محددة وفي مراحل معينة من نمو الثمرة ونضجها.

خريطة أوضح لتحسين أصناف الطماطم

لا تعني نتائج الدراسة أن تغيير منطقة واحدة تتحكم في نشاط جين سيؤدي تلقائيًا إلى إنتاج طماطم أكثر حلاوة أو أفضل مذاقًا.

فالباحثون قاسوا نشاط الجينات والاختلافات الوراثية، ولم يقيسوا تقييمات مذاق الطماطم لدى البشر أو كميات جميع المركبات المسؤولة عن النكهة.

كما اختلفت بعض تفاصيل التجارب بين الأنواع البرية الثلاثة، بما في ذلك الصنف المزروع المستخدم في التهجين وتوقيت جمع الثمار.

ومع ذلك، تقدم الدراسة خريطة أكثر وضوحًا أمام مربي النباتات لاستعادة بعض الصفات المفيدة الموجودة في الطماطم البرية، مع محاولة الحفاظ في الوقت نفسه على الخصائص التي طُورت بالفعل في الأصناف الحديثة، مثل الإنتاجية وحجم الثمار ومدة الصلاحية.

وقد تساعد هذه المعرفة مستقبلًا في تطوير أصناف تجمع بصورة أكثر دقة بين الطعم والقيمة الغذائية والقدرة على التحمل والصفات الزراعية المرغوبة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة