أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

العالم يتجاهل «فرامل» قوية للاحترار.. ملوثات يمكن خفضها الآن

الميثان والسخام وغازات التبريد.. أسلحة منسية لكبح الاحترار العالمي

في الوقت الذي يتركز فيه معظم النقاش العالمي حول خفض ثاني أكسيد الكربون والتحول إلى الطاقة النظيفة، توجد مجموعة أخرى من الملوثات القادرة على التأثير بقوة في معدل الاحترار خلال السنوات المقبلة، ويمكن خفض جزء كبير منها باستخدام تقنيات متاحة بالفعل.

هذه الملوثات، التي تعرف باسم «الملوثات فائقة التأثير» أو Superpollutants، تشمل الميثان، والكربون الأسود، والأوزون القريب من سطح الأرض، وأكسيد النيتروز، وبعض غازات التبريد ذات القدرة العالية على التسبب في الاحترار.

ورغم أن كثيرًا منها يبقى في الغلاف الجوي لفترات أقصر من ثاني أكسيد الكربون، فإن تأثيره على ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يكون كبيرًا، وتشير تقديرات ائتلاف المناخ والهواء النظيف إلى أن هذه الملوثات مسؤولة مجتمعة عن نحو نصف الاحترار الحالي.

«فرامل سريعة» في مواجهة أزمة المناخ

خلال أسبوع المناخ في نيويورك، تصاعد الاهتمام بهذه الملوثات باعتبارها فرصة عملية لتقليل الاحترار على المدى القريب، بالتزامن مع استمرار الجهود طويلة الأجل لخفض ثاني أكسيد الكربون.

وشهدت الفعاليات إطلاق خارطة طريق للملوثات فائقة التأثير تقدم إطارًا عمليًا للشركات للتحرك عبر سلاسل الإمداد والتمويل والتعامل مع السياسات العامة.

وفي وقت سابق من العام، تعهدت شركات كبرى، بينها أمازون وجوجل وجيه بي مورجان تشيس وسيلزفورس ووركداي، بتوفير 100 مليون دولار لبدء مبادرة تستهدف مواجهة هذه الملوثات حتى عام 2030.

وتكتسب القضية أهمية اقتصادية مباشرة بالنسبة للشركات، لأن الملوثات فائقة التأثير لا ترفع درجات الحرارة فقط، بل تسهم بالفعل في اضطراب سلاسل الإمداد والزراعة وأنظمة الطاقة وبيئات العمل.

الميثان.. الهدف الأسرع

يقدم الميثان أوضح مثال على حجم الفرصة المتاحة.

فهذا الغاز مسؤول عن نحو 30% من الزيادة في متوسط درجات الحرارة العالمية منذ الثورة الصناعية، ومع ذلك لا تظهر انبعاثاته من عمليات الوقود الأحفوري اتجاهًا واضحًا نحو الانخفاض، وفق تحليلات وكالة الطاقة الدولية.

وتقدر الوكالة أن نحو 70% من انبعاثات الميثان من قطاع الوقود الأحفوري يمكن خفضها باستخدام تقنيات موجودة بالفعل.

والأكثر أهمية أن أكثر من 35 مليون طن متري من الميثان سنويًا يمكن تجنب انبعاثها دون تكلفة صافية، وفق أسعار الطاقة لعام 2025، بحسب التحليل المشار إليه في التقرير.

ولا تتطلب الإجراءات بالضرورة تقنيات مستقبلية معقدة، بل تبدأ من إجراءات معروفة مثل اكتشاف التسربات وإصلاحها، واستبدال المعدات التي تطلق الميثان عمدًا، واستعادة الغاز الذي كان سيتسرب إلى الغلاف الجوي، إلى جانب وقف التنفيس والحرق الروتيني للغاز.

الميثان.. الهدف الأسرع

خفض الميثان.. مكسب مناخي واقتصادي

خفض الميثان لا يعني فقط تقليل الاحترار.

فالتقليل من تسرب الغاز في عمليات إنتاج النفط والغاز ووقف الحرق غير الضروري يمكن أن يتيح للأسواق نحو 200 مليار متر مكعب إضافي من الغاز سنويًا، وفق وكالة الطاقة الدولية.

وبذلك يمكن أن تتحول معالجة مشكلة مناخية إلى فرصة لتحسين كفاءة استخدام موارد الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات.

كما أن تقنيات الأقمار الصناعية والطائرات وأجهزة الاستشعار الثابتة، إلى جانب الذكاء الاصطناعي، أصبحت أكثر قدرة على تحديد مصادر الانبعاثات في مواقع محددة.

وتوفر هذه الأدوات ميزة مهمة للشركات والحكومات والمستثمرين، لأنها تساعد على توجيه الأموال إلى المواقع التي يمكن أن تحقق أكبر خفض قابل للقياس والتحقق.

خفض انبعاثات غاز الميثان
خفض الميثان.. مكسب مناخي واقتصادي

الذكاء الاصطناعي يحدد مصادر التسرب

وتشير تقديرات Climate TRACE إلى أن أكبر 10% من مدافن النفايات التي ترصدها المنصة مسؤولة عن نحو 70% من انبعاثات الميثان الناتجة عن النفايات.

ويعني ذلك أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد في الانتقال من التعامل مع الانبعاثات بصورة عامة إلى تحديد المواقع الأعلى تأثيرًا واستهدافها مباشرة.

وهنا تبرز أهمية دمج الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وبيانات أجهزة الاستشعار في سياسات المناخ، بدل الاكتفاء بتقديرات واسعة لا تحدد بدقة أين يجب أن تذهب الاستثمارات.

حقول الأرز.. خفض الميثان وتوفير المياه

ولا تقتصر فرص خفض الملوثات فائقة التأثير على قطاع النفط والغاز.

ففي الزراعة، يمكن لتغيير طريقة إدارة المياه في حقول الأرز أن يحقق مكاسب مناخية ومائية في الوقت نفسه.

وتعتمد تقنية الري بالتجفيف وإعادة الغمر بالتناوب على عدم إبقاء الحقول مغمورة بالمياه بصورة مستمرة، وإنما تصريف المياه بصورة دورية ثم إعادة غمرها.

ويمكن لهذه الممارسة أن تخفض انبعاثات الميثان من زراعة الأرز بنسبة تتراوح بين 30% و70%، مع تقليل استهلاك المياه والحفاظ على الإنتاجية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في المناطق التي تواجه ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية، إذ يمكن لتقليل احتياجات الري أن يخفض التكاليف ويزيد قدرة المزارعين على التكيف مع تغير المناخ.

كما أن تقليل الميثان يساعد بصورة غير مباشرة في حماية المحاصيل، من خلال خفض تكوين الأوزون القريب من سطح الأرض، وهو ملوث يمكن أن يضر النباتات ويقلل الإنتاجية الزراعية.

مزارع أرز في جنوب شرق آسيا وسط حقول غارقة بالمياه مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وتحديات مناخية
حقول الأرز.. خفض الميثان وتوفير المياه

المكيفات تفتح جبهة أخرى

مع ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، يتزايد الاعتماد على أجهزة تكييف الهواء.

وتشير التوقعات إلى أن الطلب على التبريد قد يتجاوز ثلاثة أضعاف مستوياته الحالية بحلول عام 2050.

لكن المشكلة لا تتعلق بالكهرباء المستخدمة لتشغيل أجهزة التكييف وحدها.

فبعض غازات التبريد المستخدمة في أنظمة التكييف والتبريد تمتلك قدرة على الاحترار تفوق ثاني أكسيد الكربون بآلاف المرات.

لذلك فإن منع تسرب هذه الغازات، والتحول إلى بدائل أقل تأثيرًا على المناخ، واستعادة غازات التبريد والتعامل معها بصورة سليمة عند انتهاء عمر المعدات، أصبحت إجراءات أساسية في سياسة المناخ.

المكيفات تفتح جبهة أخرى
المكيفات تفتح جبهة أخرى

السخام.. مشكلة مناخية وصحية في الوقت نفسه

هناك ملوث آخر شديد التأثير هو الكربون الأسود أو السخام، الناتج عن الاحتراق غير الكامل لمصادر مختلفة، بينها محركات الديزل، ومواقد الطهي، وحرائق الغابات، وحرق الفحم والكتلة الحيوية.

ولا يمثل السخام خطرًا مناخيًا فقط، بل يعد أيضًا ملوثًا خطيرًا للهواء، ويرتبط بأمراض القلب والرئة والوفاة المبكرة.

وهنا تتقاطع سياسة المناخ مع حماية الصحة العامة: خفض الملوثات فائقة التأثير يمكن أن يقلل الاحترار ويحسن جودة الهواء في الوقت نفسه.

ثاني أكسيد الكربون يظل المعركة الكبرى

ورغم قوة الفرصة التي تقدمها الملوثات فائقة التأثير، فإن ذلك لا يعني أن العالم يستطيع الاستغناء عن خفض ثاني أكسيد الكربون.

فخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون يظل العامل الأساسي لتحديد مسار درجات الحرارة على المدى الطويل، ويتطلب تحولًا عميقًا في أنظمة الطاقة والنقل والصناعة واستخدام الأراضي.

لكن معالجة الملوثات فائقة التأثير تضيف مسارًا ثانيًا وأسرع للعمل المناخي.

بمعنى آخر، لا ينبغي أن يكون الاختيار بين إزالة الكربون وخفض الميثان أو غازات التبريد والسخام، بل يجب أن تتحرك المسارات كلها في الوقت نفسه.

ثاني أكسيد الكربون يظل المعركة الكبرى

الشركات أمام مسؤولية تتجاوز حدود مصانعها

يمكن للشركات أن تبدأ بتحديد أماكن وجود هذه الملوثات داخل عملياتها وسلاسل إمدادها.

فبالنسبة لبعض الشركات قد تكون الأولوية هي تسربات الميثان والتنفيـس وحرق الغاز، بينما تواجه شركات أخرى مشكلة أكبر في غازات التبريد أو تلوث الاحتراق أو الانبعاثات الزراعية.

وعندما تقع مصادر الانبعاث خارج نطاق السيطرة المباشرة للشركة، يمكن التعاون بين الشركات والمستثمرين والحكومات لتنفيذ مشروعات خفض واسعة وقابلة للقياس.

لكن الاعتماد على المبادرات الطوعية وحدها لن يكون كافيًا.

التشريعات قادرة على تسريع الخفض

يمكن للحكومات لعب دور حاسم عبر وضع معايير لاستخدام غازات تبريد أقل تأثيرًا على المناخ، وفرض استعادة هذه الغازات، وإلزام الشركات بقياس انبعاثات الميثان بصورة دورية واكتشاف التسربات وإصلاحها.

كما يمكن تشديد القيود على التنفيس والحرق الروتيني للغاز، وتشديد معايير التلوث الناتج عن محركات الديزل والمنشآت الصناعية، ودعم الممارسات الزراعية وإدارة النفايات التي تخفض الملوثات فائقة التأثير.

فرصة لا تحتاج إلى انتظار عقود

المعضلة المناخية لا تعاني اليوم من نقص الأدلة أو التكنولوجيا أو الحلول العملية، بقدر ما تعاني من الحاجة إلى توسيع نطاق تطبيق الحلول الموجودة بالفعل.

وتشير تقديرات ائتلاف المناخ والهواء النظيف إلى أن الإجراءات المثبتة لخفض الميثان يمكن أن تتجنب نحو 0.2 درجة مئوية من الاحترار بحلول عام 2050.

فرصة لا تحتاج إلى انتظار عقود

قد تبدو هذه النسبة صغيرة أمام حجم الأزمة، لكنها تصبح ذات قيمة كبيرة في عالم يحاول تجنب كل جزء من الدرجة المئوية من ارتفاع الحرارة.

فالتحول العميق للاقتصاد العالمي سيحتاج إلى سنوات، وربما عقود، لكن خفض بعض أقوى الملوثات المناخية لا يحتاج إلى الانتظار حتى اكتمال هذا التحول.

وهنا تكمن أهمية «الملوثات فائقة التأثير»: إنها واحدة من الأدوات القليلة التي يستطيع العالم استخدامها الآن لتقليل معدل الضرر المناخي في الأجل القريب، بالتوازي مع المعركة الأطول ضد ثاني أكسيد الكربون.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة