ابتكار هندسي يفتح الباب أمام توظيف الأخشاب المهدرة في البناء المستدام
من مخلفات الغابات إلى أعمدة إنشائية.. ابتكار جديد يعيد تعريف استخدام الأخشاب
في وقت تتزايد فيه الدعوات العالمية إلى تقليل الهدر وتعزيز الاقتصاد الدائري وخفض الانبعاثات الكربونية، كشف باحثون عن إمكانية الاستفادة من كميات ضخمة من الأخشاب التي تُستبعد عادة من الصناعات الإنشائية وتُوجه إلى الحرق أو صناعة الورق، عبر استخدامها كعناصر إنشائية قادرة على تحمل الأحمال في المباني.
وتوصلت دراسة حديثة أجراها باحثون من Aalto University إلى أن الأخشاب غير المستقيمة، والمتفرعة، والمنحنية بطبيعتها يمكن أن تؤدي وظائف إنشائية مهمة، وأن تقدير قدرتها على تحمل الأحمال لا يتطلب تقنيات معقدة، بل يمكن حسابه باستخدام معادلات هندسية تقليدية متاحة بالفعل في قطاع البناء.
ويمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو إعادة تقييم ملايين الأطنان من الأخشاب التي تُعتبر حالياً “غير مناسبة” للصناعات الخشبية التقليدية رغم احتفاظها بخصائص ميكانيكية قوية.
مشكلة الهدر في صناعة الأخشاب
تعتمد صناعة الأخشاب الحديثة منذ قرون على مبدأ بسيط يتمثل في تفضيل الجذوع المستقيمة والمتجانسة لإنتاج الألواح والعوارض الخشبية القياسية المستخدمة في البناء.
أما الجذوع الملتوية أو المنحنية أو المتشعبة، فغالباً ما تُستبعد من سلاسل القيمة الصناعية وتُصنف كأخشاب منخفضة الجودة، ليتم تحويلها إلى لب الورق أو استخدامها كوقود حيوي أو التخلص منها بطرق أخرى.
ويرى الباحثون أن هذا النهج أدى إلى هدر كميات هائلة من الموارد الطبيعية، رغم أن كثيراً من هذه الأخشاب يحتفظ بقدرات إنشائية قد تكون مناسبة للعديد من التطبيقات المعمارية والهندسية.

أول اختبارات إنشائية من نوعها
قاد الدراسة الباحث والمهندس المعماري Jaakko Torvinen، الذي سعى إلى اختبار مدى قدرة الأخشاب الطبيعية غير المنتظمة على العمل كأعمدة إنشائية تحمل الأحمال في المباني.
وشملت التجارب جذوع أشجار دائرية الشكل ذات انحناءات مفردة ومزدوجة، إضافة إلى جذوع متفرعة كان يُنظر إليها سابقاً باعتبارها غير صالحة للاستخدام الإنشائي.
وأجرى الفريق أول اختبارات تحميل مباشرة من نوعها على هذه العناصر الخشبية الطبيعية، بهدف قياس مقاومتها للضغط والتشوه تحت الأحمال المختلفة.

معادلة بسيطة بنتائج مفاجئة
أحد أهم نتائج الدراسة تمثل في اكتشاف أن الطرق الحسابية الهندسية المستخدمة حالياً لتقييم قدرة الأعمدة التقليدية على تحمل الأحمال يمكن تطبيقها أيضاً على هذه الأخشاب غير المنتظمة.
وبحسب الباحثين، فإن الأمر لا يتطلب نماذج رياضية معقدة أو برامج متخصصة باهظة التكلفة، بل يمكن استخدام معادلات هندسية معروفة لتقدير قدرة هذه الجذوع على العمل كعناصر إنشائية.
وتكمن المفاجأة في أن هذا النهج لم يُختبر عملياً من قبل، رغم عقود طويلة من استخدام الأخشاب في البناء.

إعادة تعريف مفهوم “الخشب الجيد”
تطرح الدراسة تحدياً مباشراً للمفاهيم التقليدية السائدة في صناعة الأخشاب، فبدلاً من اعتبار الجذوع المستقيمة وحدها الخيار الأمثل، يقترح الباحثون النظر إلى التنوع الطبيعي للأشجار باعتباره فرصة تصميمية وإنشائية يمكن استغلالها بدلاً من التخلص منها.
ويؤكد الباحثون أن الاعتقاد بأن المواد القياسية والمتطابقة هي الأفضل دائماً يعكس طريقة تفكير قديمة لا تتناسب مع متطلبات الاستدامة الحديثة.
ومع تزايد الضغوط على الموارد الطبيعية وارتفاع الطلب على مواد البناء منخفضة الانبعاثات، قد يصبح استغلال الأخشاب غير التقليدية خياراً اقتصادياً وبيئياً أكثر جاذبية.
فوائد بيئية واقتصادية كبيرة
يمكن أن يحقق استخدام الأخشاب المستبعدة حالياً فوائد متعددة.
فعلى المستوى البيئي، يساهم ذلك في تقليل كمية الأخشاب التي تُحرق أو تتحول إلى منتجات منخفضة القيمة، ما يساعد على خفض الانبعاثات المرتبطة بإدارة المخلفات واستغلال الموارد بصورة أكثر كفاءة.
كما أن استخدام جذوع الأشجار الطبيعية مباشرة يقلل الحاجة إلى عمليات النشر والتصنيع المكثفة التي تستهلك الطاقة وتنتج كميات إضافية من النفايات.
أما اقتصادياً، فقد يفتح هذا النهج أسواقاً جديدة لمنتجات خشبية كانت تُعتبر عديمة القيمة نسبياً، ويوفر خيارات أقل تكلفة لمشروعات البناء المستدام.
التصميم الرقمي يغير قواعد اللعبة
يشير الباحثون إلى أن التقدم في تقنيات التصميم الرقمي والتصنيع الموجه بالحاسوب يجعل استخدام الأخشاب غير المنتظمة أكثر واقعية من أي وقت مضى.
ففي الماضي كانت الطبيعة الفريدة لكل جذع شجرة تمثل تحدياً كبيراً أمام المهندسين والمصنعين، لكن التقنيات الحديثة تسمح اليوم بمسح هذه العناصر رقمياً ودمجها بدقة في التصاميم المعمارية.
ويعني ذلك إمكانية تنفيذ مبانٍ تعتمد على عناصر خشبية فريدة ومخصصة دون الحاجة إلى توحيد جميع المكونات أو تعديلها بشكل جذري.
عمارة أكثر استدامة وجمالاً
لا تقتصر أهمية هذه الأخشاب على الجانب الإنشائي فقط، بل تمتد إلى قيمتها الجمالية أيضاً.
فالأشكال الطبيعية المتفرعة والمنحنية تضيف طابعاً معمارياً مميزاً يصعب تحقيقه باستخدام العناصر الصناعية القياسية.
وقد استخدم الباحث هذه الفلسفة بالفعل في عدد من المشاريع المعمارية البارزة في فنلندا، حيث جرى توظيف الأخشاب الطبيعية غير المنتظمة لإضفاء طابع بصري فريد يعكس العلاقة بين العمارة والطبيعة.
نحو صناعة أخشاب أقل هدراً
يرى الباحثون، أن نتائج الدراسة قد تمهد الطريق أمام تحول أوسع في قطاع البناء والأخشاب خلال السنوات المقبلة.
فإذا جرى اعتماد معايير جديدة تسمح باستخدام هذه المواد بصورة آمنة وموثقة هندسياً، فقد تتمكن الصناعة من تقليل كميات الهدر بشكل كبير، والاستفادة من موارد كانت تُستبعد تلقائياً من الاستخدام الإنشائي.
وفي ظل التوجه العالمي نحو خفض البصمة الكربونية للمباني وزيادة الاعتماد على المواد المتجددة، قد تصبح الأخشاب “غير المثالية” جزءاً مهماً من مستقبل العمارة المستدامة، محولةً ما كان يُنظر إليه سابقاً كنفايات إلى مورد اقتصادي وبيئي عالي القيمة.





