أخبارالمدن الذكيةالتنمية المستدامة

الغطاء الشجري يعزز مقاومة المباني للعواصف ويقلل أضرار الرياح القوية

الأشجار تخفض قوة رياح الأعاصير على المنازل 50%.. دراسة تكشف الدور الخفي للغطاء الأخضر

في الوقت الذي تتزايد فيه حدة الأعاصير والعواصف الشديدة نتيجة تغير المناخ، كشف باحثون أمريكيون أن الأشجار لا تؤدي دوراً جمالياً وبيئياً فحسب، بل يمكن أن تصبح أحد أهم خطوط الدفاع الطبيعية لحماية المنازل والبنية التحتية من الرياح المدمرة إذا زُرعت في المواقع المناسبة.

 

وأظهرت دراسة حديثة أجراها فريق من الباحثين في Florida International University  أن بعض أنواع الأشجار الشائعة قادرة على خفض الضغوط الهوائية وقوى الشفط التي تتعرض لها أجزاء حساسة من أسطح المنازل بنسبة تصل إلى 50% أثناء العواصف الشديدة والأعاصير.

 

وتوفر النتائج فهماً جديداً للعلاقة المعقدة بين الغطاء الشجري والمباني، وهي علاقة لطالما أثارت جدلاً بين الخبراء، إذ تُعرف الأشجار بقدرتها على توفير الظل وتحسين جودة الهواء، لكنها قد تتحول أيضاً إلى مصدر خطر عندما تتكسر أو تُقتلع بفعل الرياح العنيفة.

 

ملايين الأشجار في مواجهة العواصف

تكتسب الدراسة أهمية خاصة في المناطق الساحلية المعرضة للأعاصير، مثل ولاية فلوريدا الأمريكية، التي تضم ملايين الأشجار داخل المناطق الحضرية.

 

ويُقدّر الباحثون وجود نحو 36 مليون شجرة في المناطق العمرانية بمقاطعة ميامي-ديد وحدها، بينما تغطي المظلة الشجرية نحو 20% من مساحة المقاطعة.

 

ومع سعي السلطات المحلية إلى زيادة المساحات الخضراء لمواجهة آثار التغير المناخي وتحسين البيئة الحضرية، برزت الحاجة إلى فهم الدور الذي تؤديه الأشجار خلال العواصف الشديدة، وما إذا كانت تقلل الأضرار أم تزيدها.

العواصف

تحليل أكثر من 40 ألف شجرة

للوصول إلى إجابات دقيقة، جمع الباحثون بيانات تفصيلية لأكثر من 40 ألف شجرة موزعة في أنحاء ولاية فلوريدا، شملت أنواع الأشجار وأبعادها وخصائصها الهيكلية.

 

واستخدم الفريق هذه البيانات لتطوير نماذج متقدمة قادرة على تقدير مدى مقاومة الأشجار للرياح الشديدة واحتمالات انكسارها أو اقتلاعها خلال الأعاصير.

 

كما أجرى الباحثون تجارب واسعة داخل منشأة متخصصة تحاكي أعاصير من الفئة الخامسة، وهي من أقوى الأعاصير المعروفة، بهدف دراسة كيفية تفاعل الأشجار مع الرياح وتأثيرها على المباني المجاورة.

تضاعف العواصف البردية
تضاعف العواصف البردية

الأشجار تخفف الضغط على المنازل

أظهرت التجارب، أن موقع الأشجار بالنسبة للمبنى يلعب دوراً حاسماً في تحديد مستوى الحماية.

فعندما وُضعت الأشجار في مسار الرياح المباشر قبل وصولها إلى المنزل، عملت كحاجز طبيعي أدى إلى تقليل سرعة الرياح والضغوط الواقعة على أجزاء من المبنى، خصوصاً المناطق الحساسة من الأسطح.

 

وسجل الباحثون انخفاضاً في قوى الرياح المؤثرة على بعض أجزاء المنازل وصل إلى نحو 50%، وهو مستوى يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في تقليل الأضرار خلال العواصف العنيفة.

 

وتشير النتائج إلى أن الأشجار قد تؤدي وظيفة مشابهة للمصدات الهوائية المستخدمة في الهندسة الزراعية والتخطيط العمراني، حيث تعمل على تفكيك التيارات الهوائية القوية وتقليل طاقتها قبل وصولها إلى المنشآت.

أوراق الأشجار

الحماية ليست مضمونة دائماً

 

لكن الدراسة كشفت أيضاً جانباً أكثر تعقيداً، ففي بعض الحالات، أدت الأشجار إلى زيادة الضغط على أجزاء معينة من المبنى بدلاً من تخفيفه.

 

وأظهرت الاختبارات، أن الرياح التي تضرب المباني بزوايا محددة يمكن أن تتفاعل مع مواقع الأشجار بطريقة تؤدي إلى تركيز تدفق الهواء نحو أجزاء من السقف أو الجدران، ما يزيد الأحمال الواقعة عليها.

 

ويرجح الباحثون أن بعض ترتيبات الأشجار قد تتسبب في تكوين ما يشبه “ممرات هوائية” توجه الرياح نحو المبنى بدلاً من إبعادها عنه، وهو ما يستدعي مزيداً من الدراسات لفهم هذه الظاهرة بشكل أدق.

 

اختيار الأشجار لا يقل أهمية عن موقعها

لم تقتصر الدراسة على تأثير مواقع الأشجار، بل تناولت أيضاً خصائص الأنواع المختلفة ومدى مقاومتها للرياح.

 

وشملت التجارب أنواعاً شائعة في فلوريدا مثل أشجار الصنوبر والبلوط والنخيل، وهي من أكثر الأنواع انتشاراً في المناطق السكنية.

 

وتبين أن شكل التاج الشجري وكثافته وقطر الجذع وارتفاع الشجرة عوامل تؤثر بشكل كبير في قدرتها على مقاومة الرياح.

 

كما أن بعض الأشجار تمتلك قدرة طبيعية على تغيير شكلها مؤقتاً تحت تأثير الرياح القوية، ما يقلل من مقاومة الهواء ويخفض احتمالات الانكسار أو الاقتلاع.

 

فوائد لقطاع التأمين وإدارة الكوارث

 

تفتح النتائج آفاقاً جديدة أمام شركات التأمين والجهات المسؤولة عن إدارة مخاطر الكوارث، فمن خلال النماذج التي طورها الباحثون، يمكن تقدير احتمالات سقوط الأشجار أو تسببها بأضرار للمنازل قبل وقوع العواصف، ما يساعد على تحسين تقييم المخاطر وتحديد المناطق الأكثر عرضة للخسائر.

 

وقد ينعكس ذلك مستقبلاً على سياسات التأمين وأسعار الأقساط وشروط التغطية التأمينية للمنازل الواقعة في مناطق كثيفة الأشجار أو المعرضة للأعاصير.

 

كما يمكن للسلطات المحلية استخدام هذه البيانات لتحديد أولويات تقليم الأشجار أو استبدال الأنواع الأكثر هشاشة بأخرى أكثر مقاومة للرياح.

 

دعم الاستعداد للكوارث

يرى الباحثون، أن أهمية الدراسة تتجاوز أصحاب المنازل وشركات التأمين لتشمل جهات الطوارئ وشركات الكهرباء والبلديات.

 

فالنماذج الجديدة يمكن أن تساعد في تقدير كمية الحطام النباتي المتوقع بعد العواصف، وتحديد الطرق والمناطق الأكثر عرضة للإغلاق، إضافة إلى توقع المخاطر التي قد تتعرض لها شبكات الكهرباء وخطوط النقل.

 

كما يمكن أن تسهم في تحسين خطط إزالة الأنقاض وتسريع عمليات التعافي وإعادة الخدمات بعد الكوارث الطبيعية.

 

الأشجار جزء من استراتيجية التكيف المناخي

في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بالتغير المناخي وازدياد شدة الأعاصير في العديد من مناطق العالم، تؤكد الدراسة أن الأشجار يمكن أن تكون جزءاً مهماً من استراتيجيات التكيف مع المناخ إذا أُحسن اختيارها وزراعتها وإدارتها.

 

فبدلاً من النظر إلى الأشجار باعتبارها خطراً محتملاً فقط أثناء العواصف، تشير النتائج إلى إمكانية توظيفها كوسيلة طبيعية لتعزيز مرونة المدن وحماية المباني وتقليل الخسائر الاقتصادية والبشرية.

 

ويعمل الباحثون حالياً على توسيع نطاق الدراسات لفهم كيفية تسبب الأشجار المتساقطة في أضرار المباني أثناء الأعاصير، بهدف تطوير إرشادات أكثر دقة تساعد المجتمعات على تحقيق أقصى استفادة من الغطاء الشجري مع الحد من مخاطره.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading