أخبارتغير المناخ

الفقراء في مرمى المناخ.. موجات الحر تحصد أرواح العمال في الهند

“الحر أخذها مني”.. موجات الحر ترفع حصيلة الوفيات في الهند وسط اتهامات بالتقليل من الأرقام

كانت حرارة الصباح خانقة بالفعل عندما استيقظت بالي ماهالاكسمي في نحو الساعة الخامسة صباحًا. كان ذلك في شهر مايو، وخلال موجة الحر التي اجتاحت هذا الجزء من جنوب الهند، لم تكن حتى ساعات الليل توفر أي راحة لسكان القرى.

في غرفة صغيرة بلا نوافذ، تتدلى فيها مروحة سقف واحدة، نامت ماهالاكسمي إلى جانب زوجها وابنها. استيقظت لتعد الإفطار، وتناولت الأسرة طعامها معًا كعادتها كل صباح، بينما كانت قطرات العرق تتصبب مع ارتفاع الشمس.

وقبيل السادسة صباحًا، ملأت ماهالاكسمي زجاجة الماء وتوجهت إلى العمل. وعلى الطريق الترابي في القرية، خرج السكان من منازلهم الصغيرة ذات الألوان الزاهية، وتبادلت التحية معهم بابتسامتها المعتادة، بينما كنّ يتجهن إلى الحقول وهن يغطين وجوههن استعدادًا ليوم شديد الحرارة.

في قرية بوسابهدره الفقيرة بولاية أندرا براديش، كانت ماهالاكسمي، البالغة من العمر 50 عامًا، تعتمد على برنامج حكومي يوفر فرص عمل للفقراء، يضمن 100 يوم عمل مدفوع سنويًا، ويشمل أكثر من 80 مليون شخص في أنحاء الهند.

موجات الحر القاتلة في الهند ترفع الوفيات بين العمال
موجات الحر القاتلة في الهند ترفع الوفيات بين العمال

ورغم قسوة العمل اليدوي في الحقول ومواقع البناء وشق الطرق مقابل 180 روبية يوميًا، كان هذا العمل طوق نجاة لها، خاصة مع عجز زوجها عن العمل، وإعاقة ابنها، وديون زواج ابنتها.

في ذلك اليوم، كانت ماهالاكسمي وزميلاتها يحفرن خزانًا مائيًا قرب النهر وسط حقول الأرز، دون أي ظل يحميهن، بينما تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية.

تقول صديقتها بارفاتي بوريلا (45 عامًا)، التي كانت تعمل معها: “كانت الحرارة لا تُحتمل، وكان العمل أكثر صعوبة. نشرب الماء لكننا نتعرق فورًا. أحيانًا نشعر بالدوار، لكن لا خيار لدينا”. ولم يمض وقت طويل حتى نفد الماء من العاملات.

وبحلول الساعة 11 صباحًا، انتهت ورديتهن الأولى، وعادت النساء إلى منازلهن في حالة من الإرهاق الشديد. لم تتحدث ماهالاكسمي عند عودتها، بل دخلت غرفتها وانهارت على السرير.

موجات الحر القاتلة في الهند ترفع الوفيات بين العمال
موجات الحر القاتلة في الهند ترفع الوفيات بين العمال

وبعد ساعات، وعندما عجزت الأسرة عن إيقاظها، هرع زوجها لإحضار طبيب، الذي أكد وفاتها نتيجة ضربة شمس.

تقول بوريلا: “كان الأمر صادمًا. كانت قوية ونشيطة دائمًا. إذا كانت الحرارة قد قتلتها، فهذا يعني أنها قد تقتل أيًّا منا”.

وتحمّل الأسرة الحكومة مسؤولية الوفاة، مشيرة إلى أنها لم تتلق أي دعم أو تعويض، وتعتمد حاليًا على مساعدات الجيران.

وتُعد وفاة ماهالاكسمي واحدة من آلاف الوفيات المرتبطة بتصاعد أزمة المناخ في الهند، حيث تصل درجات الحرارة إلى مستويات خطيرة قد تقترب من حدود قدرة الإنسان على التحمل. وقد سجلت إحدى المدن هذا العام 48 درجة مئوية، بينما جاءت أكثر 50 مدينة حرارة في العالم خلال أحد أيام أبريل جميعها في الهند.

من الحقول إلى مواقع البناء.. العمال الأكثر تضررًا من موجات الحر في الهند
من الحقول إلى مواقع البناء.. العمال الأكثر تضررًا من موجات الحر في الهند

ويعمل نحو 90% من القوى العاملة في الهند في القطاع غير الرسمي، دون حماية كافية من الحرارة. ويضطر ملايين العمال، من مزارعين وعمال بناء وباعة متجولين، للعمل في درجات حرارة تتجاوز 44 درجة مئوية، بينما تقضي النساء ساعات طويلة في مطابخ شديدة الحرارة.

كما تمتد آثار الحرارة إلى الليل، خاصة في المدن الكبرى، حيث لا تنخفض درجات الحرارة بشكل كافٍ، ما يحرم السكان من الراحة الضرورية. وتصل نسبة الوفيات الناتجة عن ضربة الشمس، إذا لم تُعالج، إلى 80%.

ورغم ذلك، تظل الأرقام الرسمية للوفيات غير واضحة، إذ سجلت الهند 460 حالة وفاة مرتبطة بالحر في 2024، و84 حالة فقط في 2025، وهي أرقام يشكك الخبراء في دقتها، معتبرين أنها أقل بكثير من الواقع.

موجات الحر القاتلة في الهند ترفع الوفيات بين العمال
موجات الحر القاتلة في الهند ترفع الوفيات بين العمال

وتشير تقديرات حديثة إلى أن يومًا واحدًا من الحر الشديد قد يتسبب في نحو 3400 وفاة إضافية، بينما قد تؤدي موجة حر تستمر خمسة أيام إلى وفاة نحو 30 ألف شخص.

كما كشف باحثون أن جهود الحصول على بيانات رسمية دقيقة حول الوفيات خلال موجات الحر واجهت عراقيل متكررة، ما يثير مخاوف بشأن شفافية البيانات.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة