استصلاح التربة المتدهورة قد يطعم 70 مليون شخص سنويًا
إصلاح 10% من تدهور التربة يعزز الأمن الغذائي عالميًا
لطالما حذّر العلماء من أن تدهور التربة يهدد الإمدادات الغذائية العالمية، لكن تحديد حجم الخسائر بدقة ظل أمرًا صعبًا لسنوات.
وكشفت دراسة عالمية جديدة عن تقدير رقمي واضح لهذه الخسائر، حيث أظهرت أن استعادة 10% فقط من التدهور الناتج عن الأنشطة البشرية يمكن أن توفر غذاءً يكفي لإطعام أكثر من 70 مليون شخص سنويًا.
ونُشرت الدراسة في مجلة “Nature Food”، وأوضحت النتائج أن الخسائر الأكبر لا تحدث في الأراضي الهامشية، بل تتركز في بعض أكثر المناطق الزراعية إنتاجية في العالم.
وعلى مدار سنوات، افترض علماء التربة أن الأراضي المتدهورة تنتج غذاءً أقل، لكن التجارب الميدانية قدمت نتائج متباينة، إذ أظهرت بعض الدراسات انخفاضًا محدودًا في الإنتاج، بينما لم ترصد أخرى أي تأثير، بل سجلت بعض الحالات زيادة في الإنتاج رغم التدهور.

ويعود ذلك إلى اختلاف الظروف بين التربة والمناخ وأنظمة الزراعة، فضلًا عن أن التدهور لا يقتصر على تآكل التربة السطحية فقط.
وقاد الدراسة الدكتور هادي هادي، الباحث في اقتصاديات الأراضي بجامعة بون، بهدف تقديم تقييم عالمي شامل لتأثير التدهور على الإنتاج الزراعي.
وقسّم الباحثون الأراضي الزراعية حول العالم إلى أكثر من 400 ألف مربع، تبلغ مساحة كل منها نحو 10 كيلومترات، مع تحليل إنتاجية 10 محاصيل رئيسية، من بينها القمح والأرز والكسافا وزيت النخيل، والتي تمثل 83% من السعرات الحرارية المنتجة عالميًا.

ولضمان دقة المقارنة، جرى مطابقة هذه المناطق وفقًا لعوامل المناخ مثل درجات الحرارة ومعدلات الأمطار، مع الأخذ في الاعتبار استخدام الأسمدة والري والمبيدات والآلات الزراعية.
كما شملت الدراسة عوامل اقتصادية ومؤسسية مثل حقوق الملكية ومستويات الفساد، لتحديد الفجوة بين الإنتاج الفعلي والإنتاج الممكن تحقيقه في ظروف مثالية.
وبعد هذه التحليلات، توصل الباحثون إلى أن زيادة التدهور بنسبة 10% تؤدي إلى اتساع فجوة الإنتاج بنحو 2%.
وفي المقابل، فإن تقليل التدهور بنفس النسبة يمكن أن يزيد الإنتاج بما يكفي لإطعام أكثر من 70 مليون شخص سنويًا.
وأظهرت النتائج أن انضغاط التربة الناتج عن استخدام الآلات الثقيلة كان العامل الأكثر تأثيرًا، يليه التآكل، ثم انخفاض الغطاء النباتي وجفاف التربة، بينما كان لفقدان الكربون تأثير أقل نسبيًا.
وعلى مستوى العالم، يؤدي تدهور التربة بنسبة 10% إلى خسارة نحو 22 مليون طن من المحاصيل سنويًا، ما يعادل 52 تريليون سعرة حرارية، وخسائر اقتصادية تُقدّر بنحو 4 مليارات دولار سنويًا.

وأشارت الدراسة إلى أن هذه التقديرات قد تكون أقل من الواقع، نظرًا لأن المقارنة اعتمدت على أفضل 5% من الأراضي الزراعية، والتي قد تكون متأثرة بالتدهور بالفعل.
وكشفت النتائج أن المناطق الأكثر تأثرًا تشمل شمال وجنوب الهند، وشمال شرق الصين، والغرب الأوسط في الولايات المتحدة، وشمال الأرجنتين، وهي مناطق تُعد من أهم مراكز الإنتاج الزراعي عالميًا.
ويرى الباحثون أن هذه المناطق أصبحت أكثر حساسية لتدهور التربة، بعدما أزالت التقنيات الزراعية الحديثة معظم القيود الأخرى على الإنتاج، لتبقى جودة التربة العامل الحاسم.

في المقابل، أظهرت مناطق أفريقيا جنوب الصحراء نمطًا مختلفًا، حيث تعود فجوات الإنتاج بشكل أكبر إلى نقص الأسمدة والري والتمويل، وليس إلى تدهور التربة وحده.
وعلى مستوى الدول، تسجل الهند والصين والولايات المتحدة أكبر خسائر إجمالية في الإنتاج بسبب اتساع مساحاتها الزراعية، بينما تتحمل دول صغيرة مثل ليسوتو وبوتسوانا أكبر خسائر نسبية مقارنة بإنتاجها.
وأكدت الدراسة أن تحسين جودة التربة يمكن أن يحقق مكاسب كبيرة في الإنتاج الغذائي، خاصة في المناطق الزراعية المتقدمة، بينما تتطلب الدول النامية استثمارات إضافية في البنية الزراعية.
وتشير النتائج إلى أن تدهور التربة لم يعد مجرد قضية بيئية، بل أصبح تحديًا مباشرًا للأمن الغذائي العالمي، يمكن قياسه بالأطنان والسعرات الحرارية والخسائر الاقتصادية.





