أخبارالتنمية المستدامةالزراعة

كيف تدافع النباتات عن نفسها؟.. أزواج من المستقبلات تقوي المناعة وتستعد للهجوم التالي

سر جديد لمناعة النباتات.. ترتيب مستشعرات الخطر يقوي الدفاعات ضد البكتيريا

لا تستطيع النباتات الهروب عندما تهاجمها البكتيريا والميكروبات المسببة للأمراض، لذلك تعتمد على أجهزة استشعار دقيقة تلتقط إشارات الخطر وتطلق سلسلة من الاستجابات المناعية داخل خلاياها.

لكن دراسة جديدة تكشف أن قوة هذا الدفاع لا تعتمد ببساطة على زيادة عدد مستشعرات المناعة، وإنما على الطريقة التي تنتظم بها هذه البروتينات على سطح الخلية.

وأظهرت التجارب أن عمل مستقبلات مناعية معينة في أزواج عزز الاستجابة الدفاعية للنبات، وفي الوقت نفسه سمح للخلايا بالتخلص من المستقبلات التي انتهت مهمتها واستبدالها بأخرى جديدة.

ونُشرت الدراسة في دورية Science Advances.

أما تكوين تجمعات أكبر من المستقبلات، فعلى الرغم من أنه عزز الإشارة المناعية في البداية، فإنه أعاق عملية تجديد المستقبلات، ما أدى إلى ضعف الاستجابة عند تكرار التعرض لإشارة الخطر.

وتقدم النتائج فهمًا جديدًا لكيفية ضبط النباتات لجهازها المناعي، وقد تفتح مستقبلًا مسارات لتحسين مقاومة بعض المحاصيل للأمراض، وإن كانت التجارب لا تزال بعيدة عن إثبات إمكانية تطبيق هذه الطريقة مباشرة في الحقول.

كيف ترصد النباتات هجوم البكتيريا؟

ركز الباحثون على بروتين مناعي يسمى FLS2، يوجد على سطح خلايا النبات ويعمل كأحد مستشعرات الخطر.

ويستطيع FLS2 التعرف على جزء صغير من بروتين بكتيري يسمى flg22.

وعندما يلتقط FLS2 هذه الإشارة، يتعاون مع بروتين آخر يعرف باسم BAK1، لتكوين منظومة تنقل إشارة الخطر إلى داخل الخلية وتطلق عدة مراحل من الاستجابة المناعية.

وقاد الدراسة البروفيسور مياو يانسونغ من كلية العلوم البيولوجية في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة.

ويشبه الباحث عمل هذه المستقبلات بوجود حراس على برج مراقبة؛ فوجود العدد والترتيب المناسبين يجعل اكتشاف المتسلل والاستجابة له أسرع، بينما قد يؤدي وجود عدد كبير جدًا إلى إعاقة النظام نفسه.

معظم المستقبلات تعمل منفردة قبل الهجوم

في البداية، أراد الباحثون معرفة ما يحدث لمستقبلات FLS2 قبل أن تتعرض النباتات لأي إشارة بكتيرية.

وأدخل الفريق علامات مضيئة إلى المستقبلات، ما سمح لهم بمراقبة حركتها على سطح الخلايا الحية.

وأظهرت المراقبة أن معظم مستقبلات FLS2 بقيت منفصلة عن بعضها عندما لم يكن النبات تحت هجوم.

وكانت بعض المستقبلات تقترب من بعضها بالصدفة، ولذلك استخدم الباحثون نماذج حاسوبية لحساب عدد مرات التجمع التي يمكن توقع حدوثها عشوائيًا.

وبعد استبعاد هذه التجمعات العشوائية، وجد الفريق أن نحو 0.76% فقط من المستقبلات بدت في صورة مجموعات.

وعندما أضاف الباحثون جزيء flg22، تغير السلوك؛ إذ بدأت مستقبلات FLS2 في التجمع بصورة أكبر، كما بقيت متقاربة لفترة أطول.

فقد ارتفع متوسط مدة بقائها معًا من نحو 8 ثوانٍ إلى 11 ثانية تقريبًا.

أزواج المستقبلات أطلقت أقوى دفاع

رؤية المستقبلات وهي تتجمع طبيعيًا لم تكن كافية لإثبات أن هذا التجمع هو الذي يغير قوة الاستجابة المناعية.

لذلك صمم الباحثون نباتات جرى فيها توجيه مستقبلات FLS2 لتوجد بصورة أساسية في ثلاث حالات: مستقبلات منفردة، وأزواج، وتجمعات أكبر.

واستخدم الفريق نبات Arabidopsis thaliana، المعروف باسم «الرشاد العربي»، وهو من أكثر النباتات استخدامًا في أبحاث علم الأحياء النباتية.

وصمم الباحثون أجزاء بروتينية تساعد على تثبيت FLS2 في الترتيبات المختلفة، ثم تحققوا من تكوّن هذه الترتيبات بالفعل.

وكانت النتيجة واضحة: المستقبلات الموجودة في أزواج أنتجت أقوى استجابة دفاعية مبكرة بعد اكتشاف flg22.
كما عززت التجمعات الأكبر الإشارة المناعية مقارنة بالمستقبلات المنفردة، لكنها لم تصل إلى قوة الاستجابة التي حققتها الأزواج.

وأيدت عدة قياسات النتيجة نفسها؛ إذ أظهرت المستقبلات المزدوجة نشاطًا أقوى في البروتينات التي تنقل إشارة الخطر داخل الخلية، إلى جانب زيادة إنتاج جزيئات الأكسجين التفاعلية، وهي جزء أساسي من الاستجابة الدفاعية المبكرة للنبات.

دفاع أقوى.. وبكتيريا أقل

لم يكتف الباحثون بقياس الإشارات داخل الخلايا، بل اختبروا ما إذا كانت الاستجابة الأقوى ستؤثر فعلًا في عدوى بكتيرية حقيقية.

وعرّضوا النباتات لبكتيريا Pseudomonas syringae pv. tomato DC3000، وهي من البكتيريا المستخدمة على نطاق واسع في تجارب أمراض النبات.

وبعد ثلاثة أيام، احتوت أوراق النباتات التي تمتلك مستقبلات FLS2 في صورة أزواج على عدد أقل من البكتيريا مقارنة بالنباتات التي كانت مستقبلاتها موجودة بصورة أساسية منفردة.

وأعطت سلالة بكتيرية أخرى، استخدمت لاختبار منظومة المناعة السطحية نفسها، نمطًا عامًا مشابهًا، لكن زيادة قوة المناعة لم تكن بلا تكلفة.

فعندما تعرضت الشتلات بصورة مستمرة لإشارة flg22، عانت النباتات ذات المستقبلات المزدوجة من انخفاض أكبر في نمو الجذور، رغم أن النباتات المعدلة لم تختلف في نموها قبل التعرض للتحدي المناعي.

وهذا يشير إلى أن تنشيط المناعة القوي يمكن أن يأتي على حساب بعض جوانب النمو عندما يستمر الضغط المناعي.

لماذا لا تكون التجمعات الأكبر أفضل؟

في البداية، بدت تجمعات المستقبلات الأكبر مفيدة أيضًا، لأنها أنتجت إشارات مناعية أقوى من المستقبلات المنفردة.

لكن الفارق ظهر بوضوح عندما تابع الباحثون ما يحدث بعد انتهاء مهمة المستقبلات في إطلاق الإنذار.

فعادةً لا تبقى مستقبلات FLS2 النشطة على سطح الخلية إلى الأبد.

إذ تسحب الخلية المستقبلات المستخدمة إلى الداخل، وتتعامل معها، ثم تعيد مستقبلات جديدة إلى سطحها لتكون جاهزة لهجوم آخر.

وتمكنت المستقبلات الموجودة في أزواج من المرور بهذه الدورة بكفاءة.

أما التجمعات الأكبر، فتحركت بدرجة أقل وبقيت على سطح الخلية لفترة أطول.

ولم يكن التأخير ناتجًا عن عطل عام في نظام النقل داخل الخلية، بل بدا أن المشكلة مرتبطة بالتجمعات الكبيرة نفسها.

تجديد المستقبلات سر قوة الدفاع المستمر

لاختبار أهمية عملية التجديد، عرّض الباحثون النباتات لإشارة flg22 ثلاث مرات متتالية، مع فاصل زمني يقارب ست ساعات بين كل مرة وأخرى.

وأتاح هذا الفاصل للخلايا فرصة للتخلص من المستقبلات المستخدمة واستبدالها بمستقبلات جديدة.

وأظهرت النباتات ذات المستقبلات المنفردة قدرة على التعافي بين التحديات.

لكن النباتات ذات المستقبلات المزدوجة حققت أقوى استجابة في الجولات الثلاث جميعها.
في المقابل، تراجعت استجابة النباتات ذات التجمعات الكبيرة في التحديين الثاني والثالث، رغم بقاء كمية كبيرة من بروتين FLS2 داخل الخلايا.

وتكشف هذه النتيجة نقطة مهمة: امتلاك النبات عددًا كبيرًا من مستشعرات المناعة لا يكفي إذا لم يكن قادرًا على التخلص من المستشعرات التي انتهت مهمتها وإعادة تجهيز سطح الخلية بمستشعرات جديدة.

كيف تعمل الأزواج؟ الآلية ما زالت غير محسومة

يرجح الباحثون أن وجود المستقبلات في أزواج قد يساعد على تقريب عدة بروتينات مناعية من بعضها، ما يسهل انتقال إشارة الخطر من بروتين إلى آخر.

لكن التجارب لم تثبت بصورة مباشرة أن هذا هو التفسير النهائي لعمل الأزواج.

كما أنها لم تثبت أن جزيئات FLS2 الطبيعية تتلامس دائمًا بشكل مباشر، إذ يمكن لبروتين BAK1 ومكونات أخرى في غشاء الخلية أن تساعد أيضًا على إبقائها متقاربة.

وحاول الفريق كذلك تعديل أجزاء من FLS2 الطبيعي يعتقد أنها تؤثر في تكوين أزواج المستقبلات.

لكن هذه التعديلات أثرت أيضًا في موقع المستقبل على سطح الخلية، وبالتالي لم يتمكن الباحثون من تحديد ما إذا كان تكوين الأزواج في FLS2 الطبيعي ضروريًا بشكل مطلق لعمل المناعة النباتية.

هل يمكن استخدام الاكتشاف في المحاصيل الزراعية؟

تكمن إحدى أهم الزوايا التطبيقية للدراسة في إمكانية استخدام المعرفة الجديدة مستقبلًا لتقوية دفاعات المحاصيل ضد الأمراض.

لكن الباحثين يحذرون من القفز مباشرة من نتائج المختبر إلى الحقول.

فالتجارب أجريت بصورة رئيسية على Arabidopsis thaliana ونبات Nicotiana benthamiana، ولا تثبت أن الترتيب نفسه للمستقبلات سيعمل بالطريقة ذاتها في الخضروات أو الحبوب أو المحاصيل التجارية المختلفة.

كما أن البيئة الزراعية أكثر تعقيدًا بكثير من الظروف المختبرية، وتضم أنواعًا متعددة من مسببات الأمراض والضغوط البيئية في الوقت نفسه.

ولهذا ستحتاج الأبحاث المقبلة إلى تحديد الترتيب المناسب لمستقبلات المناعة في كل محصول على حدة، ثم اختبار أدائه أمام أنواع مختلفة من الميكروبات المسببة للأمراض وتحت ظروف أقرب إلى الزراعة الفعلية.

وقد تشمل التطبيقات المستقبلية تطوير أصناف وبذور أكثر قدرة على مقاومة الأمراض، إلى جانب البحث في طرق يمكن استخدامها مع النباتات الموجودة بالفعل في الحقول.

ليس الهدف وضع أكبر عدد من «الحراس»

تقدم الدراسة تصورًا أكثر تعقيدًا عن مناعة النبات، فزيادة عدد مستشعرات الخطر أو جمعها في مجموعات أكبر لا تعني بالضرورة دفاعًا أفضل.

في هذه التجارب، كان الترتيب الزوجي هو الأكثر كفاءة؛ لأنه جمع بين ميزتين مهمتين: إطلاق استجابة مناعية قوية وسريعة، مع الحفاظ على قدرة الخلية على إزالة المستقبلات المستخدمة وتجديدها.

وبعبارة أخرى، يبدو أن النباتات لا تحتاج فقط إلى مستشعرات قادرة على اكتشاف الخطر، بل تحتاج أيضًا إلى نظام مرن لإدارة هذه المستشعرات بعد انتهاء الإنذار.

وقد يساعد فهم هذا التوازن مستقبلًا في تطوير استراتيجيات جديدة لتعزيز مقاومة المحاصيل للأمراض، وتقليل الخسائر الزراعية، لكن الطريق من نتائج المختبر إلى تطبيق زراعي واسع لا يزال يحتاج إلى مزيد من الاختبارات.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة