أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر

التكنولوجيا ليست نظيفة كما تبدو.. البصمة الكربونية الخفية لعالم الذكاء الاصطناعي

من اللابتوب إلى مراكز البيانات.. 4 طرق لخفض انبعاثات قطاع التكنولوجيا

بينما تتسابق المؤسسات حول العالم لتحقيق أهدافها المرحلية للحياد الكربوني بحلول 2030، تظهر مشكلة غالبًا ما تختبئ خلف أرقام الانبعاثات الإجمالية: البصمة الكربونية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT).

 

فالأجهزة التي يستخدمها الموظفون، ومراكز البيانات التي تشغّل الخدمات الرقمية، والخوادم التي تدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب عمليات تصنيع الأجهزة ونقلها والتخلص منها في نهاية عمرها، كلها تضيف انبعاثات إلى سلسلة القيمة الخاصة بالمؤسسات.

 

ووفق تقديرات أوردها المنتدى الاقتصادي العالمي، يمثل قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات نحو 1.5% إلى 4% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة عالميًا، وهي حصة تقارن بانبعاثات قطاع الطيران.

 

لكن الصورة مرشحة للتعقيد أكثر مع التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي، الذي يرفع كثافة الحوسبة والطلب على الطاقة.

 

وتشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى أن استهلاك مراكز البيانات عالميًا قد يصل إلى نحو 945 تيراواط/ساعة سنويًا بحلول 2030، أي ما يتجاوز استهلاك اليابان من الطاقة.

 

ولا تقتصر المشكلة على المناخ؛ فالطلب المتزايد على معدات الحوسبة أدى أيضًا إلى ضغوط على سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار بعض المعدات، ما يزيد الضغوط على ميزانيات تكنولوجيا المعلومات داخل المؤسسات.

 

لماذا أصبحت إزالة الكربون من التكنولوجيا ضرورة؟

تشير بيانات من تقرير Net Zero Stocktake 2025 إلى أن نحو 63% من الشركات التي شملها التقييم ملتزمة بأهداف للحياد الكربوني، بينما تشير أدلة أخرى إلى أن كثيرًا من المؤسسات لا تتراجع عن طموحاتها المتعلقة بخفض الانبعاثات.

 

وفي قطاعات تعتمد بصورة أساسية على البشر والتكنولوجيا، مثل الخدمات المهنية والقطاع المالي والإعلام، أصبحت الانبعاثات المرتبطة بالتكنولوجيا عنصرًا مؤثرًا في البصمة الكربونية للمؤسسات.

 

وفي قطاعي التمويل والتأمين، على سبيل المثال، يمكن أن تمثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أكثر من ثلث انبعاثات النطاق الثاني Scope 2، وفق أبحاث نقلها المصدر عن شركة McKinsey.

 

وبالتالي، لم تعد إزالة الكربون من البنية التكنولوجية خيارًا جانبيًا للشركات التي تستهدف الحياد الكربوني، بل أصبحت أحد المسارات العملية لتحقيق هذه الأهداف.

 

4 خطوات لخفض البصمة الكربونية للتكنولوجيا

البصمة الكربونية

بحسب جيمس بينينجتون، المدير العالمي لخدمات الاستدامة في Lenovo، يمكن للمؤسسات التركيز على أربعة مجالات عملية لخفض انبعاثات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات:

• تحسين جودة بيانات الانبعاثات.

• إطالة عمر الأجهزة عبر نماذج الاقتصاد الدائري.

• رفع كفاءة مراكز البيانات.

• إعادة التفكير في الخدمات اللوجستية والتغليف.

 

ويشير الطرح إلى أن الجمع بين هذه المسارات يمكن أن يساعد المؤسسات على تحقيق تخفيضات قابلة للقياس في الانبعاثات والتكاليف معًا.

 

1. بيانات أفضل تعني قرارات مناخية أدق

الخطوة الأولى تبدأ من نقطة أساسية: لا يمكن خفض ما لا يمكن قياسه بدقة.

 

ومع دخول أطر الإفصاح والاستدامة، مثل توجيه التقارير المستدامة للشركات في الاتحاد الأوروبي (CSRD)، ومعايير مجلس معايير الاستدامة الدولية (ISSB)، وقانون الإفصاح عن بيانات المناخ للشركات في كاليفورنيا، إلى أسواق رئيسية، تزداد أهمية البيانات القابلة للتدقيق والتحقق المستقل.

ولا تزال مؤسسات كثيرة تعتمد على الحسابات القائمة على الإنفاق، التي تقدّر الانبعاثات بناءً على قيمة مشتريات الموردين ومتوسطات عوامل الانبعاث.

 

ورغم أن هذه الطريقة مفيدة كنقطة بداية، فإنها تحمل قدرًا من عدم اليقين، وقد تؤدي إلى تقديرات مرتفعة أو لا تعكس الفروق الحقيقية بين المنتجات.

 

فقد يظهر المنتج الأعلى سعرًا، على سبيل المثال، وكأنه يسبب انبعاثات أعلى، رغم أن ارتفاع سعره قد يكون نتيجة تمتعه بعمر أطول أو قابلية أكبر للإصلاح أو كفاءة أعلى في استهلاك الطاقة.

لذلك، تحتاج المؤسسات إلى قياسات أكثر تفصيلًا، خصوصًا في الأجهزة والمعدات التكنولوجية.

 

وتوفر تقييمات دورة الحياة، وفق معايير ISO 14040 وISO 14044 وISO 14067، طريقة أكثر دقة لحساب الانبعاثات على مستوى مكونات المنتج، بدءًا من التصنيع والنقل مرورًا بمرحلة الاستخدام وانتهاءً بالتخلص منه.

 

ويصف المصدر هذا النوع من التقييم بأنه معيار متقدم لقياس البصمة الكربونية على مستوى المنتج.

 

2. إطالة عمر الأجهزة قد تكون أهم من شراء أجهزة جديدة

المسار الثاني يتعلق بما يحدث للأجهزة بعد شرائها، فالعالم ينتج نحو 62 مليون طن من النفايات الإلكترونية سنويًا، بينما يمثل تصنيع الأجهزة جزءًا كبيرًا من بصمتها الكربونية.

 

وتشير إحدى الدراسات إلى أن تصنيع الكمبيوتر المحمول يمكن أن يمثل نحو 80% من بصمته الكربونية الكلية، في حين تكون الانبعاثات الناتجة عن تشغيله أقل نسبيًا.

 

وهذا يعني أن مجرد إطالة عمر الجهاز قد تكون واحدة من أكثر الوسائل تأثيرًا لخفض انبعاثاته.

 

وتشير تقييمات دورة الحياة التي أجرتها Lenovo، وفق ما أورده الكاتب، إلى أن الأجهزة المجددة التي خضعت للتقييم لديها انبعاثات تعادل نحو نصف انبعاثات نسخها الجديدة.

 

كما بدأت الأجهزة المجددة في الانتقال من مرحلة التجارب المحدودة إلى نماذج الشراء المؤسسي، مع توفير ضمانات وقطع غيار ودعم فني على مستوى المؤسسات.

 

ولا يبدو أن قبول الموظفين يمثل عائقًا كبيرًا أمام هذا التحول؛ إذ تشير أبحاث Gartner إلى أن أكثر من 70% من الموظفين عالميًا مستعدون لاستخدام أجهزة مجددة، خصوصًا عندما تُقدم باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع للاستدامة.

 

وتتجه الشركات المصنعة أيضًا إلى نماذج مثل التجديد كخدمة، التي تسمح بإطالة عمر الأجهزة من خلال الترقية والإصلاح واستبدال البطاريات عند الحاجة.

 

لكن نهاية عمر الجهاز تظل مهمة أيضًا؛ إذ يجب ضمان حذف البيانات بصورة آمنة واستعادة الأصول وإعادة استخدامها أو تدويرها بطريقة مسؤولة.

 

3. مراكز البيانات.. قلب البصمة الكربونية لعصر الذكاء الاصطناعي

إذا كانت أجهزة الموظفين تمثل جانبًا مهمًا من البصمة الكربونية، فإن مراكز البيانات تفرض تحديًا مختلفًا، لأن انبعاثاتها ترتبط بدرجة كبيرة بالتشغيل المستمر والاستهلاك المرتفع للطاقة.

 

ومن المؤشرات المستخدمة لقياس كفاءة مراكز البيانات مقياس فعالية استخدام الطاقة (PUE)، الذي يقارن إجمالي الطاقة المستهلكة في المنشأة بالطاقة التي تذهب مباشرة إلى معدات تكنولوجيا المعلومات.

 

وتشير بيانات Google إلى أن مراكز البيانات التي تحقق مستوى PUE يقارب 1.1 تستهلك طاقة إضافية أقل بنسبة تصل إلى 84% مقارنة بمتوسط الصناعة.

 

وتشمل كفاءة البنية التحتية تحسين أنظمة التبريد وتوزيع الطاقة وتصميم المنشآت.

 

ومن بين الحلول المطروحة التبريد السائل بدلًا من الاعتماد الكامل على التبريد الهوائي. ووفق ما أوردته Lenovo، يمكن لهذه التقنية رفع الكفاءة بنسبة تصل إلى 40% في بعض التطبيقات.

لكن كفاءة مراكز البيانات لا تتعلق بالمعدات وحدها.

 

فكفاءة أعباء العمل نفسها أصبحت قضية مهمة، من خلال دمج المهام الحاسوبية وضبط أحجامها والتقليل من السعات غير المستخدمة، بما يضمن توزيع الموارد بصورة أكثر كفاءة.

 

ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال أكثر تحديدًا: كم من عمليات الذكاء الاصطناعي يمكن تنفيذها لكل كيلوواط/ساعة؟

 

وهنا تحتاج المؤسسات إلى النظر إلى كفاءة منظومة تكنولوجيا المعلومات بالكامل، بدلًا من التركيز على مكوّن واحد.

 

وبعد رفع الكفاءة إلى أقصى حد ممكن، يمكن للشركات النظر في شراء الكهرباء المتجددة، بما في ذلك اتفاقيات شراء الطاقة طويلة الأجل، المعروفة باسم PPAs.

 

4. الشحن والتغليف.. انبعاثات صغيرة في القرار وكبيرة على نطاق المؤسسة

أما المسار الرابع، فيتعلق بجانب غالبًا ما يختفي خلف المنتج نفسه: اللوجستيات والتوصيل والتغليف.

 

فالقرارات اليومية المتعلقة بكيفية نقل آلاف الأجهزة يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في البصمة الكربونية الإجمالية.

 

ومن الإجراءات التي يمكن أن تخفض الانبعاثات تقليل الاعتماد على الشحن الجوي، الذي ينتج انبعاثات أعلى من الشحن البحري، إلى جانب دمج الشحنات واستخدام العبوات الكبيرة وتقليل المواد المستخدمة في التغليف.

 

كما يمكن لتغيير مواد التغليف، والابتعاد عن البلاستيك حيثما كان ذلك ممكنًا، أن يقلل كميات المخلفات عندما تدير المؤسسة أسطولًا ضخمًا من أجهزة الكمبيوتر والهواتف والمعدات الرقمية.

 

وهنا تظهر أهمية النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها سلسلة دورة حياة كاملة، وليس مجرد جهاز يصل إلى مكتب الموظف.

 

من النوايا إلى التنفيذ.. الاستدامة تحتاج إلى خطة متعددة السنوات

الاستدامة

 

الخطوة الأكثر أهمية ليست اختيار تقنية منفردة، بل الانتقال من إعلان الالتزام إلى بناء برنامج قابل للتنفيذ.

 

ويبدأ ذلك بوضع خط أساس موثوق للانبعاثات، وتحسين جودة البيانات، ثم بناء خطة متعددة السنوات بأهداف واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

 

كما أن النتائج تتحسن عندما تعمل فرق تكنولوجيا المعلومات والمشتريات والاستدامة والموردون والشركات المصنعة للمعدات ضمن برنامج مشترك، بدلًا من اتخاذ قرارات منفصلة عند كل عملية شراء.

 

ويمكن أن تتراكم المكاسب بمرور الوقت عبر الجمع بين إدارة دورة حياة الأجهزة، والبيانات القابلة للتدقيق، وكفاءة مراكز البيانات، والتحسينات التشغيلية واللوجستية.

 

ومن الأمثلة على ذلك وضع أهداف محددة، مثل الوصول إلى استخدام 20% من الأجهزة المجددة بحلول عام 2030.

 

الذكاء الاصطناعي يضيف تحديًا جديدًا.. لكنه يكشف أيضًا فرصًا جديدة

مع تسارع انتشار الذكاء الاصطناعي، لم تعد البصمة الكربونية للتكنولوجيا قضية تقتصر على أجهزة الكمبيوتر والهواتف.

 

فكل طلب جديد على الذكاء الاصطناعي يعني عمليات حسابية إضافية، وطاقة إضافية، وتبريدًا إضافيًا، وبنية تحتية أكبر لمراكز البيانات.

 

لكن الجانب الآخر من المعادلة هو أن هذه البيئة الرقمية نفسها تتيح للمؤسسات فرصًا أكبر لقياس استهلاك الطاقة وتحسين توزيع الموارد وإدارة أعباء العمل.

 

لذلك، فإن خفض الانبعاثات الرقمية لا يعني بالضرورة تقليص استخدام التكنولوجيا، وإنما استخدامها بكفاءة أكبر، وإطالة عمر أصولها، ورفع كفاءة بنيتها التحتية، وتحسين دورة حياتها بالكامل.

 

وفي النهاية، يمكن أن تتحول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من مصدر يصعّب على الشركات تحقيق أهدافها المناخية إلى واحد من أكثر مسارات خفض الانبعاثات قابلية للقياس والتخطيط، شرط أن تبدأ المؤسسات مبكرًا، وأن تتوافر لديها بيانات موثوقة، وأهداف واضحة، وتعاون حقيقي بين جميع الأطراف.

 

المصدر : المادة الأصلية للمنتدى الاقتصادي العالمي، بقلم جيمس بينينجتون، المدير العالمي لخدمات الاستدامة في Lenovo، ضمن اجتماعات التأثير في التنمية المستدامة لعام 2026.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة