تغير المناخ يهدد صناعة الرياضة العالمية بخسائر تصل إلى 1.6 تريليون دولار بحلول 2050
الحر الشديد والطقس المتطرف يضربان واحدة من أسرع الصناعات نموًا في العالم
تهدد التغيرات المناخية صناعة الرياضة العالمية، التي حققت إيرادات سنوية تُقدَّر بنحو 2.3 تريليون دولار العام الماضي، بخسائر قد تصل إلى 1.6 تريليون دولار بحلول عام 2050، نتيجة تأثيرات تغير المناخ وارتفاع معدلات الخمول البدني، وفقًا لتقرير مشترك صادر عن شركتي «أوليفر وايمان» والمنتدى الاقتصادي العالمي.
ويقدّر التقرير أن إيرادات قطاع الرياضة قد ترتفع إلى 3.7 تريليون دولار بحلول عام 2030، وإلى 8.8 تريليون دولار بحلول 2050، في حال استمرار اتجاهات التوسع الحالية. إلا أن تسارع آثار التغير المناخي قد يؤدي إلى خفض الإيرادات السنوية بما يصل إلى 517 مليار دولار بحلول 2030، ما يهدد أحد أسرع القطاعات الاقتصادية نموًا على مستوى العالم.
وبحسب التحليل، تمثل الضغوط الحرارية أكبر خطر مادي على إيرادات الرياضة، إذ تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى جعل بعض المواقع والمواسم وأوقات اليوم غير آمنة لإقامة المنافسات، ما يدفع المنظمين إلى إعادة جدولة الفعاليات أو تقصيرها أو إلغائها، وهو ما ينعكس مباشرة على حقوق البث التلفزيوني وعقود الرعاية ومبيعات التذاكر.
كما تسهم الظواهر الجوية المتطرفة، مثل موجات الحر والفيضانات وحرائق الغابات والعواصف الشديدة، في تقليص موثوقية البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الملاعب ومراكز التدريب وأنظمة النقل وشبكات الكهرباء.
وأشار التقرير إلى أن هذه المخاطر لا تقتصر على البطولات العالمية الكبرى، بل تمتد بشكل متزايد إلى الدوريات المحلية والبطولات الإقليمية والرياضات الهواة، ما يضعف القاعدة الاقتصادية للقطاع.

خطرًا صحيًا متزايدًا على الرياضيين
ويمثل الإجهاد الحراري خطرًا صحيًا متزايدًا على الرياضيين، إذ يزيد من احتمالات الإصابة بالأمراض والإصابات المرتبطة بالحرارة، ما يرفع من المخاطر القانونية والسمعة السلبية على الاتحادات والمنظمين الذين لا يواكبون معايير السلامة مع التغيرات المناخية.
ولا يقتصر تأثير تغير المناخ على الفعاليات الرياضية فقط، بل يمتد إلى سلاسل القيمة المرتبطة بالصناعة، حيث تؤثر الظواهر

الجوية القاسية والتدهور البيئي على إنتاج وتوزيع السلع الرياضية، ما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وتراجع هوامش الربح، في ظل اضطرابات تتعلق بالمواد الخام والخدمات اللوجستية وإمدادات الطاقة.

كما تتعرض قاعدة الجماهير لضغوط متزايدة، إذ يشير التقرير إلى أن شخصًا من كل خمسة أشخاص عالميًا يواجه صعوبات في ممارسة الأنشطة البدنية الخارجية بسبب الظروف المناخية، ما يقلل من معدلات المشاركة ومبيعات المنتجات الرياضية ومستويات الارتباط طويل الأجل بالقطاع.
وتسهم مظاهر التدهور البيئي، مثل فقدان التنوع البيولوجي وندرة المياه وتلوث الهواء، في تقليص قابلية استمرار الملاعب المفتوحة، خاصة في الاقتصادات الحضرية الكثيفة التي تلعب فيها الرياضة دورًا اقتصاديًا محوريًا.
الرياضات الشتوية.. الأكثر تعرضًا للخطر
تُعد الرياضات الشتوية من أكثر القطاعات الرياضية عرضة لتداعيات تغير المناخ، إذ يقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي أن 10 دول فقط ستتمتع بموثوقية كافية للثلوج لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية بحلول عام 2040. كما أظهرت دراسة أُجريت عام 2021، أشار إليها التقرير، أن أربعًا فقط من بين 21 مدينة استضافت الألعاب الشتوية منذ عام 1924 ستظل صالحة بحلول منتصف القرن في ظل سيناريوهات الاحترار الشديد.
وفي أوروبا، حققت السياحة الشتوية إيرادات تُقدَّر بنحو 213.9 مليار دولار عام 2022، وتُعد جبال الألب القلب النابض لهذا النشاط. إلا أن دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة «نيتشر لتغير المناخ» توقعت أن 53% من منتجعات التزلج الأوروبية، البالغ عددها 2234 منتجعًا، ستواجه مخاطر مرتفعة للغاية لنقص الثلوج في حال ارتفاع درجات الحرارة بمقدار درجتين مئويتين، بينما قد تصبح 98% من هذه المنتجعات غير قابلة للاستمرار في سيناريو ارتفاع أربع درجات مئوية.

ويؤكد الباحثون أن الاعتماد على الثلوج الصناعية يوفر حلولًا محدودة، إذ قد تصل تكاليف إنتاجها إلى 18 ألف دولار للهكتار الواحد، فضلًا عن القيود المرتبطة بتوافر المياه والآثار البيئية. وقال فرانسوا هيوغ، الباحث في المعهد الوطني الفرنسي للزراعة والغذاء والبيئة: «حتى المنتجعات الأقل تأثرًا بتغير المناخ تحتاج إلى إعادة التفكير في نماذج أعمالها والتكيف مع تداعيات الاحترار العالمي».
يواصل الاقتصاد الرياضي نموه
ورغم هذه التحديات، يواصل الاقتصاد الرياضي نموه، إذ يقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي أن أربعة قطاعات رئيسية، تشمل الدوريات الاحترافية والرياضة القاعدية والسلع الرياضية والسياحة الرياضية، تحقق إيرادات سنوية تقارب تريليوني دولار، إلى جانب نحو 300 مليار دولار من صناعات مرتبطة، مثل البث الإعلامي والألعاب الإلكترونية والتغذية والأجهزة القابلة للارتداء والخدمات الرياضية.
وتُعد السياحة الرياضية المحرك الأكبر للإيرادات، حيث يُتوقع أن تسهم بنحو 60% من نمو الاقتصاد الرياضي حتى عام 2030، مدعومة بتحول الرياضة إلى فئة أصول استثمارية، وتنامي الاهتمام بالرياضة النسائية، واتساع الأسواق الناشئة.
لكن التقرير يحذر من أن تجاهل دمج المخاطر المناخية والصحية في التخطيط المالي قد يؤدي إلى المبالغة في تقدير العوائد وظهور استثمارات عالقة. وأكد التقرير أن نجاح الاقتصاد الرياضي على المدى الطويل سيعتمد بشكل متزايد على القرارات التي تُتخذ اليوم، مشيرًا
إلى أن الفشل في إدراك هذا التداخل قد يؤدي إلى التقليل من التكاليف الاقتصادية والبيئية والاجتماعية الحقيقية لغياب التحرك.

ودعا معدو التقرير إلى تحرك متكامل يضم الحكومات والاتحادات الرياضية والمدن والمستثمرين والهيئات المنظمة، مع التركيز على تمويل التكيف مع المناخ، وتطوير البنية التحتية المرنة، والإدارة الرشيدة للموارد، وتوسيع مبادرات مثل «الرياضة من أجل العمل المناخي» و«الرياضة من أجل الطبيعة» بدعم من الأمم المتحدة.
وخلص التقرير إلى أن إدارة المخاطر المناخية لم تعد خيارًا أمام صناعة الرياضة، بل ضرورة استراتيجية، في ظل خيارين واضحين أمام القطاع: إما قيادة التحول نحو نماذج مستدامة وقادرة على الصمود، أو تحمل خسائر اقتصادية متزايدة مع إعادة تشكيل قواعد اللعبة بفعل تغير المناخ.





