من كاس العالم إلى الألعاب الأولومبية.. تغير المناخ يُعيد تشكيل مواعيد البطولات الرياضية
موجات الحر والفيضانات تهديد صحة الرياضيين.. الملاعب العالمية تحت الضغط
تواجه الرياضة العالمية تحديًا غير مسبوق نتيجة الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية المتسارعة التي تجتاح الكوكب.
من كأس العالم لكرة القدم إلى الألعاب الأولمبية الصيفية، لم تعد مواعيد الأحداث الكبرى ثابتة كما عهدها المشجعون، بل أصبحت مهددة بالتعديل الجذري لضمان سلامة الرياضيين وسير المنافسات بشكل مناسب.
تخيّل نهائي كأس العالم يقام يوم الخريف أو في الشتاء، أو الألعاب الأولمبية الصيفية التي تُنظم في الخريف أو الربيع بدلاً من يوليو وأغسطس التقليديين، أو بطولة العالم لألعاب القوى التي تمتد على عدة أشهر بدلاً من أسبوعين.
حتى وقت قريب، كانت مثل هذه الأفكار تبدو مستحيلة، وربما مجرد سيناريوهات للمرح، لكنها اليوم تدخل إطار المناقشات الجادة لدى قادة الرياضة العالميين.

سلامة الرياضيين تؤثر على أدائهم
السبب وراء هذا التحول واضح: ارتفاع درجات الحرارة العالمية، إلى جانب التغيرات الموسمية والجغرافية، باتت تهدد سلامة الرياضيين وتؤثر على أدائهم.
ففي كأس العالم 2022 بقطر، واجه لاعبو الفرق تحديات غير مسبوقة مع درجات حرارة مرتفعة جدًا ورطوبة خانقة، ما أجبر المنظمين على اتخاذ تدابير غير تقليدية مثل تعديل توقيت المباريات.
وفي بطولة العالم لألعاب القوى في طوكيو، أدت موجات الحرارة الشديدة إلى مخاوف من تعريض عدائي الماراثون لمسافات طويلة إلى مخاطر جسدية خطيرة.
صرح جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا، بأن “إعادة النظر في مواعيد البطولات الكبرى لم تعد مسألة اختيارية”، مشيرًا إلى أن اللعب في مارس أو أكتوبر قد يكون الحل الأمثل لتوحيد التوقيت عالميًا، وتفادي الحرائق الشديدة أو الحرارة المفرطة التي قد تهدد صحة اللاعبين.
وأوضح إنفانتينو، أن الأمر لا يقتصر على كأس العالم فحسب، بل يشمل جميع البطولات الدولية، خاصة في الدول الأوروبية التي تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في درجات الحرارة خلال الصيف.

إعادة هندسة التقويم الرياضي العالمي
وفي سياق متصل، أشار اللورد كوي، رئيس الاتحاد العالمي لألعاب القوى، إلى ضرورة “إعادة هندسة التقويم الرياضي العالمي” لمواجهة تأثير الحرارة على الرياضيين، لا سيما في سباقات التحمل مثل الماراثون، والتي قد تحتاج قريبًا لإقامتها في شهور مختلفة عن باقي الفعاليات لضمان سلامة المشاركين.
كما أكدت اللجنة الأولمبية الدولية أنها تدرس تعديل الفترة التقليدية للألعاب الصيفية بين 15 يوليو و31 أغسطس، في إطار عملية “التوقف والتأمل” لمراجعة تنظيم الألعاب بما يتناسب مع المتغيرات المناخية المستقبلية.
تأتي هذه التحركات بعد صدور دراسات وتقارير علمية محلية ودولية، أبرزها تقرير Pitches in Peril، الذي حلل المخاطر المناخية المرتبطة بالملاعب المضيفة لكأس العالم في الولايات المتحدة، كندا، والمكسيك، ووجد أن 14 من أصل 16 ملعبًا تتجاوز مستويات السلامة المحددة لثلاثة مخاطر رئيسية: الحرارة الشديدة، الأمطار الغزيرة، والفيضانات.
وقد شهدت المباريات الفعلية هذا الصيف حالات إغماء وإصابات بسبب الحرارة، بما في ذلك حالة اللاعب إنزو فيرنانديز الذي اضطر للتمدد على أرض الملعب بعد شعوره بالدوار نتيجة الحرارة الشديدة.

تعقيد التنظيم ويهدد صحة الرياضيين والمشجعين
الرياضة العالمية لم تكن وحدها المستهدفة، فالملاعب الأوروبية أيضًا معرضة للمخاطر.
بيانات مكتب الأرصاد البريطاني تشير إلى أن أحداثًا مثل بداية بطولة الستة أمم في ملاعب الأليانز ومورايفيلد، وماراثون لندن، وسباق Great North Run، وWimbledon، ستواجه ارتفاعًا كبيرًا في درجات الحرارة بحلول عام 2050، مع تباينات كبيرة في الأمطار، مما يزيد من تعقيد التنظيم ويهدد صحة الرياضيين والمشجعين على حد سواء.
تسعى المنظمات الرياضية إلى مجموعة من الحلول لتخفيف آثار الحرارة المتزايدة، تشمل اختيار دول مستضيفة بمناخ أكثر اعتدالًا في أوقات إقامة الفعاليات، بناء ملاعب مغطاة أو مزودة بظلال واسعة، إدخال أيام احتياطية لتأجيل المباريات عند الضرورة، أو تعديل مواعيد البطولات بما يتماشى مع المناخ الآمن للرياضيين.

العامل الاقتصادي هو الفيصل
مع ذلك، يبقى العامل الاقتصادي هو الفيصل في أي قرار. فالتحولات الكبيرة في تقويم البطولات الكبرى تواجه مقاومة بسبب تراكم المباريات والضغط المالي المرتبط بالبث التلفزيوني والحقوق التجارية. ومع ذلك، يشير الخبراء مثل مادلين أور، أستاذة الرياضة البيئية في جامعة تورنتو، إلى أن التكيف مع التغيرات المناخية أصبح ضرورة لا يمكن تجاهلها، سواء من أجل سلامة الرياضيين أو لضمان استمرار الرياضة العالمية دون تعطيلات كارثية.

الرياضة العالمية أما مفترق طرق
في النهاية، يوضح هذا التحليل أن الرياضة العالمية تواجه مفترق طرق: إما التكيف مع المناخ المتغير عبر إعادة جدولة البطولات الكبرى وتطوير البنية التحتية، أو المخاطرة بصحة الرياضيين وفرض قيود مستقبلية صارمة على تنظيم الأحداث الرياضية، مع احتمال أن تصبح الحرارة المفرطة والطقس المتطرف جزءًا لا يمكن تجاهله من تجربة متابعة الرياضة في القرن الحادي والعشرين.





