علماء ينجحون في “رؤية” التقاط الكربون لحظة حدوثه لأول مرة
تقنية جديدة تفتح نافذة على قلب تفاعل تقنيات إزالة الكربون من الجو
في خطوة علمية وُصفت بأنها اختراق مهم في تقنيات المناخ، أعلن باحثون من جامعة كولورادو بولدر أنهم تمكنوا لأول مرة من مراقبة عملية التقاط ثاني أكسيد الكربون من الهواء في الزمن الحقيقي، وكشف ما يحدث داخل “المنطقة التفاعلية” الدقيقة التي ظلّت لعقود خارج نطاق الرؤية المباشرة.
ورغم أن تقنيات التقاط الكربون المباشر من الهواء (DAC) ليست جديدة، فإن العلماء كانوا يعتمدون حتى الآن على قياس ما يدخل إلى النظام وما يخرج منه فقط، دون القدرة على تتبع التفاعلات الكيميائية الدقيقة التي تحدث داخل السائل المستخدم في الامتصاص.
وأوضح الباحثون أن هذا “العمى العلمي” كان أحد أبرز التحديات أمام تطوير هذه الأنظمة، خاصة مع توسع مشاريع التقاط الكربون عالميًا، ومنها منشأة ضخمة قيد الإنشاء في ولاية تكساس الأميركية قادرة على إزالة نحو 500 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا.

فتح “الصندوق الأسود” لتقنيات التقاط الكربون
تعتمد إحدى أكثر الطرق شيوعًا في التقاط الكربون على استخدام محلول قلوي قوي مثل هيدروكسيد البوتاسيوم، حيث يتفاعل مع CO₂ الموجود في الهواء ليحوّله إلى مركبات كربونات مذابة.
ورغم وضوح المعادلة الكيميائية نظريًا، فإن السلوك الفعلي للتفاعل داخل طبقات السائل ظل غير مرئي للعلماء.
وقال الباحث الرئيسي جايسون فايلستيكِر إن المشكلة كانت تكمن في “المنطقة الدقيقة جدًا بين الهواء والسائل، حيث تحدث أهم التفاعلات دون أن يتمكن أحد من رؤيتها بشكل مباشر”.

جهاز مخبري يحاكي الواقع الصناعي
لتجاوز هذا التحدي، طوّر الفريق جهازًا مخبريًا خاصًا يُعرف باسم “خلية التدفق”، صُمم لمحاكاة بيئة أنظمة التقاط الكربون الصناعية مع السماح بالمراقبة المباشرة في الوقت الفعلي.
لكن تصميم الجهاز لم يكن بسيطًا، إذ تطلّب عشرات المحاولات الهندسية لضمان تدفق السائل بسلاسة، وتجنب الفقاعات، ومقاومة المواد الكيميائية القوية، مع الحفاظ على شفافية تسمح بالرصد البصري الدقيق.
وبحسب الباحثين، فقد تم إنتاج أكثر من 60 نموذجًا مختلفًا للجهاز قبل الوصول إلى التصميم النهائي.
حلول هندسية مبتكرة بتكلفة منخفضة
اعتمد الفريق على الطباعة ثلاثية الأبعاد باستخدام راتنجات خاصة متوافقة كيميائيًا مع المواد المستخدمة داخل التجربة، ما خفّض التكلفة بشكل كبير وسرّع عمليات التطوير.
كما استلهم الباحثون حلولًا هندسية من مجالات غير متوقعة، مثل تصميمات طبول الموسيقى لتحسين الإغلاق، وتعديل شكل القنوات الداخلية لتقليل الفقاعات وتحسين تدفق السائل.

رؤية مباشرة للتفاعل الكيميائي
باستخدام تقنية التحليل الطيفي رامان، تمكن العلماء من تتبع التغيرات الكيميائية داخل السائل عبر مسح بصري دقيق، ما أتاح إنشاء “خرائط كيميائية حية” توضح أين تتكوّن مركبات الكربونات والبيكربونات أثناء عملية الامتصاص.
والمفاجأة التي رصدها الفريق كانت أن التفاعل الكيميائي لا يسير دائمًا في اتجاه واحد كما كان يُعتقد، إذ تبين أن بعض التفاعلات تعكس مسارها بالقرب من سطح السائل في ظروف معينة.
تحسين كفاءة تقنيات إزالة الكربون
أظهرت النتائج أن طبيعة تدفق السائل وتركيز المحلول المستخدم يلعبان دورًا كبيرًا في كفاءة التقاط الكربون، وهو ما قد يساعد مستقبلاً في تطوير أنظمة أكثر فعالية وأقل استهلاكًا للطاقة.
كما نجح الباحثون في بناء نموذج حاسوبي يعتمد على البيانات الفعلية المرصودة، ما يجعله أكثر دقة في اختبار وتصميم أنظمة جديدة دون الحاجة إلى بناء نماذج صناعية مكلفة.

خطوة نحو مستقبل مناخي أدق فهمًا
ورغم أن التقنية ما تزال في مراحلها البحثية، يرى العلماء أن القدرة على مراقبة التفاعل مباشرة تمثل تحولًا مهمًا في مجال تقنيات المناخ، ليس فقط لتحسين التقاط الكربون، بل أيضًا لفهم عمليات كيميائية مشابهة في مجالات مثل إنتاج الوقود وتكنولوجيا البطاريات.
ويؤكد الباحثون أن الطريق ما يزال طويلاً نحو تطبيقات صناعية واسعة، لكن امتلاك “رؤية مباشرة” لما يحدث داخل النظام قد يغيّر طريقة تصميم هذه التقنيات بالكامل.





