مناخ الأرض ضحية صامتة للحروب.. أضرار مستمرة لعشرات السنين.. الطبيعة تدفع الثمن
الجيوش مسؤولة عن 5.5% من الانبعاث.. كيف تدمّر النزاعات النظم البيئية عالميًا؟
تكشف دراسات علمية حديثة عن جانب خفي وخطير من الحروب، يتمثل في كلفتها البيئية التي لا تتوقف عند نهاية النزاعات، بل تمتد آثارها لعقود طويلة، مخلّفة أضرارًا عميقة في المناخ والموارد الطبيعية والنظم البيئية.
ففي تقرير علمي نُشر عام 2026، سعى باحثون إلى تجميع وتقييم ما هو معروف عن التأثيرات البيئية للنزاعات المسلحة، من خلال مراجعة منهجية شملت 263 دراسة علمية و36 تقريرًا صدرت بين عامي 2014 و2025، وفق منهجية “PRISMA” المعتمدة في مراجعات الأدلة العلمية.
وأظهرت النتائج أن العمليات العسكرية تمثل نحو 5.5% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة عالميًا، ما يعني أنه إذا اعتُبرت الجيوش دولة واحدة، فستكون رابع أكبر مصدر للانبعاثات في العالم.

ورغم هذا التأثير الكبير، لا تزال الانبعاثات العسكرية خارج نطاق الرصد الدقيق، حيث تشير الدراسة إلى أن التقارير المقدمة إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ لا تغطي سوى أقل من 10% من الانبعاثات الفعلية، في ظل اعتماد الإبلاغ الطوعي وغياب آليات موحدة للرصد.
وتُعزى هذه الفجوة إلى استثناءات تاريخية، إذ أعفى “بروتوكول كيوتو” الانبعاثات العسكرية لأسباب تتعلق بالأمن القومي، فيما ترك “اتفاق باريس” مسألة الإبلاغ لتقدير كل دولة، دون إلزام بمنهجية محددة.
ورغم اختلاف التقديرات، حيث تشير دراسات أخرى إلى أن مساهمة الجيوش تتراوح بين 1% و5% من الانبعاثات العالمية، فإن الاتجاه العام واضح: الحروب تمثل عبئًا بيئيًا كبيرًا لا يزال غير محسوب بدقة.
وعلى مستوى التنوع البيولوجي، أظهرت دراسة واسعة نُشرت في مجلة “Nature” أن النزاعات المسلحة تؤثر بشكل مباشر على الحياة البرية، حيث تم تتبع 253 مجموعة من 36 نوعًا من الحيوانات العاشبة الكبيرة في 126 منطقة محمية بإفريقيا خلال الفترة من 1946 إلى 2010.

وكشفت الدراسة أن 71% من هذه المناطق تعرضت لنزاعات، وأن تكرار الصراعات كان العامل الأكثر تأثيرًا في تراجع أعداد الحيوانات، متفوقًا على جميع العوامل الأخرى.
ورغم الانخفاض الحاد في أعداد الحيوانات، فإن الدراسة أشارت إلى أن الانقراض الكامل كان نادرًا، حيث أظهرت بعض النظم البيئية قدرة على التعافي بعد توقف النزاعات، كما حدث في حديقة “جورونغوسا” الوطنية في موزمبيق، التي فقدت أكثر من 90% من حيواناتها خلال الحرب، قبل أن تبدأ في التعافي تدريجيًا.

وفيما يتعلق بالموارد الطبيعية، حذرت الدراسة من أن المياه والتربة تتحملان أضرارًا طويلة الأمد، إذ يؤدي تدمير البنية التحتية للمياه، مثل السدود ومحطات المعالجة، إلى تفاقم أزمات المياه وزيادة التوترات بين الدول.
كما تتعرض التربة لتلوث طويل الأمد نتيجة المخلفات العسكرية والانفجارات التي تخلّف معادن ثقيلة ومواد سامة، ما يؤثر على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي لسنوات وربما عقود.

وتخلص الدراسات إلى أن الأثر البيئي للحروب لا يقل خطورة عن آثارها المباشرة، بل قد يكون أكثر استمرارًا، في ظل غياب آليات دولية فعالة لرصد هذه الأضرار أو الحد منها.
وفي ظل تصاعد التحديات المناخية عالميًا، يطرح هذا الملف تساؤلات ملحّة حول ضرورة إدماج الانبعاثات العسكرية ضمن الحسابات الدولية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، لضمان حماية البيئة من أحد أكثر مصادر التلوث تجاهلًا.






