ليست لعلاج التوتر فقط.. الطبيعة قد تعزز قدرات الدماغ لدى الأشخاص الأصحاء
نزهة في الطبيعة قد تفعل أكثر مما تتوقع.. تحسن التفكير والمزاج دون الحاجة إلى التوتر
بعد يوم شاق ومليء بالضغوط، غالبًا ما تكون النصيحة المعتادة هي الخروج في نزهة داخل حديقة أو قضاء بعض الوقت وسط الطبيعة، وهي فكرة ظل علماء النفس البيئي يختبرونها لعقود.
وفي معظم التجارب، يبدأ الباحثون بإجهاد المتطوعين عمدًا، ثم يرسلونهم إلى الخارج ويقيسون مدى تعافيهم بعد قضاء بعض الوقت في الطبيعة.
لكن ماذا يحدث إذا عكس الباحثون التجربة، وبدأوا بأشخاص يشعرون بأنهم بخير ولا يعانون ضغوطًا واضحة؟
تشير النتائج إلى أن الطبيعة قد تظل صاحبة الأفضلية.
ففي جميع التجارب الأربع التي قاست القدرات العقلية لدى أشخاص لم يتعرضوا للتوتر مسبقًا، كان أداء المشاركين أفضل بعد قضاء الوقت في الطبيعة مقارنة بالبيئة الحضرية.
وهذه النتيجة تطرح فكرة مختلفة عن النموذج الذي ركزت عليه أبحاث كثيرة سابقًا؛ فبدلًا من أن تكون الطبيعة وسيلة لإصلاح ما أفسده التوتر، ربما تكون قادرة على تحسين أداء الإنسان حتى عندما لا يكون هناك شيء يحتاج إلى التعافي منه.
ونُشرت الدراسة الكاملة في Journal of Environmental Psychology.

مراجعة 54 دراسة حول تأثير الطبيعة
راجعت الباحثتان يوهانا بروجر وسيمون كيون، من معهد ماكس بلانك للتنمية البشرية في برلين، 54 دراسة شملت 61 تجربة نُشرت بين عامي 1996 و2024.
وأظهرت المراجعة أن التجارب التي بدأت بإجهاد المشاركين كانت أكثر بكثير من تلك التي اختبرت تأثير الطبيعة على أشخاص لم يتعرضوا للتوتر، إذ بلغ عددها 45 تجربة مقابل 8 فقط.
وقادت بروجر، وهي باحثة في مركز علم الأعصاب البيئي التابع للمعهد، هذه المراجعة.
وقالت إن التحليل يشير إلى أن الباحثين ربما أغفلوا آلية أكثر جوهرية، وهي أن الطبيعة يمكنها أيضًا تعزيز أداء الإنسان حتى في غياب عوامل التوتر.

معظم الدراسات تبدأ بإجهاد المشاركين
في 19 تجربة، عمل الباحثون على إجهاد المشاركين عمدًا قبل تعريضهم للطبيعة أو البيئة الحضرية.
ومن بين الأساليب المستخدمة اختبار الضغط الاجتماعي المعروف باسم Trier Social Stress Test، حيث يُطلب من الشخص إلقاء خطاب وإجراء عمليات حسابية أمام لجنة من المقيمين.
وفي تجربة أخرى، طُلب من المشاركين إجراء عمليات حسابية ذهنية متواصلة ضد عقارب الساعة، مع إطلاق صوت مزعج بعد كل إجابة خاطئة.
وفي إحدى الدراسات، خضع الأطفال للاختبار خلال فترة بعد الظهر، بعد أن أمضوا يومًا دراسيًا كاملًا، وهو ما يعني أنهم كانوا قد تعرضوا بالفعل لإجهاد ذهني قبل التجربة.
لكن هناك مجموعة أكبر من الدراسات اتبعت نهجًا أكثر دقة؛ ففي 26 تجربة أخرى، لم يطبق الباحثون عاملًا واضحًا ومتعمدًا لإجهاد المشاركين، رغم أن معظم جلسات الاختبار بدأت باستبيانات ومهام ذهنية استمرت من 5 إلى 75 دقيقة.
وترى بروجر وكيون أن هذه المهام نفسها يمكن اعتبارها عاملًا من عوامل الضغط، إذ إن قضاء ساعة في الاختبارات قد يكون مرهقًا للمشاركين، حتى لو لم يكن الباحثون يقصدون ذلك.
وأشارت الباحثتان إلى أن هذا التصنيف وضع بعد إجراء الدراسات، وأن بعض التجارب التي بدت أقل إجهادًا ربما تسببت في إرهاق المشاركين أكثر من التجارب التي استخدمت اختبارات ضغط متعمدة.

الطبيعة حسّنت أداء الأشخاص الذين لم يكونوا متوترين
في 8 تجارب، لم يُطلب من المشاركين القيام بأي مهام مسبقة يمكن اعتبارها مصدرًا للإجهاد.
وقاست 6 من هذه التجارب الحالة المزاجية للمشاركين، وشعر الأشخاص بتحسن بعد وجودهم في الطبيعة في 4 منها، بينما لم تجد إحدى الدراسات فرقًا، وجاءت نتائج الدراسة الأخيرة مختلطة.
كما طلبت 3 من التجارب الثماني من المشاركين تقييم مدى شعورهم بالانتعاش بعد التجربة، وجاءت النتائج في الحالات الثلاث لصالح البيئة الطبيعية.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه الأرقام لا تزال محدودة للغاية.
ففي مجال بحثي لا يزال يضم عددًا قليلًا نسبيًا من الدراسات، قد تكون الدراسات التي لم تجد نتائج مهمة أقل احتمالًا للنشر، ما قد يجعل مجموعة صغيرة من الأدلة تبدو أكثر قوة مما هي عليه بالفعل.
وحاولت الباحثتان مقارنة حجم التأثير بين الدراسات، لكنهما لم تتمكنا من ذلك بسبب الاختلاف الكبير بين الاختبارات المستخدمة.
لذلك، فإن النسب المذكورة تعكس حصة الدراسات التي أظهرت أفضلية للطبيعة، ولا تعبر بالضرورة عن قوة التأثير أو حجمه.

تأثير الطبيعة ظهر حتى في الدراسات التي سبقت بالتوتر
من بين 37 تجربة بدأت بتعريض المشاركين للتوتر ثم قيست فيها القدرات العقلية، أظهرت 25 تجربة أداءً أفضل بعد التعرض للطبيعة، أي ما يعادل 67.6% من النتائج.
لكن يبدو أن مستوى التوتر نفسه كان له تأثير.
فعندما طبق الباحثون عاملًا متعمدًا لإجهاد المشاركين، جاءت 75% من نتائج اختبارات التفكير لصالح الطبيعة.
أما عندما ظهر الإجهاد بوصفه نتيجة جانبية للمشاركة في الاختبارات، فقد بلغت النسبة 61.9%.
وهذا يشير إلى أن الطبيعة قد تكون مفيدة سواء كان الإنسان متوترًا بوضوح أو تعرض لإجهاد أقل وضوحًا خلال أداء المهام.
هل نقيس «التعافي» بطريقة غير دقيقة؟
في 18 تجربة، قيّم المشاركون مدى شعورهم بأن البيئة التي كانوا فيها تساعدهم على استعادة طاقتهم أو قدراتهم.
وغالبًا ما استخدم الباحثون مقياسًا مكونًا من 26 بندًا، جرى تطويره عام 1997.
لكن الباحثتين لاحظتا أن خمسة بنود فقط من هذا المقياس ترتبط بشكل مباشر بفكرة التعافي، ومن بينها تقييم المكان باعتباره «تجربة للهروب» من الضغوط.
أما البنود الأخرى، فتتناول ما إذا كان المكان مثيرًا للاهتمام أو مناسبًا للشخص.
وهذا يعني أن الشخص الذي يشعر بأنه بخير من البداية يمكنه أن يوافق على العديد من هذه البنود، دون أن يكون قد تعافى فعليًا من حالة توتر سابقة.
وفي تجارب المشي التي أجرتها بروجر وكيون، قُسّم المقياس إلى جوانب مختلفة، وحققت البنود المتعلقة بالتجربة درجات أعلى من البنود المرتبطة بالتعافي، وكان هذا واضحًا بصورة أكبر خلال المسارات الحضرية.
وبالتالي، فإن الحصول على درجة مرتفعة في هذا النوع من المقاييس لا يثبت بالضرورة أن الشخص كان يتعافى من التوتر.

أدلة محدودة لكنها تفتح بابًا جديدًا
تكشف المراجعة أيضًا عن عدد من القيود المهمة.
فالكثير من المشاركين كانوا من الطلاب أو الشباب، وبلغ متوسط أعمارهم 21.7 عامًا.
كما كانت الدراسات صغيرة نسبيًا، إذ بلغ متوسط عدد المشاركين نحو 41 شخصًا بعد استبعاد دراسة واحدة شملت 2031 طفلًا من المدارس.
وجرت جميع الدراسات في دول متقدمة، وكانت معظمها في أمريكا الشمالية أو أوروبا، بينما أجريت دراسة واحدة في الصين.
واستغرقت معظم التجارب بين دقيقة ونصف و90 دقيقة، بينما بلغ متوسط مدة التجارب التي لم يسبقها إجهاد نحو 28 دقيقة.
وكانت ثلاث دراسات فقط طويلة المدى، من بينها دراسة في ساحة مدرسية تابعت الأطفال لمدة عامين.
وهذا يعني أن معظم الأدلة المتاحة تصف تأثير زيارة واحدة فقط إلى الطبيعة.
وكان المشاركون موجودين فعليًا في البيئة الطبيعية خلال 31 تجربة، وهو الأسلوب الأكثر استخدامًا، بينما استخدمت 15 تجربة الصور، و5 تجارب الواقع الافتراضي، وتجربتان المشاهد الصوتية.
وفي إحدى التجارب، وُضعت قطع من القطن على سماعة الرأس لحمل روائح مستوحاة من الطبيعة والمدينة.
«الإنعاش».. تأثير قليل الدراسة للطبيعة
يقترح الباحثون مصطلحًا لوصف التحسن الذي يبدأ من حالة غير متوترة، وهو مفهوم لا يزال نادر الاستخدام في الأبحاث العلمية.
فعندما أجرى الباحثون بحثًا في قاعدة بيانات PubMed خلال مارس 2026، وجدوا 59,662 نتيجة تجمع بين الطبيعة والاستعادة أو التعافي، مقابل 5 نتائج فقط لمفهوم الطبيعة و«الإنعاش» أو تعزيز الموارد النفسية والمعرفية.
ويصف الباحثون هذه الفكرة حاليًا باستخدام مصطلحات أخرى، مثل «التخفيف من التأثيرات السلبية»، و«التعزيز المعرفي»، و«بناء الموارد».
لكن بروجر وكيون تدعوان إلى اعتماد مفهوم Instoration لوصف هذا التأثير الذي لا يعتمد على وجود التوتر مسبقًا.
ومع ذلك، لا يتفق جميع الباحثين مع هذا التفسير.
ففي تحليل تلوي نُشر عام 2024، صنّف الباحثان نجوين ووالترز الأدبيات العلمية بالطريقتين نفسيهما، ولم يجدا فرقًا واضحًا.
وردت بروجر وكيون بأن الدراسة السابقة اعتبرت بعض الدراسات التي تضمنت مهامًا قبل التعرض للطبيعة دراسات «بلا توتر»، بينما تصنفهما الباحثتان باعتبارهما تجارب تضمنت بالفعل عاملًا من عوامل الإجهاد.

ماذا لو أصبحت الطبيعة جزءًا من الروتين اليومي؟
عادة ما تُبرر أهمية المساحات الخضراء في المدن بقدرتها على تخفيف التوتر.
لكن إذا ثبت أن الطبيعة يمكنها أيضًا تعزيز قدرات الأشخاص الذين لا يعانون التوتر، فقد يصبح استخدامها في المدارس وأماكن العمل أكثر أهمية، وفقًا للباحثتين.
وأجرت مجموعة كيون بالفعل تجارب للمشي، من بينها تجارب تضمنت المشي لمدة ساعة، وأظهرت انخفاضًا في نشاط منطقة من الدماغ مرتبطة بالضغط النفسي.
وقالت كيون إن الدراسات المستقبلية يجب أن تبحث فيما إذا كانت الطبيعة قادرة أيضًا على بناء الموارد النفسية والمعرفية وجعل الأشخاص أكثر قدرة على مقاومة عوامل التوتر على المدى الطويل.
ولا يزال الباحثون لا يعرفون إلى متى يمكن أن يستمر هذا التأثير، أو ما إذا كان يصل إلى مرحلة يتوقف عندها عن الزيادة.
وفي التجارب التي لم يسبقها إجهاد، كانت جميع مهام الانتباه المستخدمة تتطلب تركيزًا متعمدًا وموجهًا نحو هدف محدد.
ولم يقارن الباحثون بشكل كافٍ بين هذه المهام والأنشطة التي تعتمد على الانتباه التلقائي، وهو ما يتطلب نوعًا مختلفًا من الدراسات.
وتقترح بروجر وكيون إجراء تجارب تعتمد على المشي المنتظم لأسابيع أو أشهر، بدلًا من زيارة واحدة إلى المختبر، مع مطالبة المشاركين بتسجيل حالتهم المزاجية ومستويات الانتباه عبر الهاتف.
كما تقترحان استبدال اختبارات الضغط النفسي بجلسات قصيرة من الاسترخاء الموجّه، لمعرفة ما إذا كانت الطبيعة تحقق فائدة إضافية حتى في حالة الهدوء والاستقرار النفسي.





