لا يوجد «نظام سحري» للشيخوخة.. 10 أنماط غذائية مختلفة ارتبطت بتباطؤ العمر البيولوجي
الغذاء والعمر البيولوجي.. 6 آلاف شخص يكشفون سرًا لا يعتمد على حمية واحدة
لطالما بدا الحديث عن التغذية الصحية وكأنه منافسة بين أنظمة غذائية متباينة، لكل منها قواعده وقائمته الخاصة من الأطعمة المسموح بها والممنوعة، لكن دراسة ألمانية واسعة تقدم رسالة أكثر مرونة: قد لا يكون هناك نظام غذائي واحد يجب أن يتبعه الجميع من أجل التقدم في العمر بصورة أكثر صحة.
فقد وجد تحليل شمل آلاف الأشخاص أن الالتزام بعدد من الأنماط الغذائية الصحية المختلفة ارتبط بعلامات تشير إلى تباطؤ الشيخوخة البيولوجية، رغم أن هذه الأنظمة ليست متطابقة، بل تختلف في بعض أهدافها ومكوناتها الغذائية.
وتشير النتائج إلى أن الصورة الأهم قد لا تكون اختيار اسم محدد لحمية غذائية، وإنما الوصول إلى نمط غذائي صحي ومستدام يمكن للشخص الالتزام به وفق احتياجاته وثقافته وميزانيته وتفضيلاته.
ونُشرت الدراسة في دورية Nature Communications.
6.47 ألف شخص و10 معايير للتغذية الصحية
شملت الدراسة الرئيسية 6470 بالغًا من المشاركين في دراسة راينلاند بمدينة بون الألمانية، حيث بحث العلماء في الأنماط الغذائية التي اتبعها المشاركون خلال العام السابق، ثم قارنوا غذاءهم بـ 10 مؤشرات مختلفة للتغذية الصحية.
وضمت هذه المؤشرات مجموعة من الأنظمة الغذائية المعروفة، من بينها النظام الغذائي المتوسطي، الذي يركز على الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة وغيرها من الأغذية النباتية، إلى جانب نظام DASH الذي يركز على الأغذية النباتية ويحد من تناول الملح.
كما شمل التحليل نظام MIND، الذي يجمع عناصر من النظامين المتوسطي وDASH مع تركيز إضافي على أطعمة مثل الخضروات الورقية والتوت المرتبطة بصحة الدماغ.
ودرس الباحثون أيضًا النظام الغذائي الشمالي أو النوردي، ومؤشر الأكل الصحي البديل، إلى جانب ثلاثة أنماط غذائية نباتية مختلفة: نظام نباتي عام، ونظام نباتي أكثر صحة، وآخر أقل صحة.
ولم يقتصر التقييم على الأنظمة الغذائية التقليدية، إذ استخدم الباحثون كذلك مؤشر الالتهاب الغذائي، الذي يقيس مدى ارتباط النظام الغذائي بالالتهابات، ونظام EAT-Lancet الذي يحاول الجمع بين متطلبات صحة الإنسان والاعتبارات البيئية.
المفاجأة: الأنظمة الصحية لم تكن متطابقة
عندما قارن الباحثون نتائج المشاركين على المقاييس الغذائية العشرة، ظهر مدى الاختلاف بين تعريفات «الأكل الصحي».
فقد كان 18 شخصًا فقط ضمن الربع الأعلى من حيث الصحة الغذائية عبر المؤشرات العشرة جميعها.
وهذا يعني أن الشخص الذي يحصل على تقييم مرتفع وفق معيار غذائي معين قد يحصل على تقييم منخفض وفق معيار آخر، حتى عندما يكون كلا المعيارين مصنفًا ضمن أنماط التغذية الصحية.
وقالت جوليانا تافاريس، الباحثة في مرحلة الدكتوراه بالمركز الألماني للأمراض التنكسية العصبية (DZNE) والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن النتائج توضح أن الأشخاص الذين يتناولون غذاءً صحيًا وفق معيار معين ليسوا بالضرورة الأشخاص أنفسهم الذين يحصلون على تقييم مرتفع وفق جميع المعايير الأخرى.
وبعبارة أخرى، لا توجد وصفة غذائية واحدة يتعين على الجميع اتباعها حرفيًا حتى يمكن اعتبار غذائهم صحيًا.
الحمض النووي يكشف «العمر البيولوجي»

لم يكتف الباحثون بالنظر إلى ما يأكله المشاركون، بل بحثوا أيضًا عن علامات بيولوجية للشيخوخة من خلال تحليل مثيلة الحمض النووي DNA methylation في عينات الدم.
ومثيلة الحمض النووي هي مجموعة من التعديلات الكيميائية التي تحدث على جزيء DNA، ويمكن أن تتغير أنماطها مع التقدم في العمر وعوامل أخرى، لذلك يمكن استخدامها للمساعدة في تقدير العمر البيولوجي، أي مدى «قِدم» الجسم من الناحية الجزيئية مقارنة بعمر الشخص الزمني.
استخدم الفريق ثلاثة أنواع مختلفة من الساعات اللاجينية Epigenetic clocks لقراءة مؤشرات الشيخوخة البيولوجية من الحمض النووي.
واستخدم الباحثون تقنية قادرة على فحص نحو 850 ألف موقع في الحمض النووي، وهو نطاق قال الفريق إنه يعادل نحو ضعف عدد المواقع التي تغطيها غالبية الدراسات السابقة في هذا المجال.
وقدرت ساعتان مما استخدمه الباحثون ما إذا كان العمر البيولوجي يبدو أكبر أو أصغر من المتوقع، بينما ركزت الساعة الثالثة على سرعة عملية الشيخوخة في الوقت الحالي.
كلما تحسن النظام الغذائي ظهرت إشارات إلى شيخوخة أبطأ

وجد الباحثون أن ارتفاع درجات جودة النظام الغذائي ارتبط عمومًا بمؤشرات تشير إلى تباطؤ الشيخوخة البيولوجية.
وكان نظاما DASH والنظام الغذائي النوردي مرتبطين بصورة متسقة بمقاييس الشيخوخة الثلاثة المستخدمة في التحليل، في حين ارتبطت المؤشرات الغذائية العشرة جميعها بمقياس سرعة الشيخوخة الحالي.
لكن الباحثين أكدوا أن الفروق بين الأنظمة لم تكن ضخمة من الناحية المطلقة.
وتشير هذه النتيجة إلى أن المسألة قد لا تكون البحث عن «أفضل حمية» بقدر ما تتعلق بالانتقال من نمط غذائي أقل جودة إلى نمط أكثر صحة بصورة عامة.
وتقول تافاريس إن الفكرة الأساسية هي أن هناك مجموعة واسعة من الأنماط الغذائية التي يمكن أن تترافق مع مؤشرات أكثر إيجابية للشيخوخة، وليس نظامًا واحدًا فقط.
لماذا قد تكون أنظمة مختلفة مرتبطة بالنتيجة نفسها؟
عندما بحث العلماء في التغيرات الجزيئية المرتبطة بالأنظمة الغذائية المختلفة، وجدوا أن الأنماط الغذائية المتباينة أثرت في مواقع مختلفة من مثيلة الحمض النووي، لكن بينها أيضًا قدر كبير من التشابه.
وقال الباحثون إن أكثر من 70% من المسارات البيولوجية المتأثرة كانت مشتركة بين الأنظمة الغذائية المختلفة.
وشملت هذه المسارات عمليات مرتبطة بـ بنية الخلايا، والإشارات الخلوية، والتمثيل الغذائي، وهي عمليات أساسية للحفاظ على وظائف الجسم وترتبط كذلك بعملية الشيخوخة والأمراض المزمنة.
وهذا التشابه قد يساعد في تفسير سبب ارتباط أنظمة غذائية مختلفة جدًا بنتائج متقاربة فيما يتعلق بمؤشرات الشيخوخة البيولوجية.
فقد تختلف الوجبات في تفاصيلها، لكن العديد من الأنظمة الصحية تشترك في تقليل الأغذية الأقل جودة وزيادة الأغذية النباتية الغنية بالألياف والمغذيات، وإن كانت الدراسة نفسها لا تثبت أن عنصرًا غذائيًا بعينه هو المسؤول عن التأثير.
لكن لكل نظام أيضًا بصمته الخاصة
رغم وجود قدر كبير من التشابه، لم تكن جميع التغيرات الجزيئية متطابقة، فقد ارتبط نظام DASH بمسارات بيولوجية مرتبطة بالقلب، بينما ظهرت لدى نظام MIND مسارات مرتبطة بالتفكير والذاكرة.
ويتوافق ذلك مع الأهداف الرئيسية لكل نظام؛ إذ صُمم DASH أساسًا لدعم صحة القلب وضغط الدم، بينما يركز MIND بدرجة أكبر على الأطعمة المرتبطة بصحة الدماغ.
لكن الباحثين يحذرون من تفسير هذه النتائج باعتبارها إثباتًا أن DASH «يعالج» القلب أو أن MIND «يحمي» الدماغ مباشرة.
فالنتائج هنا جزيئية وارتباطية، وتحتاج إلى أبحاث إضافية لمعرفة ما إذا كانت التغيرات الغذائية تسبب بالفعل هذه التغيرات البيولوجية، وما إذا كانت تؤدي في النهاية إلى انخفاض ملموس في أمراض معينة.
الارتباط كان أقوى لدى المدخنين
من النتائج اللافتة أيضًا أن العلاقة بين جودة النظام الغذائي ومؤشرات الشيخوخة البيولوجية الأبطأ كانت أقوى لدى المدخنين الحاليين.
لكن ذلك لا يعني أن المدخنين كانوا يتبعون أنظمة غذائية أكثر صحة؛ بل ظل التدخين عامل خطر شديدًا، ولم يكن النظام الغذائي قادرًا على إلغاء أضراره.
ويرى الباحثون أن أحد التفسيرات المحتملة للنتيجة هو أن الأشخاص الذين يتعرضون للأضرار الكبيرة الناجمة عن التدخين قد يكون لديهم مجال أكبر للاستفادة من تحسين جوانب أخرى من نمط حياتهم، ومنها التغذية.
وهذا تفسير محتمل وليس إثباتًا لآلية سببية، كما أن الدراسة لا تعني بأي شكل أن اتباع نظام غذائي صحي يمكن أن يعوض أضرار التدخين.
اختبار النتائج على مجموعة ثانية
لم يكتف الباحثون بمجموعة راينلاند، بل اختبروا بعض النتائج الرئيسية لدى 1034 شخصًا آخرين من مجموعة EPIC-Potsdam.
وأظهرت مقاييس للعمر البيولوجي نتائج متشابهة بصورة عامة فيما يتعلق بأنماط الغذاء والشيخوخة، وإن كان مقياس سرعة الشيخوخة المستخدم في المجموعة الأولى لم يُكرر في المجموعة الثانية.
وهذا يعزز الصورة العامة للنتائج، لكنه لا يعني أن كل إشارة جزيئية ظهرت في المجموعة الأولى تكررت بالضرورة في المجموعة الثانية.
الدراسة لا تثبت أن الغذاء «يبطئ» الشيخوخة

ورغم حجم العينة واستخدام تحليلات جزيئية متقدمة، تظل هناك حدود مهمة للدراسة.
فالباحثون قاسوا النظام الغذائي ومؤشرات الشيخوخة البيولوجية في الفترة الزمنية نفسها تقريبًا، ولذلك لا يمكن من هذه البيانات وحدها إثبات أن النظام الغذائي الصحي تسبب مباشرة في إبطاء الشيخوخة.
كما اعتمد تقييم الغذاء على استبيانات حول ما تناوله الأشخاص خلال العام السابق، وهو ما يترك مجالًا لأخطاء التذكر أو الاختلاف بين ما يعتقد الشخص أنه يتناوله وما يتناوله فعليًا.
كذلك كان المشاركون في المجموعتين من ألمانيا إلى حد كبير ومن أصول أوروبية، وبالتالي قد لا تنطبق النتائج بالطريقة نفسها على جميع الشعوب والثقافات والأنماط الغذائية حول العالم.
الرسالة الأهم: الصحة الغذائية ليست قائمة واحدة
تقدم الدراسة في النهاية صورة مختلفة عن فكرة وجود «حمية مثالية» تصلح للجميع، فالأنظمة التي درسها الباحثون مختلفة في تركيبتها وأهدافها، ومع ذلك ارتبطت جميعها بدرجات متفاوتة بمؤشرات أكثر إيجابية للشيخوخة البيولوجية.
وهذا يترك مساحة أكبر لتكييف الغذاء الصحي مع الثقافة الغذائية، والميزانية، والذوق الشخصي، والقدرة على الالتزام، بدل النظر إلى النظام الغذائي الصحي باعتباره قائمة صارمة واحدة.
لكن النتيجة لا تعني أن جميع الأنظمة الغذائية متساوية، ولا أن اختيار أي نمط عشوائي سيؤدي إلى النتائج نفسها. بل تشير إلى أن عدة طرق مختلفة لتحسين جودة الغذاء قد ترتبط بمسارات بيولوجية أكثر صحة.
والأهم أن الدراسة تتحدث عن مؤشرات بيولوجية للشيخوخة، وليس عن إثبات أن أحد الأنظمة سيجعل الإنسان يعيش سنوات أطول.





