ليس كل أطفال الأسرة الفقيرة سواء.. دراسة تكشف فجوات صادمة في التغذية والتعليم
دراسة عالمية: فقر الأسرة يخفي تفاوتًا كبيرًا بين الأطفال داخل المنزل الواحد
غالبًا ما يُنظر إلى الفقر باعتباره مشكلة تصيب الأسرة بأكملها بالطريقة نفسها، لكن تحليلًا عالميًا واسعًا كشف أن الصورة داخل المنزل الواحد أكثر تعقيدًا؛ فقد يحصل أحد الأطفال على تغذية جيدة، بينما يعاني شقيقه سوء التغذية، وقد يذهب طفل إلى المدرسة يوميًا، في حين يبقى شقيق آخر خارجها.
وأظهرت دراسة أجرتها مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية (OPHI)، التابعة لجامعة أكسفورد، أن الاعتماد على متوسطات الأسرة وحدها قد يخفي فروقًا كبيرة بين الأطفال الذين يعيشون تحت سقف واحد، بما في ذلك الاختلافات في التغذية والتعليم والحصول على الاحتياجات الأساسية.
وتستند الدراسة إلى البيانات المستخدمة في مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي لعام 2025، الذي لا يقيس الفقر من خلال الدخل وحده، وإنما يرصد مجموعة من أوجه الحرمان المرتبطة بالصحة والتعليم وظروف المعيشة، مثل المياه الآمنة، والصرف الصحي، والكهرباء، والسكن، والتعليم والتغذية.
الفقر لا يأتي منفردًا
حلل الباحثون أوضاع 518.5 مليون طفل دون الخامسة في 97 دولة فيما يتعلق بالتغذية والفقر متعدد الأبعاد، إلى جانب بيانات لنحو 1.04 مليار طفل في سن الدراسة في 108 دول، لرصد الالتحاق بالتعليم والحرمان المرتبط به.
وأظهرت النتائج أن نحو نصف الأطفال دون الخامسة تقريبًا، أي 252.3 مليون طفل، كانوا يعانون سوء التغذية أو الفقر متعدد الأبعاد أو كليهما معًا.
ويقصد بسوء التغذية في هذا التحليل أن يكون الطفل مصابًا بالتقزم أو نقص الوزن أو كليهما، وفقًا لمقارنات الطول والوزن بالنسبة إلى العمر والمعايير المتوقعة للأطفال في السن نفسها.
وبلغ عدد الأطفال دون الخامسة الذين يعانون سوء التغذية نحو 172.5 مليون طفل، كان من بينهم 95.6 مليون طفل يعيشون أيضًا في أسر تعاني الفقر متعدد الأبعاد.
الحرمان يتراكم فوق بعضه
تزداد الصورة تعقيدًا عندما لا يتم التعامل مع كل مشكلة بصورة منفصلة، فالطفل الذي يعاني سوء التغذية قد يعيش في الوقت نفسه داخل منزل يفتقر إلى الصرف الصحي الملائم، أو المياه الآمنة، أو السكن المناسب، أو الكهرباء، أو التعليم الكافي للبالغين.
وقالت البروفيسورة سابينا الكير، مديرة مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية وأحد مؤلفي التقرير، إن الباحثين فوجئوا بدرجة تركز أوجه الحرمان بين الأطفال.
وأوضحت أن نحو 96 مليون طفل دون الخامسة الذين يعانون في الوقت نفسه سوء التغذية والفقر متعدد الأبعاد، يواجهون في المتوسط أربعة إلى خمسة أوجه حرمان إضافية إلى جانب سوء التغذية.
أما نحو 110 ملايين طفل الذين يعانون الفقر ويخرجون من المدرسة فيواجهون في المتوسط نحو خمسة أوجه أخرى من الحرمان الشديد.
وتشير هذه النتائج إلى أن معالجة أوضاع هؤلاء الأطفال قد تتطلب تدخلات متزامنة تستهدف أكثر من مشكلة، بدلًا من التعامل مع الجوع أو التعليم أو السكن أو المياه باعتبار كل منها أزمة منفصلة.
الغياب عن المدرسة مؤشر على حرمان أوسع
في الدول الـ108 التي شملها التحليل، بلغ عدد الأطفال في سن الدراسة خارج المدرسة نحو 135.8 مليون طفل.
ومن بين هؤلاء، كان أكثر من أربعة من كل خمسة أطفال، أي نحو 110.2 مليون طفل، يعيشون في أسر تعاني الفقر متعدد الأبعاد.
لكن الفقر لم يكن مقتصرًا على الأطفال الذين لا يذهبون إلى المدرسة.
فقد أظهرت البيانات أن نحو 183.9 مليون طفل في سن الدراسة كانوا ملتحقين بالتعليم، رغم أنهم يعيشون في أسر تعاني الفقر متعدد الأبعاد.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن الالتحاق بالمدرسة لا يعني بالضرورة أن الطفل يعيش في ظروف جيدة داخل المنزل، إذ يمكن لطفل أن يذهب إلى المدرسة بانتظام بينما يفتقر منزله إلى الصرف الصحي الملائم أو السكن المناسب أو الكهرباء أو غيرها من الاحتياجات الأساسية.
الإخوة لا يعيشون دائمًا الظروف نفسها
من أبرز نتائج الدراسة ما ظهر داخل الأسر نفسها، فبين الأطفال دون الخامسة، كان نحو طفل واحد من كل خمسة يعيش في أسرة يوجد فيها أطفال صغار يعانون سوء التغذية، بينما لا يعاني أطفال آخرون في المنزل نفسه المشكلة ذاتها.
وكان هذا التفاوت أكثر وضوحًا داخل الأسر الفقيرة؛ إذ إن نحو 36% من الأطفال الفقراء دون الخامسة كانوا يعيشون في أسر تختلف فيها الحالة التغذوية بين الأطفال، مقارنة بنحو 12.1% من الأطفال في الأسر غير الفقيرة.
وظهر نمط مشابه في التعليم، فبين الأطفال الفقراء في سن الدراسة، كان نحو 35.9% يعيشون في أسر يذهب فيها بعض الأطفال إلى المدرسة بينما لا يلتحق بها أطفال آخرون.
ولا تحدد الدراسة الأسباب الدقيقة التي تؤدي إلى اختلاف نتائج الأطفال داخل الأسرة الواحدة، لكنها تكشف بوضوح أن مشاركة المنزل نفسه لا تعني بالضرورة الحصول على الفرص أو الموارد نفسها.
تعليم النساء يرتبط بأوضاع الأطفال
كشفت البيانات أيضًا عن ارتباط واضح بين مستوى تعليم البالغين وظروف الأطفال، فمن بين الأطفال الذين يعانون الفقر وسوء التغذية، كان 67.3% يعيشون في أسر لا توجد فيها امرأة أكملت ست سنوات على الأقل من التعليم.
وكان الارتباط أكثر وضوحًا بين الأطفال الذين يعانون الفقر ويخرجون من المدرسة؛ إذ إن نحو 82.1% منهم كانوا يعيشون في أسر لا توجد فيها امرأة أكملت ست سنوات من التعليم، مقابل 62.3% يعيشون في أسر لا يوجد فيها رجل وصل إلى المستوى التعليمي نفسه.
ولا تعني هذه الأرقام أن تعليم المرأة هو السبب المباشر في حصول الطفل على تغذية أفضل أو التحاقه بالمدرسة، إذ إن الدراسة ترصد علاقات إحصائية ولا تثبت علاقة سببية منفردة.
كما تتداخل عوامل متعددة، من بينها الفقر والتعليم والصحة وظروف السكن والخدمات الأساسية، في تشكيل النتائج التي يعيشها الأطفال.
الفروق بين الأولاد والبنات ليست واحدة عالميًا
أظهرت الدراسة كذلك اختلافات مرتبطة بالنوع الاجتماعي، لكن اتجاه هذه الفروق لم يكن واحدًا في جميع المؤشرات أو البلدان.
فبين الأطفال دون الخامسة، سجل الأولاد معدلًا أعلى من سوء التغذية مقارنة بالبنات، إذ بلغت النسبة 34.6% للأولاد مقابل 31.8% للبنات.
أما بالنسبة إلى الخروج من المدرسة، فكانت الصورة أكثر تعقيدًا.
ففي 19 دولة كانت البنات أكثر عرضة للخروج من المدرسة، بينما سجل الأولاد معدلات أعلى في 35 دولة.
وسجلت أفغانستان أكبر فجوة لصالح الأولاد في الالتحاق بالتعليم ضمن البيانات التي حللتها الدراسة، إذ بلغت نسبة البنات خارج المدرسة نحو 67.1%، مقابل 47.1% من الأولاد.
وتوضح هذه الاختلافات أن الحرمان التعليمي لا يتبع نمطًا عالميًا واحدًا، وأن الظروف المحلية والوطنية تؤثر بقوة في الفجوة بين الجنسين.
أطفال يتقدمون رغم فقر الأسرة
لم ترصد الدراسة جوانب الحرمان فقط، بل كشفت أيضًا عن حالات تقدم تعليمي لافتة، فقد أظهرت البيانات أن نحو 71.3 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 10 و17 عامًا أكملوا ست سنوات على الأقل من التعليم، رغم عدم إكمال أي شخص بالغ في أسرهم هذه المدة من الدراسة.
وأطلق الباحثون على هؤلاء الأطفال وصف «الأطفال الرواد»، باعتبار أنهم حققوا مستوى تعليميًا أعلى من الجيل البالغ في أسرهم.
وكان نحو 35 مليونًا منهم يعيشون في جنوب آسيا، بينهم 27.7 مليون طفل في الهند.
لكن التقدم التعليمي لم يكن دائمًا مشتركًا بين جميع الأطفال في الأسرة نفسها؛ إذ إن نحو 8.6% من هؤلاء الأطفال كانوا يعيشون مع طفل آخر في سن الدراسة لكنه خارج المدرسة.
لماذا تختلف النتائج بين الإخوة؟
لا تقدم بيانات الدراسة إجابة حاسمة عن سبب اختلاف التغذية أو التعليم بين الإخوة داخل الأسرة الواحدة، لكنها تكشف أن التعامل مع الأسرة كوحدة واحدة قد يخفي تفاوتات مهمة على مستوى الأطفال.
وقد تلعب عوامل عديدة دورًا في هذه الفروق، من بينها العمر والجنس وترتيب الطفل داخل الأسرة واحتياجاته الصحية، إلى جانب توزيع الموارد داخل المنزل والظروف الاجتماعية والاقتصادية والخدمات المتاحة.
ولهذا، فإن معرفة أن الأسرة فقيرة لا تكفي وحدها لفهم وضع كل طفل يعيش فيها.
متوسط الأسرة قد يخفي أطفالًا محرومين
قالت البروفيسورة سابينا الكير إن الجمع بين المعلومات الخاصة بالأطفال والبيانات الخاصة بالأسر يمكن أن يغير الطريقة التي يفهم بها الباحثون الفقر ويصممون من خلالها برامج التدخل.
وتشير نتائج الدراسة إلى أهمية استخدام البيانات الفردية إلى جانب بيانات الأسرة عند تصميم البرامج التي تستهدف التغذية والتعليم والحرمان متعدد الأبعاد.
فالأسرة قد تبدو في الإحصاءات وحدة واحدة، لكن الأطفال داخلها قد يعيشون تجارب مختلفة تمامًا.
وقد يكون أحدهم مصابًا بسوء التغذية بينما يتمتع شقيقه بتغذية أفضل، أو يكون أحدهم منتظمًا في الدراسة بينما يبقى الآخر خارج المدرسة.
ومن ثم، فإن الاعتماد على متوسطات الأسرة وحدها قد يؤدي إلى إخفاء بعض الأطفال الأكثر احتياجًا للتدخل، كما يمكن أن يحجب في المقابل قصص التقدم التي يحققها أطفال رغم استمرار الحرمان داخل أسرهم.
وتعتمد الدراسة على بيانات مسوح أسرية، ولذلك فهي تكشف أنماطًا وارتباطات واسعة النطاق، لكنها لا تثبت بصورة مباشرة أسباب هذه الفروق.
كما أن تعريف سوء التغذية المستخدم في التحليل يركز على التقزم ونقص الوزن، ولا يشمل جميع صور المشكلات الغذائية التي يمكن أن يعانيها الأطفال.
وتخلص النتائج إلى أن فهم فقر الأطفال يحتاج إلى النظر إلى ما يحدث داخل الأسرة، وليس فقط إلى الوضع العام للأسرة، لأن سقفًا واحدًا لا يعني بالضرورة حياة واحدة أو فرصًا متساوية لجميع الأطفال.





