ما لا يظهر على الميزان.. أطعمة فائقة المعالجة قد تغيّر عضلات الفخذ وتزيد مخاطر خشونة الركبة
من الطعام إلى العضلات.. دراسة تكشف تغيرات خفية قد تربط الأطعمة فائقة المعالجة بخشونة الركبة
قد لا تقتصر آثار النظام الغذائي الغني بالأطعمة فائقة المعالجة على زيادة السعرات أو الوزن، إذ تكشف دراسة جديدة عن ارتباط مثير للاهتمام بين ارتفاع استهلاك هذه الأطعمة وبين تراكم الدهون داخل عضلات الفخذ، وهي تغيرات لا تظهر بالضرورة من خلال الوزن أو مؤشر كتلة الجسم وحدهما.
واعتمد الباحثون على صور التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لفحص عضلات الفخذ لدى 615 شخصًا معرضين لخطر الإصابة بالتهاب المفاصل العظمي في الركبة، أو ما يعرف شائعًا بخشونة الركبة، ووجدوا أن الأشخاص الذين تناولوا كميات أكبر من الأطعمة فائقة المعالجة كان لديهم قدر أكبر من الدهون داخل عضلات الفخذ.
واللافت أن هذا الارتباط ظل قائمًا حتى بعد أخذ إجمالي السعرات الحرارية، وتناول الدهون، والنشاط البدني، والعوامل الاجتماعية والديموغرافية في الاعتبار.
ونُشرت النتائج في مجلة Radiology التابعة للجمعية الإشعاعية لأمريكا الشمالية (RSNA).
ماذا يعني وجود الدهون داخل العضلات؟
عندما يتراكم الدهن داخل النسيج العضلي، يمكن أن تظهر العضلة في صور الرنين المغناطيسي وكأنها تحتوي على خطوط أو مناطق دهنية تتخلل أليافها، في تغير يعرف بتدهور أو تنكس العضلات الدهني.
وهذا يختلف عن الدهون الموجودة تحت الجلد أو الدهون المخزنة في أماكن أخرى من الجسم؛ فالمقصود هنا هو الدهون الموجودة داخل النسيج العضلي نفسه.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة بالنسبة إلى عضلات الفخذ، لأن العضلات المحيطة بالركبة تلعب دورًا أساسيًا في دعم المفصل والحفاظ على الحركة والوظيفة الميكانيكية الطبيعية له.
ولهذا يطرح الباحثون احتمال أن تكون التغيرات في جودة العضلات أحد المسارات التي تربط بين النظام الغذائي وصحة الركبة، وإن كانت الدراسة الحالية لا تثبت أن الأطعمة فائقة المعالجة تسبب خشونة الركبة بصورة مباشرة.
ماذا وجد الباحثون لدى 615 شخصًا؟
حلل فريق البحث بيانات 615 مشاركًا من برنامج Osteoarthritis Initiative، وهو برنامج بحثي وطني ترعاه المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة بهدف فهم كيفية تطور التهاب المفاصل العظمي في الركبة وطرق الوقاية منه وعلاجه.
وكان جميع المشاركين في التحليل من دون علامات ظاهرة لالتهاب المفاصل العظمي في صور الأشعة وقت إجراء التحليل.
وضمت المجموعة:
- 275 رجلًا
- 340 امرأة
- متوسط العمر: 60 عامًا
- متوسط مؤشر كتلة الجسم: 27
ويضع هذا المتوسط المشاركين، وفق تصنيفات مؤشر كتلة الجسم الشائعة، ضمن نطاق زيادة الوزن.
وبالاستناد إلى البيانات الغذائية التي غطت العام السابق، شكّلت الأطعمة فائقة المعالجة نحو 41% من إجمالي الطعام الذي استهلكه المشاركون.
كلما زادت الأطعمة فائقة المعالجة.. زادت الدهون داخل العضلات
أظهرت النتائج وجود علاقة واضحة بين كمية الأطعمة فائقة المعالجة في النظام الغذائي وبين مقدار الدهون الموجودة داخل عضلات الفخذ.
وبعبارة أخرى، كلما ارتفعت نسبة الأطعمة فائقة المعالجة التي أبلغ المشاركون عن تناولها، ارتفعت كمية الدهون المكتشفة داخل عضلات الفخذ.
واستمر هذا الارتباط حتى بعد أن أخذ الباحثون في الاعتبار كمية السعرات الحرارية المستهلكة، ما يشير إلى أن المسألة قد لا تختزل ببساطة في أن هذه الأطعمة تؤدي إلى تناول سعرات أكثر.
كما أُخذ النشاط البدني وعوامل اجتماعية وديموغرافية أخرى في الاعتبار.
وهذه النقطة مهمة؛ لأنها تشير إلى احتمال وجود علاقة بين جودة الغذاء وتركيب العضلات لا يمكن تفسيرها بالكامل بمجرد كمية الطعام أو الطاقة التي يحصل عليها الجسم.
ما الأطعمة التي تدخل في هذه الفئة؟
الأطعمة فائقة المعالجة هي منتجات غذائية تمر عادة بمراحل تصنيع متعددة، وغالبًا ما تجمع بين مكونات مثل السكريات والدهون والملح والكربوهيدرات ومجموعة من الإضافات والمكونات الصناعية.
ومن أمثلتها التي أوردتها الدراسة:
حبوب الإفطار المصنعة، وبعض أنواع السمن والدهن القابل للدهن، والوجبات الخفيفة المعبأة، والنقانق، والمشروبات الغازية ومشروبات الطاقة، والحلوى والحلويات، والبيتزا المجمدة، والوجبات الجاهزة للأكل، والخبز والكعك الصناعي المعبأ.
ولا يعني ذلك أن كل منتج ينتمي إلى هذه الفئة له التأثير الصحي نفسه، كما أن تصنيف «فائق المعالجة» يعتمد على طبيعة المنتج ومكوناته وطريقة تصنيعه، وليس على وجود مكوّن واحد بعينه.
لماذا يهتم الباحثون بعضلات الفخذ عند دراسة الركبة؟
التهاب المفاصل العظمي في الركبة مرض شائع ومتزايد الانتشار، وترتبط مخاطره بعدد من العوامل، من بينها التقدم في العمر وزيادة الوزن وعوامل نمط الحياة.
وتؤدي عضلات الفخذ دورًا مهمًا في دعم الركبة والتحكم في الحركة وتحمل الأحمال الواقعة على المفصل.
ومن ثم، فإن تدهور جودة هذه العضلات أو تغير تركيبها قد يكون ذا أهمية بالنسبة إلى الوظيفة الميكانيكية للركبة.
وتقول الباحثة الرئيسية في الدراسة، الدكتورة زهرة أكايا، الباحثة والاستشارية في مجموعة التصوير العضلي الهيكلي السريري والانتقالي بقسم الأشعة والتصوير الطبي الحيوي في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو، إن البحث يسلط الضوء على أهمية جودة النظام الغذائي بالنسبة إلى جودة العضلات في سياق التهاب المفاصل العظمي في الركبة.
لكن الدراسة لا تسمح بالقول إن الدهون التي ظهرت داخل عضلات الفخذ هي التي ستؤدي حتمًا إلى الإصابة بالخشونة، ولا تثبت أن الأطعمة فائقة المعالجة هي السبب المباشر في هذه التغيرات.
ما الذي يميز هذه الدراسة؟
أحد الجوانب المهمة في البحث هو استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي غير المعزز لرصد تركيب عضلات الفخذ.
ويتيح التصوير بالرنين المغناطيسي رؤية تغيرات داخل الأنسجة لا يمكن اكتشافها بسهولة من خلال الوزن أو القياسات التقليدية للجسم.
وترى أكايا أن استخدام تقنية رنين مغناطيسي متاحة على نطاق واسع ومن دون الحاجة إلى تقنيات متقدمة أو مكلفة بشكل خاص يمكن أن يجعل هذا النوع من التقييم قابلًا للإدماج في الممارسات التشخيصية الروتينية وفي الدراسات المستقبلية.
وبذلك، لا ينظر البحث إلى الجسم باعتباره مجرد رقم على الميزان، وإنما يحاول اكتشاف كيف يمكن أن يتغير تركيب الأنسجة نفسها بالتوازي مع العادات الغذائية.
ليست السعرات وحدها.. جودة الغذاء أيضًا
لطالما ركز التعامل مع السمنة وخشونة الركبة على تقليل الوزن، والنشاط البدني، وتحسين التوازن بين السعرات الداخلة والمستهلكة.
لكن النتائج الجديدة تضيف سؤالًا آخر: ماذا نأكل إلى جانب مقدار ما نأكل؟
فإذا كان شخصان يستهلكان عددًا متقاربًا من السعرات الحرارية، فقد تختلف جودة الأطعمة التي يتناولانها بدرجة كبيرة، وبالتالي قد تختلف أيضًا آثارها المحتملة على تركيب الجسم.
وتشير الدراسة إلى أن التركيز على السعرات الحرارية وحدها قد لا يلتقط جميع التغيرات المرتبطة بجودة العضلات.
وهذا لا يعني أن السعرات الحرارية أو الوزن غير مهمين، بل يشير إلى أن جودة النظام الغذائي قد تكون عاملًا إضافيًا يستحق الاهتمام عند التعامل مع صحة العضلات والركبة.
ماذا نعرف.. وماذا لم تثبته الدراسة؟
رغم أهمية النتائج، فإن الدراسة لها حدود يجب وضعها في الاعتبار، فالبحث أظهر ارتباطًا بين ارتفاع استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة وزيادة الدهون داخل عضلات الفخذ، لكنه لم يثبت علاقة سببية مباشرة.
كما أن البيانات الغذائية اعتمدت على ما أبلغ عنه المشاركون عن استهلاكهم الغذائي خلال العام السابق، وهو ما قد يترك مجالًا للأخطاء في تذكر أنواع وكميات الأطعمة.
كذلك، فإن المشاركين كانوا أصلًا ضمن مجموعة معرضة لخطر الإصابة بالتهاب المفاصل العظمي، ولذلك لا يمكن بالضرورة تعميم النتائج بنفس الدرجة على جميع السكان.
والأهم أن الدراسة لم تثبت أن الأشخاص الذين لديهم دهون أكثر داخل عضلات الفخذ سيصابون حتمًا بخشونة الركبة، وإنما تشير إلى مسار محتمل يستحق مزيدًا من البحث.
من الغذاء إلى العضلات.. مسار جديد للبحث في خشونة الركبة
ترى أكايا أن الأبحاث السابقة ربطت الأطعمة فائقة المعالجة بعدد متزايد من النتائج الصحية السلبية، لكن المعلومات حول علاقتها بتركيب الجسم، وخصوصًا تركيب العضلات، في سياق التهاب المفاصل العظمي في الركبة لا تزال محدودة.
وتقدم الدراسة الحالية دليلًا على أن التأثير المحتمل للنظام الغذائي قد يمتد إلى جودة الأنسجة العضلية نفسها، وليس فقط إلى وزن الجسم أو كمية الدهون الكلية.
ومن هنا، قد يصبح الاهتمام بتقليل الأطعمة فائقة المعالجة جزءًا من استراتيجية أوسع للحفاظ على صحة العضلات والمفاصل، إلى جانب النشاط البدني والحفاظ على وزن صحي ونظام غذائي متوازن.
لكن الطريق من الأطعمة فائقة المعالجة إلى الدهون داخل العضلات ثم إلى خشونة الركبة لا يزال يحتاج إلى إثبات في دراسات مستقبلية طويلة الأمد تحدد اتجاه العلاقة وآلياتها، وما إذا كان تقليل هذه الأطعمة يؤدي بالفعل إلى تغيرات قابلة للقياس في تركيب العضلات أو انخفاض خطر الإصابة بالتهاب المفاصل العظمي.
وفي الوقت الحالي، تقدم الدراسة رسالة أكثر دقة من مجرد التحذير من «السعرات»: نوعية الطعام قد تترك بصمتها داخل العضلات، وربما تكون هذه التغيرات الخفية مهمة لصحة الركبة بقدر ما تبدو عليه الأرقام الظاهرة على الميزان.





