د.سالي فودة: الهيدروجين الأخضر.. هل يحول أزمة الطاقة والأسمدة والانبعاثات إلى فرصة لمصر؟
أستاذ مساعد الهندسة الحيوية- مركز البحوث الزراعية- استشاري تكنولوجيا تدوير المخلفات الزراعية
من الكهرباء المتجددة إلى الأمونيا والأسمدة والصناعة.. لماذا يتجاوز مستقبل الهيدروجين إنتاج الوقود إلى إعادة بناء سلاسل القيمة والطاقة والغذاء؟
لم يعد الهيدروجين مجرد وقود يُنظر إليه باعتباره جزءًا من مستقبل الطاقة، ولا مجرد تقنية مرتبطة بمشروعات الشمس والرياح؛ بل أصبح تدريجيًا جزءًا من معادلة أكبر تشمل أمن الطاقة، وأمن الغذاء، والصناعة، والتجارة، والاستثمار وخفض الانبعاثات.
وتزداد أهمية هذه المعادلة لأن الاقتصاد العالمي ما زال يعتمد بصورة كبيرة على الهيدروجين المنتج من الوقود الأحفوري، في حين لا يزال الهيدروجين منخفض الانبعاثات في مرحلة مبكرة للغاية.
وتشير أحدث بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب العالمي على الهيدروجين تجاوز 100 مليون طن في 2025، بينما بلغ إنتاج الهيدروجين منخفض الانبعاثات قرابة مليون طن فقط، مع توقعات بتجاوز حصته 1% من الإنتاج العالمي خلال 2026. وفي الوقت نفسه، لا تزال التكلفة أحد أكبر العوائق أمام التوسع.
لكن وراء هذه الأرقام سؤالًا أكبر:
هل يمكن للهيدروجين منخفض الانبعاثات أن يتحول من مشروع للطاقة النظيفة إلى أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين الطاقة والزراعة والصناعة؟
الأزمة تبدأ من الحقل.. لكن جذورها في الطاقة
قد تبدو أزمة الأسمدة قضية زراعية بحتة، لكنها في الواقع مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالطاقة.
فالأمونيا تمثل عنصرًا أساسيًا في إنتاج كثير من الأسمدة النيتروجينية، والهيدروجين هو أحد المدخلات الرئيسية في تصنيعها.
وفي المسار التقليدي، يُنتج الهيدروجين في الغالب باستخدام الغاز الطبيعي أو الفحم، ولذلك يمكن أن تنعكس تقلبات أسعار الغاز والطاقة وإمداداتها مباشرة على تكلفة إنتاج الأمونيا والأسمدة.
وهذا يخلق سلسلة مترابطة: الغاز والطاقة → الهيدروجين → الأمونيا → الأسمدة → تكلفة الزراعة → أسعار الغذاء.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الأسمدة ترتبط عالميًا بنحو 1.23 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا، ويحدث نحو 60% إلى 70% من هذه الانبعاثات أثناء استخدام الأسمدة، بينما يأتي الجزء المتبقي من مرحلة الإنتاج.
وبالتالي فإن إزالة الكربون من صناعة الأسمدة لا يمكن أن تركز على المصنع وحده، كما أن تحسين الإنتاج الزراعي لا يمكن أن يتجاهل مصدر الطاقة الذي تبدأ منه سلسلة الأسمدة.
هنا يدخل الهيدروجين الأخضر
الهيدروجين منخفض الانبعاثات المنتج عبر التحليل الكهربائي للمياه يمكن أن يستخدم الكهرباء بدلًا من الغاز الطبيعي لإنتاج الهيدروجين، بشرط أن تأتي الكهرباء من مصادر منخفضة الانبعاثات.
وفي حالة استخدام الكهرباء المتجددة، يمكن خفض الانبعاثات المرتبطة بالإنتاج بصورة كبيرة مقارنة بالهيدروجين المعتمد على الوقود الأحفوري.
وهنا تظهر سلسلة قيمة جديدة: شمس ورياح → كهرباء متجددة → تحليل كهربائي → هيدروجين → أمونيا منخفضة الانبعاثات → أسمدة → زراعة.
لكن هذه السلسلة ليست تلقائيًا «خضراء» لمجرد استخدام جهاز تحليل كهربائي.
فوكالة الطاقة الدولية تؤكد أن الانبعاثات الفعلية للهيدروجين المنتج بالتحليل الكهربائي تعتمد على مصدر الكهرباء، كما يجب النظر إلى الانبعاثات المرتبطة بتصنيع معدات الطاقة المتجددة والتحليل الكهربائي والنقل والتخزين.
لذلك فإن السؤال الصحيح ليس فقط:
هل الهيدروجين أخضر؟
بل: كم تبلغ انبعاثاته على امتداد دورة حياته؟
الأسمدة الخضراء.. ماذا يستفيد المزارع؟
لا ينبغي اختزال القضية في شعار «الأسمدة الخضراء».
فالفائدة المحتملة تمتد إلى بناء سلسلة إمداد أقل تعرضًا لتقلبات أسواق الغاز والوقود، وتنويع مصادر إنتاج الأمونيا، وتحسين أمن الإمدادات.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأسمدة منخفضة الانبعاثات ستكون أرخص فورًا.
وهذه نقطة حاسمة في النقاش.
فوفق تقرير وكالة الطاقة الدولية لعام 2025، فإن إنتاج الأمونيا باستخدام التحليل الكهربائي كان يُقدّر، في المتوسط، بنحو ثلاثة أضعاف تكلفة المسار التقليدي، قبل احتساب سياسات مثل تسعير الكربون.
إذن، الهيدروجين الأخضر يمكن أن يقدم حلًا طويل الأجل، لكنه ليس حلًا سحريًا وفوريًا لمشكلة أسعار الأسمدة.
وهنا تظهر أهمية التمويل منخفض التكلفة، والطاقة المتجددة الرخيصة، وتحسين كفاءة المحللات الكهربائية، وضمان وجود مشترين للمنتج، إلى جانب السياسات التي تقلل الفارق بين المنتج منخفض الانبعاثات والمنتج التقليدي.
والهيدروجين وحده لن يخفض انبعاثات الزراعة
هناك خطأ محتمل في تصور التحول إلى الأسمدة منخفضة الكربون باعتباره نهاية المشكلة.
فالجزء الأكبر من الانبعاثات المرتبطة بالأسمدة يحدث أثناء استخدامها، وليس إنتاجها فقط.
وتحذر وكالة الطاقة الدولية من أن نحو 60% إلى 70% من انبعاثات الأسمدة تحدث خلال مرحلة الاستخدام.
وهنا تدخل كفاءة استخدام النيتروجين.
فإذا أنتجنا أمونيا منخفضة الانبعاثات، ثم استخدمنا الأسمدة بكميات أكبر من حاجة المحصول أو في توقيت غير مناسب، فإن جزءًا من المكاسب البيئية قد يضيع.
ولهذا يجب أن يسير مساران بالتوازي:
إزالة الكربون من إنتاج الأسمدة + رفع كفاءة استخدامها في الحقل.
ويشمل ذلك الإدارة الدقيقة للتسميد، وتحليل احتياجات التربة، وتحسين توقيت وكميات الإضافة، واستخدام تقنيات الزراعة الدقيقة، وتقليل الفاقد.
مصر.. الفرصة ليست في تصدير الهيدروجين فقط
بالنسبة لمصر، قد يكون الخطأ الاستراتيجي هو النظر إلى الهيدروجين باعتباره سلعة للتصدير فقط.
فالفرصة الأكبر قد تكون في استخدام الهيدروجين لبناء صناعات ومنتجات منخفضة الانبعاثات داخل سلسلة القيمة المحلية.
وهذا يعني الانتقال من نموذج: طاقة متجددة → هيدروجين → تصدير
إلى نموذج أكثر تكاملًا: طاقة متجددة → هيدروجين منخفض الانبعاثات → أمونيا ومواد كيميائية وأسمدة → صناعة محلية → صادرات → منتجات منخفضة الكربون.
وهذا التصور يتوافق مع ما تشير إليه وكالة الطاقة الدولية بشأن أفريقيا؛ إذ ما زال الطلب على الهيدروجين في القارة محدودًا، لكنه يملك إمكانات طويلة الأجل، فيما تمثل الأمونيا قرابة ثلاثة أرباع استخدام الهيدروجين، وتعتمد الإمدادات الحالية بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي.
وتشير الوكالة أيضًا إلى أن مصر والجزائر ونيجيريا من الدول التي يتركز فيها الطلب الحالي على الهيدروجين في أفريقيا.
من الأسمدة إلى الحديد والصلب والميثانول
ولا تتوقف قيمة الهيدروجين عند الأمونيا.
فالطلب الحالي يتركز أساسًا في قطاعات تقليدية مثل تكرير النفط وإنتاج الأمونيا والميثانول وبعض الاستخدامات الصناعية، بينما لا تزال التطبيقات الجديدة تمثل حصة صغيرة من إجمالي الطلب.
لكن الهيدروجين منخفض الانبعاثات يمكن أن يدخل تدريجيًا في قطاعات يصعب خفض انبعاثاتها بالكهرباء المباشرة، مثل:
- الحديد والصلب.
- الصناعات الكيميائية.
- الميثانول.
- بعض أنواع الوقود البحري.
- بعض الاستخدامات الصناعية عالية الحرارة.
- تكرير النفط.
ولهذا فإن الاستثمار في الهيدروجين لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد أطنان الغاز المنتج، وإنما بمدى قدرته على خلق قيمة صناعية جديدة.
المستثمر لا يبحث عن الهيدروجين فقط.. بل عن المشتري
ربما تكون إحدى أهم مشكلات اقتصاد الهيدروجين اليوم أن الإعلان عن مشروع لا يعني بالضرورة بناء مصنع.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن مجموعة المشروعات المعلنة للهيدروجين منخفض الانبعاثات حتى 2030 تقلصت إلى نحو 27 مليون طن سنويًا، بعد تأخيرات وإلغاءات، كما أن قرارات الاستثمار النهائي لا تزال أقل بكثير من حجم الطموحات المعلنة.
والسبب ليس التكنولوجيا وحدها.
فالمستثمر يحتاج إلى معرفة:
من سيشتري الهيدروجين؟
وبأي سعر؟
وهل سيظل الطلب موجودًا بعد سنوات؟
وهل المنتج سيحصل على شهادة معترف بها دوليًا؟
وكيف سيتم نقله؟
وهل البنية التحتية متاحة؟
وهل القواعد التنظيمية مستقرة؟
ولهذا أصبح الطلب المؤكد أو عقود الشراء طويلة الأجل عنصرًا أساسيًا في تحويل مشروعات الهيدروجين من فكرة إلى استثمار فعلي.
«الأخضر» لا يكفي.. البصمة الكربونية هي الحكم
هنا تظهر أهمية مفهومي: Carbon Footprint
و Life Cycle Assessment – LCA
فلا يكفي القول إن الهيدروجين أنتج بالتحليل الكهربائي.
يجب حساب الانبعاثات عبر سلسلة القيمة بأكملها:
- ما مصدر الكهرباء؟
- كم انبعث من CO₂e لإنتاج كيلوغرام واحد من الهيدروجين؟
- ما الانبعاثات المرتبطة بتصنيع المحلل الكهربائي؟
- ما البصمة الكربونية للألواح الشمسية أو توربينات الرياح؟
- كيف جرى ضغط الهيدروجين أو تحويله؟
- كيف تم نقله؟
- ما الانبعاثات المرتبطة بإنتاج الأمونيا؟
- وما البصمة النهائية للسماد أو المنتج الصناعي؟
وتوضح IEA أن الهيدروجين المنتج بالتحليل الكهربائي لا تكون انبعاثاته صفرًا تلقائيًا؛ فالنتيجة تعتمد بصورة أساسية على كثافة الانبعاثات في الكهرباء المستخدمة، مع وجود انبعاثات مرتبطة أيضًا بتصنيع أصول الطاقة المتجددة.
إذن التحول الحقيقي ليس مجرد الانتقال من:
Hydrogen → Green Hydrogen
بل من: High-Carbon Hydrogen → Low-Carbon Hydrogen → Low-Carbon Products → Low-Carbon Agriculture & Industry
هل يستطيع الهيدروجين حل أزمة الطاقة الحالية؟
هنا يجب الفصل بين الحل طويل الأجل والاستجابة للأزمة الفورية.
فالوكالة الدولية للطاقة ترى أن الهيدروجين منخفض الانبعاثات يمكن أن يساعد في تنويع مصادر الطاقة وسلاسل توريد المنتجات المعتمدة على الهيدروجين، لكنه ليس جاهزًا بعد على نطاق يسمح بتخفيف أزمات الأسواق الحالية بصورة فورية.
وهذا منطقي؛ فبناء مشروعات التحليل الكهربائي ومحطات الطاقة المتجددة ومرافق التخزين والنقل ومصانع الأمونيا يحتاج إلى سنوات واستثمارات ضخمة.
لكن الأزمة الحالية يمكن أن تصبح حافزًا لإعادة بناء سلسلة التوريد على المدى الطويل.
وهنا تحديدًا تكمن القيمة الاستراتيجية للهيدروجين.
أفريقيا أمام فرصة.. لكن التمويل هو العقبة
تمتلك أفريقيا موارد ضخمة من الطاقة الشمسية والرياح، ويمكن لبعض الدول أن تنتج الهيدروجين منخفض الانبعاثات بتنافسية مستقبلية.
لكن التحدي الأكبر ليس الموارد الطبيعية وحدها.
وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن ارتفاع تكلفة التمويل يمثل العقبة الرئيسية أمام مشروعات الهيدروجين منخفض الانبعاثات في أفريقيا. ولا تزال المشروعات التي وصلت إلى قرار استثماري نهائي محدودة للغاية مقارنة بحجم المشروعات المعلنة.
وهذا يجعل أدوات مثل التمويل المختلط، وضمانات الائتمان، والتأمين، واتفاقيات شراء المنتجات، وشهادات الكربون والتصديق على الانبعاثات، عناصر أساسية في بناء السوق.
الهيدروجين ليس الهدف.. بل أداة للتحول
المستقبل لن يُقاس بعدد أطنان الهيدروجين التي تنتجها دولة ما فقط.
المقياس الأكثر أهمية هو: ما مقدار القيمة الاقتصادية التي خلقتها؟ وكم من الانبعاثات خفضتها؟ وكم من سلاسل الإمداد أصبحت أكثر أمنًا؟
إذا ارتبط الهيدروجين منخفض الانبعاثات بالطاقة المتجددة، واستخدم لإنتاج الأمونيا والأسمدة والمواد الكيميائية والحديد منخفض الانبعاثات، بالتوازي مع تحسين كفاءة استخدام النيتروجين في الزراعة وقياس البصمة الكربونية وفق دورة الحياة، فإنه يمكن أن يتحول إلى حلقة وصل بين الطاقة والغذاء والصناعة والبيئة والاستثمار.
لكن النجاح لن يأتي من إنتاج الهيدروجين لذاته.
بل من بناء منظومة تستطيع تحويل الكهرباء النظيفة إلى منتجات صناعية وزراعية أكثر تنافسية وأقل انبعاثًا وأكثر قدرة على الصمود أمام أزمات الطاقة والأسواق.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
هل نحتاج إلى الهيدروجين؟
بل: كيف نستخدم الهيدروجين لبناء اقتصاد أكثر كفاءة، وأكثر أمنًا في الطاقة والغذاء، وأقل اعتمادًا على الكربون؟
Share
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- المشاركة على Reddit (فتح في نافذة جديدة) Reddit
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- المشاركة على Mastodon (فتح في نافذة جديدة) Mastodon
- المشاركة على Nextdoor (فتح في نافذة جديدة) Nextdoor
- المشاركة على Bluesky (فتح في نافذة جديدة) Bluesky


