البحيرات دفنت الكربون بثبات 11 ألف عام.. ماذا حدث بعد 1850؟
دراسة تكشف تحولًا بيئيًا كبيرًا في 51 بحيرة بكندا ومينيسوتا خلال 175 عامًا
ظلت بحيرات واسعة في شمال أمريكا الشمالية تؤدي دورًا مستقرًا في دورة الكربون على مدار نحو 11 ألف عام، إذ كانت أوراق الأشجار وحبوب اللقاح والتربة والمواد العضوية التي تصل إليها تستقر في قيعانها وتدفن الكربون بعيدًا عن الغلاف الجوي.
لكن هذا الاستقرار الطويل تغير بصورة واضحة خلال القرنين الأخيرين.
وتكشف دراسة جديدة شملت 51 بحيرة في كندا وولاية مينيسوتا الأمريكية أن معدل دفن الكربون في رواسب هذه البحيرات أصبح منذ عام 1850 أكثر من ضعف متوسط المعدل خلال معظم الهولوسين، بينما أصبحت الاختلافات بين البحيرات أكبر بكثير.
والأكثر إثارة أن الزيادة لم تكن متجانسة؛ إذ انخفضت معدلات دفن الكربون في نحو 32% من الحالات، ما يشير إلى أن القضية لا تتعلق بزيادة قدرة البحيرات على تخزين الكربون فحسب، بل بتحولها إلى أنظمة أكثر حساسية للاضطرابات البيئية والبشرية.
11 ألف عام من الاستقرار
تكتسب بحيرات المناطق الشمالية الباردة أهمية كبيرة في دورة الكربون، رغم أن مساحتها قد تبدو محدودة مقارنة بالأنظمة البرية المحيطة بها.
فأعدادها كبيرة، والغابات الشمالية المحيطة بها توفر كميات ضخمة من المواد العضوية، بينما يساعد انخفاض درجات حرارة المياه على الحفاظ على جزء من هذه المواد بعد وصولها إلى قاع البحيرة.
وتشير الدراسة إلى أنه قبل عام 1850، كان نحو 14.8 جرامًا من الكربون يترسب سنويًا في كل متر مربع من قاع البحيرة.
أما منذ عام 1850، فقد ارتفع المتوسط إلى نحو 34.6 جرامًا لكل متر مربع سنويًا، أي أكثر من الضعف.
وهذا التحول لم يكن له مثيل واضح في السجل السابق.
فالبيانات الممتدة من نحو 11 ألف عام مضت حتى عام 1850، وهي الفترة التي يسميها الباحثون «الهولوسين قبل العصر الحديث»، شملت مراحل مناخية مختلفة للغاية، من بينها أدفأ فترات تلك الحقبة، وفترة برودة مفاجئة قبل نحو 8200 عام، إضافة إلى العصر الجليدي الصغير الذي امتد تقريبًا من 1450 إلى 1850.
ومع ذلك، لم تؤد هذه التغيرات الطبيعية إلى تغيير كبير ومستمر في معدل دفن الكربون داخل البحيرات.
التحول بدأ قبل الثورة الصناعية
المفارقة أن الزيادة لم تبدأ مع التصنيع وحده.
فبحسب الدراسة، بدأت معدلات دفن الكربون في الارتفاع منذ نحو عام 1700، أي قبل الثورة الصناعية بنحو 150 عامًا.
ويتزامن ذلك مع توسع الاستيطان الأوروبي، وإزالة الغابات، والزراعة على نطاق صغير وعمليات قطع الأشجار، وهي أنشطة يرجح أنها زادت كمية التربة والمواد الغذائية التي تنجرف إلى البحيرات.
وكانت دراسة سابقة شملت 116 بحيرة في مينيسوتا قد توصلت أيضًا إلى ارتفاع معدلات تراكم الرواسب بعد وصول المستوطنين.
وقال جان فرانسوا لابيير، أستاذ العلوم البيولوجية بجامعة مونتريال، إن وصول المستوطنين الأوائل يبدو أنه أحدث بالفعل اضطرابًا في معدلات تراكم الرواسب، لكن التغيرات أصبحت أكثر حدة بدءًا من عام 1850 مع بدايات التصنيع.
ومع دخول القرن العشرين، ساهم تلوث النيتروجين المحمول من الغلاف الجوي في تعزيز هذا الاتجاه، خصوصًا في البحيرات المنخفضة التي يسهل الوصول إليها.
كما غير بناء السدود وإعادة تشكيل المجاري المائية كمية الرواسب التي تصل إلى قيعان البحيرات، والكمية التي تبقى فيها.
الزيادة ليست القصة الكاملة
لو اقتصر الأمر على ارتفاع المتوسط، لبدت النتيجة إيجابية من منظور تخزين الكربون.
لكن الباحثين وجدوا تغيرًا أكثر تعقيدًا.
خلال معظم فترة الهولوسين، كانت الطبقات الرسوبية المتعاقبة تدفن الكربون بمعدلات متقاربة للغاية، وظلت النسبة بين معدل كل طبقة والطبقة التي أسفلها قريبة من الواحد.
بعد عام 1850 ارتفع متوسط هذه النسبة إلى 1.16، أي بزيادة تقارب 12%، بينما اقتربت أكبر النسب المسجلة من أربعة أضعاف.
وفي بعض الطبقات الفردية، وصلت معدلات دفن الكربون إلى ما يقارب 200 جرام لكل متر مربع.
لكن الاتجاه لم يكن صاعدًا في كل مكان؛ إذ انخفضت المعدلات في 32% من الحالات بعد 1850.
وهنا تكمن أهمية الدراسة.
فالبحيرات لا تخزن كربونًا أكثر فحسب، بل أصبحت عملية التخزين نفسها أكثر تفاوتًا وتقلبًا من الماضي.
وقالت الباحثة الرئيسية أود فلامان إن الفريق كان يتوقع زيادة معدلات التراكم، لكنه لم يكن يتوقع بالضرورة زيادة التباين بينها.
وترى فلامان أن النتيجة تشير إلى أن البحيرات أصبحت أكثر حساسية للاضطرابات.
لماذا تختلف البحيرات عن بعضها؟

لم تكن جميع البحيرات عرضة للتغير بالدرجة نفسها.
وأظهرت النتائج أن موقع البحيرة كان مرتبطًا بحجم التغير بدرجة أكبر من شكلها.
فالبحيرات الواقعة في مناطق أكثر شمالية سجلت زيادات أكبر، بينما ارتبط الارتفاع الأكبر مع البحيرات الواقعة على ارتفاعات أعلى بزيادات أصغر.
في المقابل، لم يكن لعمق البحيرة الأقصى أو حجم حوض التصريف المحيط بها تأثير واضح على حجم التغير.
كما أن الصورة داخل المنطقة الواحدة لم تكن موحدة.
ففي أونتاريو ويوكون وكيبيك، على سبيل المثال، توجد بحيرات سجلت زيادات كبيرة جدًا إلى جانب بحيرات شهدت تغيرات محدودة نسبيًا.
ومن بين جميع البحيرات التي شملتها الدراسة، بقيت بحيرة واحدة فقط في مينيسوتا ضمن نطاق التغير الطبيعي الذي شهدته البحيرات خلال الهولوسين.
رواسب قديمة تكشف ما حدث
لم يجمع الباحثون عينات جديدة من جميع البحيرات، وإنما أعادوا تحليل بيانات تاريخية متاحة.
وجمع الفريق 51 عينة أساسية من الرواسب من 21 دراسة منشورة، وأرشفت البيانات في قواعد بيانات علمية متخصصة، بينها قاعدة بيانات Neotoma لعلم البيئة القديمة وبيانات NOAA القديمة.
وكانت الفكرة الاستفادة من الكم الكبير من البيانات الموجودة بدلًا من إعادة تنفيذ عمليات ميدانية مكلفة وطويلة.
لكن هناك مشكلة تقنية واجهت الباحثين.
فمن أصل 1020 عينة، كانت نحو 400 عينة تفتقد إما بيانات الكثافة الجافة للرواسب أو محتواها العضوي، وهما عنصران ضروريان لحساب معدل دفن الكربون.
كما أن المعادلات القديمة المستخدمة لتقدير كثافة الرواسب، والتي طُورت اعتمادًا على برك وبحيرات وأراضٍ رطبة مدية، بالغت في تقدير الكثافة بنحو 415% في المتوسط عند تطبيقها على عينات رواسب البحيرات محل الدراسة.
لذلك طور الباحثون معادلة جديدة اعتمادًا على 610 قياسات مزدوجة، بمشاركة آدم هيثكوت من محطة أبحاث مستجمع مياه سانت كروا.
وساعدت المعادلة الجديدة على تقدير القيم المفقودة بصورة أقرب إلى القياسات الفعلية.
هل تخزن البحيرات الكربون إلى الأبد؟

هناك عامل آخر يجب أخذه في الاعتبار.
فالمواد العضوية التي تصل إلى قاع البحيرة لا تتوقف بالضرورة عن التحلل فور دفنها، بل يستمر جزء منها في التحلل بمرور الوقت.
وهذا يعني أن الطبقات الحديثة قد تحتوي في البداية على كميات أكبر من الكربون لأنها لم تحصل بعد على وقت كافٍ لفقدان جزء منه.
اختبر الباحثون هذا السيناريو، وحتى بعد تصحيح تأثير التحلل، ظل متوسط معدل دفن الكربون بعد عام 1850 قريبًا من 32.6 جرامًا لكل متر مربع سنويًا، أي أكثر من ضعف متوسط الهولوسين السابق.
هل تغير المناخ هو السبب؟

الدراسة لا تقدم إجابة نهائية بشأن العامل الأكثر تأثيرًا في هذا التحول.
فزيادة دفن الكربون يمكن أن تكون مرتبطة بمجموعة من العوامل، بينها إزالة الغابات، والزراعة، والتغير في استخدام الأراضي، والتلوث بالنيتروجين، وبناء السدود وتغيير مسارات المياه، إلى جانب تغير المناخ.
ولا يستطيع الباحثون من هذه البيانات وحدها تحديد نسبة مساهمة كل عامل.
وهذا أمر مهم؛ لأن ارتفاع معدل دفن الكربون لا يعني تلقائيًا أن البحيرات أصبحت أكثر قدرة على مواجهة تغير المناخ.
فالتحول في دورة الكربون قد يكون علامة على أن النظام البيئي نفسه أصبح أكثر تعرضًا للضغط والتغير.
من مخزن كربون مستقر إلى نظام أكثر تقلبًا
تكشف الرواسب في قاع البحيرات قصة تمتد عبر آلاف السنين، وتسمح للعلماء بمقارنة التغيرات الحديثة بما كان يحدث قبل التأثير البشري الواسع.
وهذه المقارنة تمنح ما يمكن وصفه بـخط الأساس الطبيعي الذي يوضح حدود التغير التي كانت النظم البيئية قادرة على استيعابها قبل التحولات البشرية الحديثة.
وقال لابيير إن قياس البصمة الكربونية البشرية مهم، لكن من الضروري أيضًا مقارنتها بنطاق التغيرات الطبيعية التاريخية، لأنه يمثل خط الأساس الحقيقي.
ويخطط الباحثون في المرحلة المقبلة للانتقال من الرواسب إلى قياس مياه البحيرات نفسها عبر الزمن، وبناء سيناريوهات تستند إلى التغيرات المتوقعة في المناخ واستخدام الأراضي.
والسؤال الأهم الذي سيحاولون الإجابة عنه هو: هل ستواصل هذه البحيرات زيادة كمية الكربون التي تدفنه في قيعانها، أم أن الاضطرابات المتزايدة يمكن أن تدفع هذا المخزن الكربوني إلى التراجع مستقبلًا؟
الدراسة نُشرت في دورية Environmental Research Letters.





