اكتشاف “وقود المستقبل” في مينيسوتا.. الهيليوم-3 تحت الغابات والمستنقعات
“وقود القمر” موجود على الأرض.. علماء يكتشفون مخزونًا غير متوقع من الهيليوم-3
عادةً ما يُذكر الهيليوم-3 كمورد محتمل على القمر، حيث يأمل العلماء في استخراج هذا الغاز النادر من الغبار القمري لتشغيل مفاعلات الاندماج النووي، أو لتبريد أنظمة الحوسبة الكمومية فائقة الحساسية، لكن الاكتشاف الأخير في شمال مينيسوتا قلب هذه الفكرة رأسًا على عقب، إذ أظهرت عمليات الحفر في مشروع توباز بالقرب من بلدة بابيت وجود تراكيز قابلة للاستخدام من الهيليوم-3 محبوسة تحت الغابات والمستنقعات.
أظهرت الاختبارات المخبرية التي أجراها فريق بقيادة الدكتور بيتر باري من مؤسسة وودز هول لعلوم المحيطات، أن تراكيز الهيليوم-3 بلغت نحو 14.5 جزءًا لكل مليار، وهي مستويات تقارن مباشرة بما تم قياسه في عينات أبولو التي أعادها رواد الفضاء من القمر. هذا الاكتشاف يشير إلى أن الولايات المتحدة قد تمتلك واحدًا من أغنى مخزونات الهيليوم-3 غير المتوقعة على كوكب الأرض.
ما هو الهيليوم-3 ولماذا هو مميز؟
الهيليوم، كما يعرفه معظم الناس، هو غاز خامل يستخدم في البالونات وأجهزة التبريد العادية. لكن ذرات الهيليوم توجد في أكثر من شكل يُعرف باسم النظائر، وهي ذرات لها نفس عدد البروتونات ولكن تختلف بعدد النيوترونات.
-
الهيليوم-4 (⁴He): أكثر شيوعًا، يحتوي على بروتونين ونيوترونين.
-
الهيليوم-3 (³He): نادر جدًا، يحتوي على بروتونين ونيوترون واحد فقط.
في الأرض، يأتي معظم الهيليوم-3 من تحلل التريتيوم في المفاعلات النووية والأسلحة، مع كميات ضئيلة طبيعية موجودة في الغاز الطبيعي. أما في الغلاف الجوي، فيوجد الهيليوم-3 بمستويات تكاد تكون معدومة مقارنة بالمستويات المكتشفة في توباز.

أهمية الهيليوم-3 للتكنولوجيا والعلوم
رغم كمياته الصغيرة، فإن للهيليوم-3 تأثيرًا هائلًا على العديد من المجالات:
-
الاندماج النووي: يُعد الهيليوم-3 وقودًا نظيفًا محتملًا لمفاعلات الاندماج، إذ يمكنه إنتاج طاقة هائلة دون النفايات المشعة التي تنتجها الوقود التقليدي.
-
الحوسبة الكمومية: يستخدم الهيليوم-3 مع الهيليوم-4 لتبريد أجهزة الحوسبة الكمومية إلى درجات حرارة شبه الصفر المطلق، ما يسمح للبتات الكمومية بالعمل بكفاءة عالية جدًا.
-
أجهزة الكشف النووي: قدرة الهيليوم-3 على التقاط النيوترونات البطيئة تجعل منه المادة الأساسية للكشف عن المواد النووية غير القانونية ومراقبة المفاعلات البحثية.
-
البحوث العلمية المتقدمة: يستخدم الغاز في التجارب الفيزيائية المعقدة، مثل دراسة حالات المادة المكثفة وتقنيات التصوير العلمي عالي الدقة.
سعر الهيليوم-3 حاليًا يصل إلى حوالي 9 ملايين دولار للرطل، ما يجعله أغلى بكثير من الهيليوم العادي، ويعكس أهميته الاقتصادية والعلمية.
كيف تكون الهيليوم-3 في أعماق مينيسوتا؟
أوضحت الدراسات أن شمال مينيسوتا يقع على صخور قاعدية غنية باليورانيوم، يعود عمرها لمليارات السنين. التحلل الإشعاعي لهذه المعادن ينتج الهيليوم-4 والهيليوم-3 بشكل طبيعي.
حرارة باطن الأرض والصدوع القديمة تساعد على تحرير الغاز من المعادن، ليبدأ في الهجرة صعودًا عبر الصخور. في توباز، يعمل الغاز الغني بالنيتروجين كوسيط لنقل الهيليوم، دون إضافة الهيدروكربونات الثقيلة الملوثة.
طبقات الصخور المحصورة فوق هذه المخزونات تمنع تسرب الغاز، ما يسمح بتراكمه حتى يصل إلى مستويات اقتصادية قابلة للاستخراج.

طرق الاستخلاص والتحديات
فصل الهيليوم-3 عن الهيليوم-4 عملية صعبة، إذ تتصرف النظائر بشكل متطابق في معظم الظروف. يعتمد الباحثون على تقنيات متقدمة مثل التقطير الكريوجيني والأعمدة الامتصاصية، إلا أن أي مصنع تجاري لإنتاج الهيليوم-3 النقي من تدفقات الغاز لم يتم تشغيله بعد.
شركة Pulsar Helium دعت الجامعات والشركات التقنية لاستغلال موقع توباز كمختبر طبيعي لاختبار تقنيات الفصل الجديدة، بهدف تحقيق إنتاج قابل للتوسع تجاريًا.
الجانب البيئي والاقتصادي
مينيسوتا لم تنتج النفط أو الغاز تجاريًا من قبل، لذا يقوم المشرعون بوضع قواعد واضحة قبل السماح بالاستغلال. المجتمع المحلي والقبائل الأصلية يدرسون التأثيرات المحتملة على المياه الجوفية، الحياة البرية، والضوضاء، بينما يراقب آخرون فرص الوظائف والإيرادات الضريبية.
الداعمون يشيرون إلى أن المشروع قد يقلل اعتماد الولايات المتحدة على استيراد الهيليوم من مناطق سياسية حساسة، ويضيف مصدرًا مهمًا للإيرادات المحلية.
الخطوات التالية في توباز
تخطط الشركة لحفر مزيد من الآبار لتقدير الاحتياطيات القابلة للاستخراج. كذلك، ستحدد ما إذا كانت التكنولوجيا المتاحة ستجعل المشروع مربحًا على المدى الطويل.
المستثمرون ورواد المشاريع التي تهدف لاستخراج الهيليوم-3 من القمر أبرموا بالفعل عقودًا مع شركات الحوسبة الكمومية ووزارة الطاقة الأمريكية، ويحتاجون إلى كميات تفوق ما هو متاح حاليًا على الأرض.
إذا تمكنت مينيسوتا من إنتاج الهيليوم-3 بكميات كبيرة، فإن وقود المستقبل لن يأتي من القمر بعد الآن، بل من الغابات والمستنقعات الأمريكية.





