ملفات خاصةأخبارالتنمية المستدامة

الملوثات العالقة بالميكروبلاستيك قد تكون أخطر من البلاستيك نفسه

الميكروبلاستيك يتحول إلى ناقل للسموم والبكتيريا.. دراسة تكشف حلقة تفاعلية مقلقة

لطالما ركز القلق البيئي بشأن الميكروبلاستيك على الأضرار المحتملة التي قد تسببها جزيئات البلاستيك ذاتها، لكن مراجعة علمية جديدة تشير إلى أن المشكلة قد تكون أكثر تعقيدًا.

فالميكروبلاستيك يمكن أن يعمل كـناقل متحرك للملوثات والكائنات الدقيقة، إذ تلتصق بسطحه مبيدات حشرية ومعادن ثقيلة ومركبات صناعية، ثم تتشكل عليه مجتمعات بكتيرية قد تغير طبيعة هذه الأسطح وقدرتها على الاحتفاظ بالملوثات.

واعتمد فريق من جامعة جيانجشي الزراعية في الصين على أكثر من 150 دراسة منشورة لفحص كيفية تفاعل الميكروبلاستيك مع المواد الكيميائية والكائنات الدقيقة في الماء والتربة والهواء.

ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية Energy & Environment Nexus .

وتشير المراجعة إلى أن هذه المكونات لا تعمل بالضرورة بصورة منفصلة؛ فالملوثات يمكن أن تغير المجتمع البكتيري الموجود على البلاستيك، بينما تستطيع البكتيريا بدورها تغيير قدرة السطح على الاحتفاظ بالمواد الكيميائية.

وقال جينجليانج شي، الباحث المسؤول عن الدراسة، إن الميكروبلاستيك لا ينبغي التعامل معه باعتباره جسيمات معزولة في البيئة، لأنه يستطيع التفاعل مع المواد الكيميائية والكائنات الدقيقة ونقلها بين البيئات المختلفة، وفي ظروف معينة قد يزيد من تأثيراتها البيئية.

الميكروبلاستيك

الميكروبلاستيك يلتقط الملوثات من البيئة

تتراوح أحجام الميكروبلاستيك بين نحو ميكرومتر واحد و5 ملليمترات، وتتميز أسطحه بقدرتها على جذب العديد من المواد الكيميائية التي لا تذوب بسهولة في الماء.

ومن بين هذه المواد المبيدات الحشرية، والمركبات الصناعية، والمعادن الثقيلة، إضافة إلى المواد الكيميائية المضافة إلى البلاستيك أثناء تصنيعه.

وهذا يعني أن قطعة بلاستيكية صغيرة قد تلتقط ملوثات في موقع معين، ثم تنتقل إلى موقع آخر وهي تحمل هذه المواد معها.

لكن أهمية هذا النقل تختلف بحسب مستوى التلوث الموجود أصلًا في البيئة، ففي الأماكن التي تكون فيها المياه والغذاء ملوثين بالفعل، قد تمثل الملوثات التي يحملها البلاستيك جزءًا صغيرًا نسبيًا من إجمالي تعرض الكائن الحي للمواد الكيميائية.

أما في البيئات الأقل تلوثًا، مثل أجزاء من المحيط المفتوح والمناطق القطبية، فقد يصبح الميكروبلاستيك مسارًا أكثر أهمية لإيصال بعض الملوثات إلى الكائنات الحية.

الجهاز الهضمي قد يحرر الملوثات من البلاستيك

تزداد أهمية هذه الظاهرة عندما يبتلع الحيوان أو الإنسان جزيئات الميكروبلاستيك، فقد أشارت دراسات سابقة إلى أن السوائل الهضمية تستطيع تحرير المواد الكيميائية المرتبطة بالبلاستيك بكفاءة أكبر بكثير من الماء.

وتبدأ العملية بالتقاط الجزيء البلاستيكي للملوثات خارج الجسم، ثم ابتلاعه، قبل أن تؤدي السوائل الهضمية إلى تحرير جزء من المواد التي كانت عالقة بسطحه.

وتشير أبحاث سابقة إلى أن تأثير الملوثات المحمولة بواسطة البلاستيك يصبح أكثر أهمية عندما تصل مساهمتها إلى نحو 10% من إجمالي ما يتعرض له الكائن الحي عبر غذائه.

وبذلك لا يعتمد الخطر على وجود الميكروبلاستيك وحده، وإنما على كمية الملوثات التي يحملها، ومستوى التلوث في البيئة المحيطة، وطريقة تعرض الكائن الحي له.

الميكروبلاستيك
الميكروبلاستيك

الحجم يحدد إلى أين يمكن أن تصل الملوثات

لا تتصرف جميع الجزيئات البلاستيكية بالطريقة نفسها، فعندما يقل حجم الجزيء عن نحو ميكرومتر واحد، يدخل في نطاق النانوبلاستيك، الذي يمكنه عبور الحاجز المعوي والوصول إلى مجرى الدم.

وتشير الدراسات التي استعرضتها المراجعة إلى إمكانية انتقال هذه الجزيئات إلى الكبد والطحال وحتى الدماغ، وهو ما يثير تساؤلات إضافية بشأن المواد الكيميائية المحمولة عليها.

كما تلعب طبيعة البلاستيك نفسه دورًا في كمية الملوثات التي يمكن أن يلتقطها.

فعلى سبيل المثال، يمكن للبوليسترين، المستخدم في منتجات الرغوة مثل بعض الأكواب، أن يجذب بعض الملوثات الحلقية بمعدلات تتراوح بين مرتين و47 مرة مقارنة بالبولي إيثيلين أو البولي بروبيلين.

وتؤدي أشعة الشمس والاحتكاك والعوامل البيئية إلى تجوية سطح البلاستيك، فتزيد المجموعات الكيميائية المحتوية على الأكسجين على سطحه بنحو مرتين إلى 10 مرات، ما يجعل السطح أكثر تفاعلًا وقدرة على الاحتفاظ بالملوثات.

“البلاستيسفير”.. مجتمع بكتيري يعيش على البلاستيك

لا تتوقف القصة عند المواد الكيميائية، فخلال ساعات من وصول قطعة بلاستيكية إلى الماء، تبدأ الكائنات الدقيقة في الاستقرار على سطحها. ومع مرور الأسابيع يتكون غشاء حيوي كامل من البكتيريا والكائنات الدقيقة يعرف باسم البلاستيسفير – Plastisphere.

وقد أطلق إريك زيتلر وزملاؤه هذا الاسم على المجتمع الميكروبي المرتبط بالأسطح البلاستيكية في عام 2013.

ولا تتطابق الكائنات التي تستوطن البلاستيك بالضرورة مع المجتمعات الميكروبية الموجودة في المياه المحيطة أو الرواسب والخشب القريب.

ويضم هذا المجتمع أنواعًا يمكن أن تكون مفيدة، مثل بعض البكتيريا القادرة على تحليل الهيدروكربونات، لكنه قد يضم أيضًا أنواعًا ممرضة، من بينها Pseudomonas aeruginosa وبعض أنواع Vibrio.

والأكثر أهمية أن البكتيريا تفرز مواد لزجة تشكل جزءًا من الغشاء الحيوي، ويمكن لهذه الطبقة أن تصبح مخزنًا للملوثات.

وفي إحدى الدراسات التصويرية، كان أكثر من 78% من الملوثات المرتبطة بالجزيء البلاستيكي موجودًا داخل الطبقة اللزجة، بتركيز تراوح بين 112 و143 ضعف تركيزها في المياه المحيطة.

الميكروبلاستيك
الميكروبلاستيك

الميكروبلاستيك قد يوفر بيئة لجينات مقاومة المضادات الحيوية

تثير المجتمعات البكتيرية الموجودة على البلاستيك قلقًا إضافيًا بسبب قدرتها على تبادل الجينات، ومن بين هذه الجينات جينات مقاومة المضادات الحيوية، التي يمكن أن تنتقل بين البكتيريا.

وفي إحدى التجارب، أدت جزيئات البوليسترين والبولي فينيل كلوريد إلى زيادة وفرة جينات مقاومة المضادات الحيوية بمقدار تراوح بين 1.41 و2.84 مرة.

وعندما التصق النحاس بسطح الجزيئات البلاستيكية، ارتفع انتقال الجينات بنحو 3.7 مرة، بينما أدت مجموعة من المضادات الحيوية والمعادن إلى زيادة هذا الانتقال بمقدار يتراوح بين مرتين وخمس مرات.

وفي تجربة استمرت 88 يومًا داخل نهر متأثر بالمد والجزر، استمر البلاستيك المصنوع من PVC في إثراء جينات المقاومة، بينما شهد البلاستيك القابل للتحلل PLA ارتفاعًا مؤقتًا في منتصف عملية تحلله.

لكن هذه النتائج لا تعني أن الأنهار والبحار تشهد بالضرورة زيادة مماثلة في انتقال جينات المقاومة.

فالتجارب المخبرية سجلت في بعض الحالات انتقالًا للجينات أسرع بنحو مرتين إلى 20 مرة على الأسطح البلاستيكية، بينما لم تجد معظم الدراسات التي فحصت المجاري المائية الطبيعية زيادة واضحة في هذه الظاهرة.

ولهذا تظل مقاومة المضادات المرتبطة بالميكروبلاستيك خطرًا محتملًا قيد الدراسة، وليس ضررًا مثبتًا على نطاق البيئات الطبيعية.

عندما تتفاعل المواد الكيميائية والبكتيريا معًا

ترى الدراسة أن الجانب الأكثر تعقيدًا يتمثل في التفاعل المتبادل بين المواد الكيميائية والبكتيريا الموجودة على سطح البلاستيك.

فالملوثات العضوية والمعادن يمكن أن تقضي على البكتيريا الأقل قدرة على تحملها، وتترك الأنواع الأكثر مقاومة.

وتنتج هذه البكتيريا بدورها كميات أكبر من المواد اللزجة التي تشكل الغشاء الحيوي، وهي طبقة تستطيع احتجاز مزيد من الملوثات.

وتشير إحدى الدراسات إلى أن الغشاء الحيوي يمكن أن يمتص من الملوثات العضوية كمية أكبر بنسبة تتراوح بين 40% و170% مقارنة بالبلاستيك العاري، كما يغير الطريقة التي ترتبط بها المعادن بالسطح.

وبذلك يمكن أن تنشأ حلقة متبادلة: المزيد من الملوثات يغير المجتمع البكتيري، والمجتمع البكتيري الأكثر قدرة على التحمل قد يزيد قدرة السطح على الاحتفاظ بملوثات إضافية.

وفي تجربة تتبعت هذه السلسلة باستخدام النحاس، تغير أيض البكتيريا، وزاد إنتاج المواد اللزجة 2.4 مرة، بينما ارتفع معدل انتقال جينات المقاومة بين البكتيريا 3.1 مرة.

وحددت المراجعة مجموعة من الظروف التي قد تجعل هذه الحلقة أكثر أهمية، من بينها وجود مستويات من التلوث لا تقتل معظم الكائنات الدقيقة لكنها تكفي لاختيار الأنواع القادرة على تحمله، وأن يشكل الغشاء الحيوي أكثر من 60% من البنية الموجودة على السطح، إلى جانب تعرض البلاستيك للتجوية لفترات طويلة واستمرار التعرض لأكثر من 30 يومًا.

نتائج المختبر لا تعكس دائمًا ما يحدث في الأنهار

تظهر إحدى أكبر مشكلات تقييم هذه الظاهرة في الفجوة بين التجارب المعملية والبيئة الطبيعية، فأكثر من 85% من تجارب الامتزاز التي استعرضتها الأدبيات استخدمت ملوثًا واحدًا في مياه فائقة النقاء.

لكن المياه الطبيعية تحتوي على أملاح ومواد عضوية مذابة ومكونات أخرى تتنافس على الأسطح البلاستيكية.

فعلى سبيل المثال، أظهرت إحدى الدراسات أن مبيد فيبرونيل – Fipronil ارتبط بالبولي إيثيلين بمعدل أقل بنحو 40% إلى 60% في مياه الأنهار مقارنة بظروف المياه المستخدمة في بعض التجارب المعملية.

كما أن معظم قواعد البيانات التجريبية لا تمتد لأكثر من 90 يومًا، ما يعني أن التعرض الطويل منخفض الجرعة، كما يحدث في الأنهار والمحيطات، لا يزال غير مفهوم بشكل كافٍ.

ولا توجد حتى الآن نماذج قادرة على تمثيل جميع التغيرات التي يمكن أن تحدث مع ارتفاع درجة حرارة المحيطات وزيادة ملوحتها.

نماذج الذكاء الاصطناعي تحاول سد فجوة المعرفة

بدأت بعض الفرق البحثية بالفعل في تطوير نماذج للتنبؤ بهذه التفاعلات، وأحد النماذج التي تناولتها المراجعة دُرّب باستخدام 132 مجموعة بيانات من أنحاء العالم، وتمكن من التنبؤ بمعدل انتقال جينات المقاومة بدقة بلغت 89.1%.

وكانت ثلاثة عوامل من بين الأكثر أهمية في أداء النموذج: درجة تجوية البلاستيك، وكمية الملوثات التي يحملها، وحجم الغشاء الحيوي المتكون على سطحه.

لكن السؤال الأساسي لا يزال بلا إجابة: ما الكمية التي يجب أن يصل إليها البلاستيك في نهر أو بحيرة حتى يصبح تأثيره كناقل للملوثات عاملًا مؤثرًا في الضرر البيئي، وليس مجرد إضافة صغيرة إلى مصادر التلوث الأخرى؟

الإجابة تحتاج إلى دراسات ميدانية طويلة الأمد، وليس فقط تجارب مخبرية قصيرة.

كما تحتاج إلى معرفة أكثر دقة لكمية البلاستيك الموجودة أصلًا في البيئة، وهي مسألة لا تزال البيانات العالمية بشأنها غير مكتملة.

وتؤكد المراجعة أن فهم الميكروبلاستيك باعتباره سطحًا متحركًا تتفاعل عليه المواد الكيميائية والبكتيريا قد يكون أكثر دقة من التعامل معه باعتباره مجرد قطع بلاستيكية صغيرة.

لكن تحديد حجم الخطر الفعلي في الأنهار والتربة والمحيطات يتطلب مزيدًا من القياسات طويلة المدى في الظروف الطبيعية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة