ملفات خاصةأخبارتغير المناخ

«واجبي أن أقول الحقيقة».. جوتيريش يحذر قبل نهاية ولايته من مخاطر أزمة المناخ والوقود الأحفوري

قبل مغادرة منصبه.. جوتيريش: العالم يقترب من نقاط تحول مناخية قد تسرّع الكارثة

الأمين العام للأمم المتحدة: العالم يقترب من نقاط تحول خطيرة.. والانتقال إلى الطاقة المتجددة لم يعد خيارًا بيئيًا فقط بل قضية أمن وطاقة واقتصاد

مع اقتراب نهاية ولايته الثانية في 31 ديسمبر 2026، يترك الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش وراءه إرثًا ارتبط بصورة وثيقة بقضية المناخ، بعدما جعلها واحدة من أبرز القضايا التي دفع بها إلى صدارة أجندة المنظمة الدولية. وتؤكد الأمم المتحدة رسميًا أن ولاية غوتيريش الحالية تنتهي في نهاية العام، فيما بدأت بالفعل عملية اختيار خلفه.

وقبل مشاركته الأخيرة في اجتماعات الجمعية العامة خلال ولايته، تحدث غوتيريش عن دوافعه للحديث بصراحة عن أزمة المناخ، وعن حدود قدرة الأمين العام للأمم المتحدة، ومخاطر الاعتماد على الوقود الأحفوري، ومستقبل الرأسمالية والاقتصاد العالمي، إلى جانب الأسباب التي تجعله يرى مساحة للأمل رغم تصاعد المخاطر المناخية.

ويختصر جوتيريش فلسفته في التعامل مع الأزمة بجملة واضحة: «واجبي أن أستخدم صوتي دون أي تنازل، لأقول الحقيقة وأنبه المجتمع الدولي إلى المخاطر التي يواجهها».

اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة
اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة

المناخ.. «أخطر تهديد وجودي عالمي»

يرى جوتيريش أن أزمة المناخ ليست مجرد ملف من ملفات السياسة الدولية، وإنما تهديد وجودي للبشرية، في وقت تميل فيه الأنظمة السياسية إلى التركيز على الأهداف قصيرة الأجل.

ويقول إن الحياة السياسية تعمل وفق إيقاع سريع، بينما تظهر النتائج الأكثر خطورة لتغير المناخ على المدى الطويل، وهو ما يجعل من مسؤولية الأمم المتحدة إبقاء القضية المناخية في قلب اهتمام المجتمع الدولي.

وتتزامن هذه الرؤية مع استعداد الأمم المتحدة لعقد قمة المناخ 2026 في نيويورك يوم 23 سبتمبر، بمشاركة قادة من الاقتصادات الكبرى والدول النامية والدول الأكثر تعرضًا للمخاطر، بهدف تسريع التحول في الطاقة وتعزيز أمن الطاقة والعدالة المناخية وحماية السكان من آثار الأزمة المتصاعدة.

لماذا فشل العالم حتى الآن في وقف الاحترار؟

يربط غوتيريش جزءًا من أسباب التأخر في مواجهة تغير المناخ بما يسميه المصالح المرتبطة بنموذج التنمية القائم على الوقود الأحفوري.

ويرى أن الأرباح الضخمة التي يحققها قطاع الوقود الأحفوري ساعدت في تمويل حملات تهدف إلى تحويل الانتباه عن الآثار المناخية للاعتماد على النفط والغاز والفحم.

لكن المشكلة، بحسب غوتيريش، لا تتعلق بالمصالح الاقتصادية فقط، إذ يرى أن قطاعات واسعة من الجمهور لم تستوعب بعد الحجم الكامل للمخاطر التي يفرضها تغير المناخ.

ويعتقد أن تزايد موجات الحرارة والكوارث المناخية، وما تسببه من أضرار للصحة والاقتصاد والمجتمعات، قد يؤدي إلى ارتفاع الوعي العام بحجم الأزمة.

خلاصة غوتيريش واضحة: العالم لم يتحرك بالسرعة الكافية، لكن التحول في الطاقة بدأ بالفعل
خلاصة جوتيريش واضحة: العالم لم يتحرك بالسرعة الكافية، لكن التحول في الطاقة بدأ بالفعل

مناخ متغير.. وأمن قومي تحت الضغط

لا يفصل غوتيريش بين تغير المناخ والأمن القومي.

ويشير إلى أن أزمات الطاقة الأخيرة أظهرت مخاطر اعتماد الدول على واردات الوقود الأحفوري، خصوصًا عندما تتعرض الأسواق العالمية لصدمات جيوسياسية.

ويحذر في الوقت نفسه من اقتراب العالم من نقاط تحول مناخية يمكن أن تؤدي إلى تسارع بعض آثار الاحترار العالمي.

ومن بين المخاطر التي يشير إليها تباطؤ الدورة الانقلابية الأطلسية (AMOC)، المعروفة أحيانًا باسم منظومة تيار الخليج، محذرًا من أن تغيرات كبيرة في هذه المنظومة قد ترتبط بتداعيات واسعة، من بينها ارتفاع مستويات سطح البحر.

وبذلك، يرى غوتيريش أن تغير المناخ لا ينبغي التعامل معه باعتباره ملفًا بيئيًا فقط، وإنما باعتباره قضية ترتبط مباشرة بأمن الدول واستقرارها.

الطاقة الأحفورية ليست مرادفًا لأمن الطاقة

من أبرز التحولات في خطاب غوتيريش خلال السنوات الأخيرة إعادة تعريف مفهوم أمن الطاقة.

فبدلًا من اعتبار النفط والغاز ضمانة لأمن الطاقة، يرى أن الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري يمكن أن يجعل الدول أكثر تعرضًا لتقلبات الأسواق والصراعات وتعطل سلاسل الإمداد.

وفي يونيو 2026، قال غوتيريش خلال أسبوع العمل المناخي في لندن إن أزمة المناخ وأزمة الطاقة تبدوان منفصلتين، لكنهما تشتركان في سبب مدمر واحد هو الوقود الأحفوري، داعيًا إلى انتقال سريع وعادل إلى الطاقة النظيفة.

وفي أبريل الماضي، أكد أيضًا أن الاستثمار العالمي في الطاقة النظيفة بلغ 2.2 تريليون دولار خلال العام السابق، أي ضعف الاستثمار في الوقود الأحفوري، معتبرًا أن مصادر الطاقة المتجددة المحلية يمكن أن توفر طريقًا أكثر استقرارًا لأمن الطاقة.

جوتيريش: لا أملك المال أو القوة.. لكن لدي «صوت»

يعترف الأمين العام للأمم المتحدة بأن صلاحيات منصبه محدودة، قائلًا إن الأمين العام لا يملك قدرًا كبيرًا من السلطة ولا يمتلك المال لفرض التحول العالمي في الطاقة.

لكن ما يمتلكه، بحسب قوله، هو الصوت والمنبر الدولي.

ولهذا يرى أن مسؤوليته تتمثل في استخدام هذا الصوت للتحذير من المخاطر، حتى لو لم يكن قادرًا على إجبار الحكومات على الاستثمار في الطاقة المتجددة.

ويؤكد أن العالم إذا لم يسرّع الانتقال من الوقود الأحفوري إلى الطاقة النظيفة، ولم يخفض الانبعاثات بصورة كبيرة خلال العقد الحالي، فسوف يواجه مشكلات شديدة الخطورة تؤثر في البشرية بأكملها.

«كان ينبغي أن نفعل أكثر»

وعند سؤاله عن أكثر ما يندم عليه خلال سنواته العشر في المنصب، يشير غوتيريش إلى أنه كان ينبغي بناء تحالفات أقوى خارج الدوائر السياسية التقليدية.

ويقول إن الأمم المتحدة أعطت اهتمامًا أكبر من اللازم للحوار مع كبار صناع القرار السياسي، مقابل بذل جهد أقل في تعبئة المجتمع وبناء تحالفات أقوى مع المنظمات الشعبية والحكومات المحلية ودون الوطنية.

ويربط ذلك أيضًا بالحاجة إلى تحديث النظم الديمقراطية وتطوير طريقة التواصل مع المواطنين، خصوصًا الأجيال الشابة، بما يتناسب مع أشكال الاتصال الجديدة عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

هل الرأسمالية هي المشكلة؟

يرفض غوتيريش اختزال أزمة المناخ في كلمة «الرأسمالية»، ويميز بين اقتصاد السوق وبين الطريقة التي تتم بها إدارته وتنظيمه.

ويقول إن اقتصاد السوق يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتخصيص الموارد، لكنه يحتاج إلى حوكمة فعالة وقواعد تنظيمية تضعها مؤسسات سياسية منتخبة ديمقراطيًا.

وبحسب رؤيته، لا تكمن المشكلة بالضرورة في وجود السوق، وإنما في ضعف الأطر التنظيمية أو وقوع الجهات الرقابية تحت تأثير المصالح الخاصة.

وهذا يعني، في تصوره، أن مواجهة أزمة المناخ لا تتطلب بالضرورة التخلي عن اقتصاد السوق، بل تطوير قواعد تحكمه وتضمن ألا تتحول المصالح الخاصة إلى قوة تعطل المصلحة العامة.

حتى الدول غير الديمقراطية مطالبة بالتحرك

وعن الدول التي تمتلك احتياطيات ضخمة من الوقود الأحفوري أو تعتمد أنظمتها السياسية على الحكم غير الديمقراطي، يقول غوتيريش إنه يؤيد الديمقراطية في كل مكان، لكنه يرى في الوقت نفسه أن معالجة أزمة المناخ تظل ضرورية حتى في الأنظمة غير الديمقراطية.

كما يحذر من استخدام تقنيات الاتصالات الحديثة بطريقة تزيد الطبيعة السلطوية لهذه الأنظمة.

أين توجد مساحة الأمل؟

رغم تحذيراته، لا يقدم غوتيريش صورة خالية من الأمل.

ويشير إلى التوسع السريع في الطاقة المتجددة باعتباره أحد أبرز الأسباب التي تسمح بالنظر إلى المستقبل من زاوية مختلفة.

وفي يونيو، أكد في خطاب للأمم المتحدة أن تكاليف الطاقة الشمسية انخفضت بنحو 90% منذ 2010، وطاقة الرياح البرية بأكثر من 70%، بينما انخفضت تكلفة تخزين البطاريات بنحو 95%. كما أشار إلى أن الاستثمار في الطاقة النظيفة أصبح يجذب مبالغ تقارب ضعف ما يذهب إلى الوقود الأحفوري.

وترى الأمم المتحدة أن هذا التحول لا يتعلق فقط بخفض الانبعاثات، بل يمكن أن يساعد الدول على تقليل اعتمادها على الأسواق العالمية المتقلبة للنفط والغاز وتعزيز قدرتها على إنتاج الطاقة محليًا.

رئيس الوزراء يشارك في الجلسة الافتتاحية للنقاش العام للشق رفيع المستوى من أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة
وفد مصر في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك

الدول المستوردة للوقود الأحفوري قد تدفع التحول

يرى غوتيريش أن أزمة الطاقة يمكن أن تدفع عددًا متزايدًا من الاقتصادات الناشئة، خصوصًا الدول التي تعتمد على استيراد الوقود الأحفوري، إلى تسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة.

فالاعتماد على النفط والغاز المستوردين يعني أن الدول معرضة لتقلبات الأسعار والصراعات الجيوسياسية وتعطل طرق التجارة.

أما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها من المصادر المحلية، فتمنح الدول قدرًا أكبر من السيطرة على جزء من احتياجاتها من الطاقة.

وفي هذا السياق، وصف غوتيريش في وقت سابق من العام التحول إلى الطاقة المتجددة بأنه مسار نحو أمن طاقة أكثر استدامة، مؤكدًا أن أزمة الطاقة لا ينبغي أن تؤدي إلى تعميق الاعتماد على مصادر الوقود التي ساهمت في خلقها.

الرسالة الأخيرة: أزمة المناخ والطاقة قصة واحدة

خلال السنوات الأخيرة، اتجه خطاب غوتيريش بصورة متزايدة إلى الربط بين المناخ والطاقة والاقتصاد والأمن.

وفي خطاب ألقاه خلال أسبوع العمل المناخي في لندن، وصف العالم بأنه يواجه أزمتين مترابطتين: أزمة مناخية تدفع درجات الحرارة إلى مستويات أخطر، وأزمة طاقة تكشف مخاطر الاعتماد على الوقود الأحفوري.

كما طرح تسريع خفض الانبعاثات، وتوسيع الطاقة المتجددة، وتقليل انبعاثات الميثان، وتعزيز التكيف والمرونة والعدالة المناخية باعتبارها عناصر مترابطة في الاستجابة العالمية.

وتأتي هذه الرسائل في وقت تستعد فيه الأمم المتحدة لقمة المناخ في نيويورك، التي تركز رسميًا على تسريع التحول في الطاقة، وتعزيز أمن الطاقة، وتمويل التكيف، والعدالة المناخية، والتصنيع الأخضر.

وفي نهاية ولايته، تبدو خلاصة جوتيريش واضحة: العالم لم يتحرك بالسرعة الكافية، لكن التحول في الطاقة بدأ بالفعل، والفرصة لا تزال قائمة لتقليل المخاطر إذا تسارعت وتيرة الانتقال إلى الطاقة النظيفة.

وبالنسبة إلى الأمين العام الذي جعل المناخ أحد أبرز ملفات ولايته، فإن الرسالة التي يريد تركها خلفه ليست أن العالم نجح في حل الأزمة، وإنما أن التحول أصبح ممكنًا من الناحية التكنولوجية والاقتصادية، وأن التحدي المتبقي يتعلق بسرعة التحرك وقدرة الحكومات والمجتمعات على تحويل هذا الإمكان إلى واقع.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة