نحل العسل البري في أوروبا يقترب من خطر الانقراض.. المناحل تخفي أزمة صامتة
6 دول تسجل تراجعًا متوقعًا دون دعم المناح .. الأشجار والغابات آخر ملاذ
قد يبدو نحل العسل من أكثر الكائنات وفرة في أوروبا، مع ملايين الخلايا المنتشرة في المناحل وزيارته المستمرة للحدائق والمحاصيل، لكن دراسة جديدة تكشف جانبًا مختلفًا من الصورة؛ إذ تواجه تجمعات نحل العسل التي تعيش في البرية دون رعاية مباشرة من مربي النحل خطرًا متزايدًا على قدرتها على البقاء.
وتشير الدراسة إلى أن التجمعات البرية في معظم المناطق التي شملها البحث قد لا تتمكن من الاستمرار على المدى الطويل من دون وصول أسراب جديدة من المناحل، وهو ما يكشف خسائر خفية يمكن أن تحجبها وفرة خلايا النحل المُدارة.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن النحل البري لا يحصل على التغذية المنتظمة أو العلاجات التي توفرها تربية النحل، كما أن وجوده في الطبيعة يساعد في الحفاظ على تنوع وراثي قد يتضمن صفات مفيدة لمواجهة الأمراض والظروف البيئية المتغيرة.
النحل البري يعيش خارج خلايا المناحل
تشير التقديرات إلى أن المستعمرات البرية تمثل ما لا يقل عن سدس أعداد نحل العسل في أوروبا، إلا أنها حظيت باهتمام أقل بكثير مقارنة بالنحل الذي يعيش في خلايا يديرها مربو النحل.
ويعيش النحل البري في تجاويف الأشجار، والجدران، وغيرها من المواقع الطبيعية، كما يمكن أن تنتقل أسراب كاملة من خلايا المناحل إلى الطبيعة، فتستقر في تجويف شجرة قديمة أو في حفرة مهجورة، وتصبح جزءًا من تجمعات النحل التي تعيش بحرية.
ويشير الباحثون إلى أن الحدود بين النحل المُدار والنحل البري ليست واضحة تمامًا، إذ يتداخل الطرفان بصورة مستمرة من خلال التزاوج وهجرة الأسراب.
وقال الدكتور باتريك كول، من جامعة هوهنهايم، إن الفصل البيولوجي الواضح بين نحل العسل البري ونحل العسل المُدار لا يمكن الحفاظ عليه استنادًا إلى البيانات الحالية.
وأوضح أن النحل البري كان مصدرًا للنحل المستخدم في تربية النحل منذ آلاف السنين، ولا يزال التداخل قائمًا حتى اليوم، بما في ذلك عندما تتزاوج الملكات الشابة القادمة من عمليات تربية النحل مع ذكور من مستعمرات برية أثناء رحلات التزاوج.

مستعمرة واحدة قد تخفي خسارة أكبر
تكمن إحدى المشكلات الرئيسية في أن وجود مستعمرة نحل داخل تجويف شجرة لسنوات متتالية لا يعني بالضرورة أن المستعمرة نفسها نجت طوال هذه الفترة.
فقد تموت مستعمرة، ثم يصل سرب جديد من منحل قريب ويحتل التجويف نفسه، ما يعطي انطباعًا بأن المستعمرة الأصلية لا تزال موجودة.
ولرصد هذا النوع من التغير الخفي، استخدم الباحثون 9 مجموعات من بيانات الرصد شملت 700 موقع لتعشيش النحل في 7 دول أوروبية.
وقدّر الباحثون معدلات بقاء المستعمرات، ثم استخدموا نماذج لتقدير ما يمكن أن يحدث خلال 10 سنوات إذا لم تصل أسراب جديدة من خلايا النحل المُدارة.
ولأن قياس التكاثر الطبيعي للنحل البري يمثل تحديًا، افترض النموذج أن كل مستعمرة باقية تنتج سربين سنويًا.
تراجع متوقع في معظم المناطق
أظهرت النماذج أن 6 من أصل 7 دول شملتها الدراسة شهدت تراجعًا متوقعًا في أعداد التجمعات البرية عند وقف تدفق الأسراب القادمة من المستعمرات المُدارة.
واقتربت أعداد النحل البري في ألمانيا وسويسرا من الصفر وفق النموذج، بينما سجلت إسبانيا تراجعًا حادًا.
كما تراجعت التجمعات في فرنسا ولوكسمبورغ وبولندا، في حين أظهر جنوب شرق إنجلترا اتجاهًا مختلفًا، إذ توقع النموذج نمو التجمعات هناك.
وعلى مستوى أوروبا في النموذج، بلغ متوسط التراجع الوسيط 56% خلال عقد واحد، وهي نسبة تقع ضمن العتبة التي تستخدمها المعايير المعنية بتقييم مخاطر الانقراض لتصنيف مجموعة سكانية على أنها «مهددة بالانقراض».
لكن الرقم لا يعني أن أوروبا فقدت بالفعل 56% من نحلها البري.
فالـ56% تمثل إسقاطًا نمذجيًا مبنيًا على معدلات البقاء التي جرى قياسها، وعلى افتراض إنتاج سربين سنويًا لكل مستعمرة باقية، مع افتراض عدم وصول أي أسراب جديدة من المناحل.
النحل البري مخزن للتنوع الوراثي
لا يقتصر الفرق بين النحل الذي يعيش في خلية والنحل الذي يعيش في تجويف شجرة على مكان الإقامة.
فالمستعمرات البرية تتعرض لظروف طبيعية مختلفة، من دون العديد من التدخلات المتاحة للمستعمرات المُدارة، ما يخلق ضغوطًا مختلفة على المستعمرات التي تتمكن من البقاء والتكاثر.
ويرى الباحثون أن هذا قد يجعل التجمعات البرية مستودعًا مهمًا للتنوع الوراثي.
وأشار الدكتور كول إلى أن نحل العسل البري يتمتع بتنوع وراثي كبير، موضحًا أن هناك، على سبيل المثال، تجمعات من النحل في البرية بأميركا قادرة على التعامل مع عثة الفاروا، وهي طفيل يمكن أن يتسبب في أضرار بالغة للمستعمرات.
عثة الفاروا تكشف قيمة التكيف الطبيعي
تتغذى عثة الفاروا على النحل، ويمكن أن تؤدي إلى إضعاف المستعمرات والتسبب في انهيارها.
وبينما تخضع المستعمرات المُدارة عادةً لعلاجات كيميائية لمكافحة الطفيل، لا تحصل المستعمرات البرية على هذه المعاملة بصورة منتظمة.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة فرص استمرار بعض المستعمرات التي تمتلك قدرة طبيعية على مقاومة الطفيل، ومن ثم انتقال هذه الصفات إلى الأجيال التالية.
كما يمكن أن تحافظ التجمعات البرية في أوروبا على أنماط محلية نادرة من نحل العسل.
ومن الأمثلة على ذلك بعض التجمعات البرية في بريطانيا التي لا تزال تشبه بدرجة كبيرة نحل العسل الأوروبي الداكن (Apis mellifera mellifera)، وهو نوع محلي حظي باهتمام أقل في ممارسات تربية النحل الحديثة.
الأزمة لا تعني أن النحل الأوروبي يختفي
تشدد الدراسة على أن نتائجها لا تثبت أن نحل العسل البري أفضل من النحل المُدار، كما أنها لا تحدد عاملًا واحدًا باعتباره سبب التراجع المتوقع.
وتتمثل الفكرة الأساسية في أن المستعمرات التي تعيش بحرية تواجه ظروفًا مختلفة، وقد تساعد في الحفاظ على التنوع البيولوجي والوراثي داخل النوع.
وقال كول إن النحل البري يكمل تجمعات النحل المُدار جغرافيًا، مشيرًا إلى أن المستعمرات التي تعيش في موائلها الطبيعية، مثل الغابات المفتوحة وحواف الغابات، تدخل في تفاعلات عديدة مع أنواع أخرى.
وقد يكون لهذا الترابط أهمية بالنسبة إلى تربية النحل وتلقيح المحاصيل، إلا أن حجم هذه الأهمية على نطاق أوسع لا يزال غير محسوم بصورة كاملة.

متى يصبح النحل «بريًا»؟
كان على الباحثين أيضًا تحديد المقصود بالتجمعات البرية، في ظل استمرار التداخل بين النحل المُدار والنحل الذي يعيش في الطبيعة.
وبحسب الدراسة، فإن نحل العسل البري يُعامل باعتباره تجمعات برية مستقلة وفق معايير الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، رغم أنه ينتمي إلى النوع نفسه الذي تتم تربيته تجاريًا.
وكان السؤال الأساسي الذي طرحه الباحثون هو: هل تستطيع مجموعة من المستعمرات التي تعيش بحرية الاستمرار لمدة 10 سنوات من دون الاعتماد على الاستبدال المتكرر بأسراب قادمة من المناحل؟
وأظهر النموذج أن أوروبا ككل يمكن أن تستمر تجمعاتها البرية بعد عتبة السنوات العشر، رغم أن عددًا من التجمعات الإقليمية لم يكن قادرًا على ذلك في السيناريو الذي لا يشهد وصول أسراب من المناحل.
الدراسة تحمل حدودًا مهمة
تحتاج نتائج الدراسة إلى قراءتها في ضوء عدد من القيود.
فالدراسة شملت 7 دول فقط، وكانت معظم الدول ممثلة بمنطقة رصد محلية واحدة، وهو ما يعني أن النتائج لا يمكن اعتبارها وصفًا كاملًا لجميع تجمعات نحل العسل البري في أوروبا.
كما أن موقع الرصد في إسبانيا كان يقع في منطقة تهيمن عليها الزراعة المكثفة، ولذلك أشار الباحثون إلى أن النتائج هناك قد تعكس ظروف الموقع بصورة أسوأ مما هو موجود في أجزاء أخرى من إسبانيا.
كذلك، استخدم التقدير الأوروبي قيمة البقاء الوسيط بين الدول بدلًا من ترجيح الدول وفق مساحاتها أو أعداد المستعمرات فيها.
ولهذا، يرى الباحثون أن توسيع عمليات الرصد وجمع البيانات من مناطق ودول أكثر سيكون ضروريًا للحصول على صورة أكثر دقة عن حالة نحل العسل البري في القارة.
الأشجار القديمة والغذاء المتنوع ضرورة للنحل البري
ترتبط قدرة المستعمرات البرية على البقاء بالموائل التي توفر لها الغذاء ومواقع التعشيش والحماية.
وقال الدكتور بنيامين روتشمان، الذي يدرس تجمعات نحل العسل البري في زيورخ، إن هذه المستعمرات تحتاج إلى أشجار قديمة تحتوي على تجاويف مناسبة، ومصادر غذاء متنوعة، وهياكل طبيعية توفر لها أماكن للعيش.
وأوضح أن حماية هذه الموائل لا تساعد نحل العسل وحده، وإنما يمكن أن تفيد أنواعًا أخرى تعتمد على البيئات الغنية بالأزهار والمتنوعة من الناحية الهيكلية.
وفرة النحل في المناحل لا تكشف القصة كاملة
تكشف الدراسة عن مفارقة مهمة: قد تكون خلايا النحل المُدارة منتشرة على نطاق واسع، بينما تكون التجمعات التي تعيش بحرية أكثر هشاشة مما تبدو عليه.
والـ56% ليست نسبة خسارة حدثت بالفعل، بل نتيجة لنموذج افتراضي يستبعد تدفق الأسراب من المناحل، كما أن البيانات لا تمثل القارة الأوروبية بأكملها بصورة كاملة.
ومع ذلك، تشير النتائج إلى أهمية الحفاظ على النحل البري وموائله، ليس فقط بسبب دوره في تلقيح النباتات، وإنما أيضًا باعتباره مصدرًا للتنوع الوراثي والبيئي داخل أحد أهم أنواع الملقحات.
ونُشرت الدراسة في دورية Conservation Science and Practice، وتدعو نتائجها إلى توسيع مراقبة المستعمرات البرية وحماية الأشجار القديمة والغابات وحوافها والموائل الغنية بالنباتات المزهرة، بما يدعم قدرة النحل على بناء تجمعات مستقرة بعيدًا عن الاعتماد المستمر على أسراب قادمة من المناحل.





