ملفات خاصةأخبارالاقتصاد الأخضر

خريطة جديدة تكشف ما وراء هاتفك الذكي.. أكثر من 70 مادة خام و50 معدنًا تبدأ قصتها من المناجم

الوجه الخفي لصناعة الموبايل.. أكثر من 200 كجم من المواد الخام لهاتف يزن 200 جرام

قد يبدو الهاتف الذكي جهازًا صغيرًا وخفيفًا، لكن قصته البيئية تبدأ قبل وقت طويل من تشغيله لأول مرة. وتشير تقديرات إلى أن نحو 80% من الأثر البيئي السلبي للهاتف يحدث قبل الدقيقة الأولى من استخدامه، أي قبل إخراجه من عبوته.

ويحتوي الهاتف الذكي الواحد على أكثر من 70 مادة خام وأكثر من 50 معدنًا، يحتاج كثير منها إلى استخراجها من باطن الأرض.

وبحسب التقديرات، فإن تصنيع هاتف قياسي يزن نحو 200 جرام يتطلب استخراج أكثر من 200 كيلوجرام من المواد الخام، أي ما يعادل وزن 200 كيس سكر قياسي، أو 100 طوبة، أو دب بالغ من الدببة الرمادية.

وتكشف خريطة رقمية جديدة حجم التعقيد البيئي والإنساني والجيوسياسي الكامن وراء هذه المعادن، من مواقع التعدين حول العالم إلى المصانع التي تعالجها ثم تدخل في النهاية في صناعة الهواتف والأجهزة الإلكترونية.

التعدين يبدأ القصة البيئية للهاتف

يرتبط استخراج المواد الخام بتغيير واسع في المناظر الطبيعية، واضطراب إمدادات المياه المحلية، وتلوث النظم البيئية.

وفي بعض الدول، ارتبط إنشاء مواقع التعدين بنقل مجتمعات محلية من مناطقها لإفساح المجال أمام عمليات الاستخراج، كما وثقت تقارير استخدام عمالة الأطفال في بعض عمليات التعدين والمعالجة.

ولا تقتصر المشكلة على البيئة والظروف الاجتماعية، إذ توجد العديد من المواد الخام الأساسية للهواتف في عدد محدود من الدول، ما يجعل السيطرة على هذه الموارد قضية اقتصادية وجيوسياسية في الوقت نفسه.

ويؤدي تركز مصادر المعادن إلى سلاسل إمداد أكثر هشاشة ومنافسة على الوصول إلى الموارد، فيما يرى باحثون ومنظمات أن السباق على المعادن الحرجة يمكن أن يرتبط أيضًا بتوترات وصراعات في بعض المناطق.

الوجه الخفي لصناعة الموبايل
الوجه الخفي لصناعة الموبايل

ماذا يوجد داخل الهاتف؟

أظهر استطلاع شمل 6 آلاف بالغ في ست دول هي المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإسبانيا واليابان، أن أكثر من نصف المشاركين لم يتمكنوا من تسمية مادة خام واحدة تدخل في صناعة هواتفهم الذكية.

كما قال شخص واحد فقط من كل أربعة تقريبًا إنه واثق من معرفته بمكونات هاتفه، بينما أفاد 7 من كل 10 بأنهم لم يفكروا من قبل في معرفة مصدر الجهاز الذي يستخدمونه يوميًا.

وأظهر الاستطلاع أيضًا أن معرفة المستهلكين بالآثار المترتبة على التعدين يمكن أن تؤثر في قرارات الشراء؛ إذ قال 7 من كل 10 مشاركين إن معرفة استخدام عمالة الأطفال ستجعلهم أقل ميلًا إلى شراء هاتف جديد، بينما أبدى نحو ثلثي المشاركين اهتمامًا بمعرفة كيفية استخراج المواد المستخدمة في أجهزتهم ومعالجتها.

ولمعالجة فجوة المعرفة هذه، تعاونت شركة Back Market مع تسعة خبراء دوليين، من بينهم مؤلف المقال، لإطلاق منصة Mine My Phone، وهي قاعدة بيانات رقمية مفتوحة الوصول تعتمد على بيانات فعلية وتربط مواقع استخراج المعادن حول العالم بعشرة معادن رئيسية تدخل في صناعة الهواتف الذكية.

وتشمل هذه المعادن: الكوبالت، والليثيوم، والتنتالوم، والغاليوم، والجرافيت، والذهب، والقصدير، والنحاس، والإنديوم، والعناصر الأرضية النادرة.

العناصر الأرضية النادرة.. معادن مهمة في صناعة التكنولوجيا

العناصر الأرضية النادرة هي مجموعة تضم 17 معدنًا، من بينها النيوديميوم والسيريوم واللانثانوم.

ورغم أن هذه العناصر موجودة في القشرة الأرضية على نطاق واسع، فإنها عادة ما توجد بتركيزات منخفضة، ولا تصبح الرواسب مجدية اقتصاديًا في الوقت الحالي إلا عندما تحتوي على نحو 5% من هذه المعادن من حيث الوزن.

وتتيح خريطة Mine My Phone للمستخدم تتبع المواد الموجودة في هاتفه والعودة بها إلى مواقع استخراجها، مع إمكانية تصفية المعلومات وفق نوع التأثير، سواء كان بيئيًا أو إنسانيًا أو جيوسياسيًا.

كما تضم المنصة مقابلات مع خبراء وتقارير استقصائية حول الظروف الموجودة في مواقع التعدين حول العالم.

الكوبالت.. معدن حاسم للبطاريات

يعد الكوبالت أحد المكونات الأساسية في بطاريات معظم الهواتف المحمولة، لكن رحلة هذا المعدن من المنجم إلى الهاتف تكشف جانبًا من التعقيدات المرتبطة بصناعة التكنولوجيا.

ويُستخرج الكوبالت بطرق مختلفة، أبرزها المناجم الصناعية المفتوحة التي تستخدم الآلات الثقيلة لاختراق الأرض واستخراج المعادن، والمناجم الحرفية التي يعمل فيها أشخاص باستخدام أدوات بدائية وفي ظل محدودية معدات الحماية.

وتشير المعلومات التي تعرضها المنصة إلى أن بعض الكوبالت المستخدم في الهواتف قد يكون مستخرجًا بواسطة أطفال في سن صغيرة للغاية.

وتمتلك جمهورية الكونغو الديمقراطية نحو 50% من احتياطيات الكوبالت العالمية، بينما يُشحن معظم الكوبالت المستخرج منها إلى الصين، حيث تتم عملية تكرير أكثر من 75% من الإمدادات العالمية من الكوبالت إلى كوبالت نقي يستخدم في الهواتف المحمولة وبطاريات السيارات الكهربائية.

معادن أكثر.. ومخاطر على الإمدادات

مع استهلاك أغنى رواسب الكوبالت، من المتوقع أن يبدأ إنتاج الكوبالت النقي في الانخفاض بعد عام 2030.

وبحلول عام 2040، قد يصبح المعروض العالمي أقل من الطلب بنحو 50 ألف طن سنويًا، وفق التوقعات الواردة في التقرير.

ولا يعني ذلك أن صناعة الهواتف ستتوقف، لكنه يكشف مدى اعتماد التكنولوجيا الحديثة على موارد معدنية محدودة وعلى شبكات عالمية معقدة للاستخراج والمعالجة والتصنيع.

هل يمكن أن يصبح الهاتف أكثر استدامة؟

تطرح منصة Mine My Phone فكرة أن يكون المستهلك أكثر وعيًا بمصدر المواد التي تدخل في جهازه، وأن يستخدم هذه المعرفة للمطالبة بتنظيم أكبر لصناعة التكنولوجيا، بحيث تصبح الهواتف قابلة للترقية والإصلاح وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير.

وتوجد بالفعل نماذج تعتمد على التصميم المعياري، مثل الهواتف التي يمكن تغيير بعض مكوناتها بدلًا من استبدال الجهاز بالكامل، لكن كبار مصنعي الهواتف لم يعتمدوا هذا النموذج على نطاق واسع حتى الآن.

ويرى أصحاب المبادرة أن الهاتف الذكي ينبغي أن يستمر في الخدمة لفترة أطول بكثير، مع إمكانية تحديث مكوناته مع تطور التكنولوجيا.

فعلى مستوى الأجهزة، يمكن أن تشمل الترقية تركيب معالجات أسرع أو كاميرات أفضل، بينما يحتاج جانب البرمجيات إلى دعم طويل الأمد، مع الدعوة إلى توفير تحديثات للهواتف لمدة تصل إلى 10 سنوات على الأقل.

كما ينبغي أن تكون الهواتف قابلة للإصلاح بسهولة، بحيث يمكن استبدال الشاشات المكسورة والمكونات الإلكترونية التالفة والبطاريات التي فقدت قدرتها بدلًا من التخلص من الجهاز بالكامل.

إعادة التدوير تقلل الحاجة إلى التعدين

يمكن لتصميم الهواتف بحيث تصبح أكثر سهولة في إعادة التدوير أن يساعد في استعادة المعادن الثمينة الموجودة داخلها وإعادة استخدامها بدلًا من التخلص منها كنفايات إلكترونية.

وتكمن أهمية ذلك في أن كل كمية من المعدن يمكن استردادها من جهاز قديم تعني تقليل الحاجة إلى استخراج كمية جديدة من الصخور من المناجم.

وبهذا، لا تبدأ الاستدامة في قطاع الهواتف الذكية عند مرحلة التخلص من الجهاز، وإنما تبدأ منذ تصميمه واختيار مواده ومصدر تلك المواد، مرورًا بعمره التشغيلي وإمكانية إصلاحه وترقيته، وصولًا إلى استعادة المعادن منه وإعادة استخدامها.

وتكشف خريطة Mine My Phone هذه الرحلة بصورة مباشرة، لتضع أمام المستهلك سلسلة الإمداد التي غالبًا ما تختفي خلف جهاز صغير يحمله يوميًا.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة