خطة أميركا الجديدة لمعادن المستقبل.. احتياطي استراتيجي وتحالفات دولية
المعادن النادرة في قلب الصراع الأميركي الصيني.. ما الذي يغيره مشروع “فولت”؟
تتجه الولايات المتحدة إلى واحدة من أكثر المواجهات الاقتصادية والتكنولوجية تعقيدًا في القرن الحادي والعشرين، حيث باتت المعادن النادرة والمعادن الحرجة ساحة مركزية في الصراع الاستراتيجي مع الصين، التي تهيمن منذ عقود على هذا القطاع الحيوي، وتستخدمه كورقة ضغط في مواجهة خصومها الاقتصاديين والتقنيين.
وفي هذا السياق، تستضيف العاصمة الأميركية واشنطن اجتماعًا دوليًا غير مسبوق يضم وفودًا من أكثر من 50 دولة، في محاولة لتنسيق الجهود الرامية إلى تنويع سلاسل إمداد المعادن الحيوية وتقليل الاعتماد المفرط على الصين، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية.
المعادن النادرة.. قلب الاقتصاد الحديث
لم تعد المعادن النادرة مجرد مواد خام، بل أصبحت العمود الفقري للتكنولوجيا الحديثة، إذ تدخل في تصنيع البطاريات المتقدمة، وأشباه الموصلات، والسيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والمعدات العسكرية عالية الدقة، فضلًا عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة.
وتحذر واشنطن من أن استمرار الاعتماد على الصين في هذا القطاع يعرض الاقتصاد الأميركي ومجمعه الصناعي-العسكري لمخاطر جسيمة، خصوصًا في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، واحتمالات فرض قيود تصدير أو استخدام المعادن كسلاح اقتصادي.
تحركات أميركية لكسر الاحتكار الصيني
يرى صانعو القرار في الولايات المتحدة أن الصين مارست على مدى سنوات سياسات تسعير وتصدير أثرت سلبًا على شركات التعدين الأميركية، خصوصًا في معادن مثل الليثيوم والنيكل والعناصر الأرضية النادرة، ما أدى إلى إضعاف القدرة التنافسية الأميركية في هذا المجال.
ولهذا السبب، تتحرك واشنطن على أكثر من مستوى لتعويض الفجوة المتراكمة، من خلال دعم الإنتاج المحلي، وبناء شراكات دولية، وإنشاء مخزونات استراتيجية تحمي الاقتصاد الأميركي من اضطرابات الأسواق العالمية.

احتياطي استراتيجي أميركي للمعادن الحرجة
في خطوة تعكس تصعيدًا واضحًا في السياسة الصناعية الأميركية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إطلاق احتياطي استراتيجي للمعادن الحرجة، بتمويل أولي يبلغ 10 مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد الأميركي، إلى جانب تمويل خاص إضافي.
وأكد ترمب أن الشركات الأميركية واجهت لسنوات مخاطر نقص المعادن الحيوية خلال الأزمات العالمية، مشددًا على أن المشروع الجديد – المعروف باسم مشروع “فولت” – يهدف إلى ضمان استقرار الإمدادات وحماية الشركات والعمال من أي صدمات مستقبلية.

ويقوم المشروع على شراء المعادن وتخزينها لصالح قطاعات حيوية مثل صناعة السيارات الكهربائية والتكنولوجيا المتقدمة، بما يعزز استقلالية الولايات المتحدة عن سلاسل التوريد الخاضعة للنفوذ الصيني.
سباق عالمي موازٍ تقوده اليابان
التحركات الأميركية تتزامن مع جهود دولية مماثلة، إذ أعلنت اليابان نجاح سفينة الأبحاث “تشيكيو” في استخراج عينات من رواسب تحتوي على عناصر أرضية نادرة من أعماق المحيط الهادئ، في سابقة علمية تهدف إلى تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على الصين.
وتعكس هذه الخطوة إدراكًا متزايدًا لدى القوى الصناعية الكبرى بأن السيطرة الصينية على المعادن النادرة لم تعد مجرد قضية اقتصادية، بل مسألة أمن قومي بامتياز.
رأسمالية الدولة تعود إلى الواجهة
بحسب تحليل صادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، تبنى ترمب منذ يناير/كانون الثاني 2025 نهجًا يقوم على رأسمالية الدولة، أي توسيع دور الحكومة في توجيه قرارات السوق، وتسريع منح التراخيص، واستخدام المؤسسات المالية العامة كأدوات استراتيجية.
وترى الباحثة ماريا شاغينا أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة تتحرك على ثلاثة مسارات رئيسية:
أولًا: صفقات “الولايات المتحدة أولًا”
ركزت الإدارة الأميركية على زيادة الإنتاج المحلي عبر أوامر تنفيذية لتسهيل التراخيص وتخفيف القيود البيئية وتوسيع التمويل الفيدرالي. كما أُقر قانون يخصص مليارات الدولارات للبنتاغون لدعم المخزونات والاستثمارات في سلاسل توريد المعادن الحرجة، مع منح وزارة الدفاع صلاحية غير مسبوقة لامتلاك حصص في شركات التعدين.
ثانيًا: الصفقات الثنائية
واصلت واشنطن إبرام اتفاقيات ثنائية مع دول تمتلك موارد معدنية مهمة، مثل أستراليا والكونغو الديمقراطية واليابان وأوكرانيا والسعودية، بهدف تأمين مصادر بديلة، وتعزيز التعاون في المعالجة والتكرير، وإبرام عقود شراء طويلة الأجل تقلل من النفوذ الصيني.
ثالثًا: مبادرة “باكس سيليكا”
في ديسمبر/كانون الأول 2025، أطلقت الولايات المتحدة مبادرة باكس سيليكا، التي تهدف إلى بناء سلاسل توريد آمنة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والمعادن الحرجة، عبر تحالف دولي يضم دولًا صناعية كبرى، مع التركيز على منطق “تحالف القدرات” بدل الاقتصار على الشراكات التقليدية.
توتر بين الشراكة والنفوذ
رغم الترحيب الدولي بالتحركات الأميركية، تكشف المبادرة عن توتر بنيوي في الاستراتيجية الأميركية، يتمثل في الجمع بين الدعوة إلى الشراكة الدولية، وفرض شروط سياسية وتجارية قد تقوض ثقة الحلفاء على المدى الطويل.
فالدول المشاركة تواجه مخاطر الرسوم الجمركية والإجراءات الأحادية، في وقت يُطلب منها الاستثمار في مشاريع صناعية طويلة الأجل تخدم أولويات الأمن القومي الأميركي.
الهيمنة الصينية.. واقع صعب الكسر
تؤكد بيانات وكالة الطاقة الدولية أن الصين تسيطر على نحو 60% من إنتاج المعادن النادرة عالميًا، ونسب تتراوح بين 70% و90% من عمليات التكرير والمعالجة، وهي الحلقة الأهم في سلاسل التوريد.
كما تكرر بكين نحو 91% من الإنتاج العالمي من عناصر الأرض النادرة، وتحتفظ بنفوذ واسع في تصنيع المغناطيسات الدائمة المستخدمة في السيارات الكهربائية وطاقة الرياح.
وقد أدى فرض الصين قيودًا صارمة على التصدير إلى إعادة تشكيل المنافسة العالمية، وتحويل المعادن النادرة إلى أداة استراتيجية في الصراع الاقتصادي والتكنولوجي مع الولايات المتحدة.
خلاصة المشهد
تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص اعتمادها على الصين في قطاع يُعد من أكثر القطاعات حساسية لمستقبل الاقتصاد العالمي، لكنها تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالكلفة، والبيئة، وثقة الحلفاء، وسرعة بناء بدائل حقيقية للهيمنة الصينية الراسخة منذ عقود.
الصراع على المعادن النادرة لم يعد مسألة موارد فحسب، بل أصبح صراعًا على من يملك مفاتيح التكنولوجيا والقوة في عالم ما بعد الوقود الأحفوري.





