أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

من الصين إلى البحر المتوسط.. مناطق العالم تدخل موجات متسارعة من الاحترار

الاحتباس الحراري لا يتسارع بالتساوي.. موجات متعاقبة تضرب مناطق العالم منذ الثمانينيات

لا يتسارع الاحترار العالمي بالوتيرة نفسها في جميع أنحاء الكوكب، إذ تكشف دراسة جديدة أن ارتفاع درجات الحرارة يتقدم على شكل موجات إقليمية، بدأت في مناطق مختلفة خلال فترات زمنية متباينة تمتد من ثمانينيات القرن الماضي وحتى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

ويقدم البحث خريطة أكثر تفصيلًا لمناطق العالم التي تسارعت فيها معدلات الاحترار، والتوقيت الذي بدأت فيه تلك التحولات، بدلًا من الاعتماد على متوسط درجة الحرارة العالمية الذي قد يخفي الفوارق الكبيرة بين المناطق.

وأجرى الدراسة باحثون من جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، وجامعة كليمسون، ومختبر ديناميكيات الموائع الجيوفيزيائية التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية NOAA.

ونُشرت الدراسة في دورية Nature Communications، وجمع الفريق عدة مجموعات من بيانات درجات حرارة سطح الأرض للفترة بين عامي 1970 و2024، ثم استخدم نماذج إحصائية لتحديد نقاط التحول التي شهدت عندها معدلات الاحترار تغيرًا واضحًا.

الاحترار يتسارع على شكل موجات

موجات متعاقبة تضرب مناطق العالم منذ الثمانينيات

كشفت الدراسة عن نمط واضح يتمثل في تركز أحدث حالات تسارع الاحترار بصورة كبيرة في مناطق خطوط العرض الوسطى من نصف الكرة الشمالي.

وسجل جنوب شرق الصين أقوى تغير في معدل الاحترار بين المناطق التي حددتها الدراسة، بينما شهد جنوب شرق المكسيك وخليج المكسيك أيضًا تسارعًا ملحوظًا في الفترة الحديثة.

وقالت الباحثة الرئيسية كلودي بولو، الأستاذة المشاركة في علوم المحيطات بجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، إن هدف الفريق كان تقديم صورة أوضح، منطقةً بمنطقة، عن الأماكن التي يتسارع فيها الاحترار والتوقيت الذي بدأ فيه ذلك التسارع.

وأوضحت أن الدراسة أظهرت ظهور حالات تسارع إقليمية على شكل موجات متميزة، مع اختلاف توقيت بدايتها من منطقة إلى أخرى، إذ تراوحت بين ثمانينيات القرن الماضي والعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

ويعني ذلك أن منطقتين قد تشهدان حاليًا تسارعًا في الاحترار، رغم أن بداية هذا التسارع حدثت في كل منهما بفارق قد يصل إلى عدة عقود.

المتوسط العالمي يخفي الفروق الإقليمية

تستند الدراسة الجديدة إلى أبحاث سابقة أجراها بعض أعضاء الفريق نفسه، ونُشرت في دورية Communications: Earth & Environment، وركزت على ما إذا كان تسارع الاحترار يظهر في متوسط درجة حرارة سطح الأرض على المستوى العالمي.

لكن تحليل الاحترار على المستوى الإقليمي يكشف صورة أكثر تعقيدًا، وإن كانت أكثر فائدة لفهم التغيرات التي تواجهها المجتمعات والأنظمة البيئية في أماكن محددة.

وبالإضافة إلى جنوب شرق الصين وخليج المكسيك، رصد الباحثون تغيرات في معدلات الاحترار في مناطق أخرى، من بينها شرق البحر المتوسط، وبوليفيا، وشمال المحيط الهادئ، ونيوزيلندا.

وتنتشر هذه المناطق في بيئات ومناخات وخطوط عرض مختلفة، ما يشير إلى أن تسارع الاحترار لا يحدث وفق نمط جغرافي واحد.

تلوث الهواء قد يكون أحد العوامل

موجات متعاقبة تضرب مناطق العالم منذ الثمانينيات

ركزت الدراسة بصورة أساسية على تحديد الأماكن التي تغيرت فيها معدلات الاحترار وتوقيت حدوث هذه التحولات، ولم تهدف إلى تحديد السبب الفيزيائي الدقيق وراء كل حالة من حالات التسارع.

ومع ذلك، يشير الباحثون إلى أن عوامل محلية، مثل انخفاض مستويات تلوث الهواء في بعض المناطق، قد تكون لعبت دورًا في بعض هذه التحولات.

وفي الصين، يتزامن توقيت التغير الذي رصدته الدراسة مع انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت الناتجة عن محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم والأنشطة الصناعية.

ويرى الباحثون أن هذا التزامن يتوافق مع احتمال وجود تأثير للهباء الجوي في تغير معدلات الاحترار.

وترتبط انبعاثات الكبريت بتأثير تبريدي يمكن أن يخفي جزءًا من الاحترار الناجم عن تراكم غازات الدفيئة، وبالتالي فإن تراجع هذا التلوث قد يؤدي إلى ظهور جزء أكبر من الاحترار الأساسي في درجات الحرارة.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذا التزامن لا يكفي وحده لإثبات أن انخفاض تلوث الهواء هو السبب المباشر وراء تسارع الاحترار في كل منطقة.

لماذا يصعب تحديد أسباب التسارع؟

يمثل اكتشاف نمط إحصائي لتغير معدل الاحترار خطوة مختلفة عن إثبات الآلية الفيزيائية التي تقف وراء هذا التغير.

وأكد الباحثون أن تحديد الأسباب الدقيقة لكل حالة من حالات تسارع الاحترار الإقليمي يحتاج إلى مزيد من البحث.

وقالت ريبيكا كيليك، المشاركة في الدراسة وأستاذة الإحصاء بجامعة كليمسون وأستاذة فخرية بجامعة لانكستر، إن ملاءمة النماذج لكل نقطة جغرافية تتيح تحديد المناطق التي تتشارك سلوكًا متشابهًا في الاحترار.

وأضافت أن هذه المعلومات مهمة للمجتمعات المحلية لفهم الطريقة التي يمكن أن يؤدي بها ارتفاع الاحترار إلى تأثيرات محلية.

لماذا يمثل تسارع الاحترار مشكلة؟

لا يؤدي الاحترار المتسارع إلى مجرد زيادة تدريجية في متوسط درجات الحرارة، بل يمكن أن يغير بسرعة خط الأساس الذي تحدث عنده الظواهر المناخية المتطرفة.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، تصبح الأيام الحارة أكثر حرارة، وتزداد احتمالات موجات الحر وشدتها بمرور الوقت.

لكن عندما يتسارع معدل الاحترار، يمكن أن تتغير الظروف الحرارية خلال فترة أقصر، ما يعني أن التأثيرات المناخية قد تتفاقم بوتيرة أسرع في المناطق المتأثرة.

ولهذا فإن معرفة المناطق التي تشهد تسارعًا في الاحترار، وتحديد الفترة التي بدأ فيها هذا التسارع، يمكن أن توفر أساسًا أكثر دقة لتقييم المخاطر المناخية ووضع خطط التكيف وتحديد أولويات الاستجابة.

وتزداد أهمية ذلك في المناطق التي تجمع بين الكثافة السكانية المرتفعة ومستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنخفضة، حيث قد تكون قدرة المجتمعات على التكيف مع التغيرات السريعة محدودة.

موجات متعاقبة تضرب مناطق العالم منذ الثمانينيات

الأنظمة البيئية تواجه الخطر نفسه

موجات متعاقبة تضرب مناطق العالم منذ الثمانينيات

لا تقتصر التداعيات المحتملة لتسارع الاحترار على المجتمعات البشرية، إذ يمكن أن تتعرض النظم البيئية والأنواع البرية والبحرية لضغوط متزايدة أيضًا.

وتكون العديد من الأنواع والموائل الطبيعية أكثر حساسية للتغيرات السريعة في درجات الحرارة مقارنة بالتغير التدريجي، لأن ارتفاع الحرارة بوتيرة أسرع يمنح الكائنات وقتًا أقل للتكيف مع الظروف الجديدة.

ويرى الباحثون أن تحديد توقيت ومكان حدوث موجات تسارع الاحترار خلال العقود الماضية يمكن أن يساعد في تحسين فهم التأثيرات المحلية المستقبلية.

وقالت بولو إن الفريق يأمل أن تساهم النتائج، إلى جانب لوحة بيانات تفاعلية تتيح للجمهور متابعة معدلات الاحترار المحلية من خلال تحديد المناطق على الخريطة، في تحسين القدرة على توقع التأثيرات المحلية وتوجيه جهود التكيف نحو المناطق الأكثر احتياجًا.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة