قبل موجات الحر والفيضانات.. «إل نينيو» يكشف ثغرات خطط الطوارئ في المدن
هل تستعد المدن لإل نينيو؟ خبراء يحذرون من فجوة تتجاوز الطرق والجسور
مع اقتراب إل نينيو 2026، تستعد مدن حول العالم لاحتمالات ارتفاع مخاطر الطقس المتطرف، من موجات الحر والفيضانات إلى العواصف والانهيارات الأرضية.
لكن الاستعداد لهذه الظاهرة المناخية لا يتعلق فقط بتقوية الطرق والجسور وشبكات تصريف مياه الأمطار والسدود؛ إذ تشير تجارب ودراسات في مجال التكيف مع الكوارث إلى وجود فجوة أخرى أقل وضوحًا: مدى استعداد المجتمعات الأكثر هشاشة لمواجهة الظروف المناخية القاسية.
ويأتي ذلك في وقت تشير فيه التوقعات إلى إمكانية أن يكون إل نينيو الحالي من أقوى أحداث الظاهرة خلال العقود الأخيرة، مع استمرار تأثيراته المحتملة حتى أوائل عام 2027.
إل نينيو يغير أنماط الطقس
إل نينيو جزء من نمط مناخي طبيعي يُعرف باسم «التذبذب الجنوبي–إل نينيو» (ENSO)، ويحدث عندما ترتفع درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي الشرقي بصورة غير معتادة.
وتؤدي هذه التغيرات في المحيط إلى إعادة توزيع أنماط الطقس في مناطق واسعة من العالم.
فقد تشهد مناطق معتادة على الأمطار ظروفًا أكثر جفافًا، بينما تواجه مناطق أخرى هطولًا غزيرًا وفيضانات.
كما تميل درجات الحرارة العالمية إلى الارتفاع خلال سنوات إل نينيو، ما يزيد مخاطر التعرض للحرارة الشديدة، سواء في الأماكن المفتوحة أو داخل المنازل.
لكن كل حدث من أحداث إل نينيو يختلف عن الآخر، ولذلك لا يمكن افتراض أن تأثيرات حدث سابق ستتكرر بالضبط في الحدث الحالي.

مؤشرات مبكرة على عام مناخي مضطرب
ظهرت بالفعل مجموعة من المؤشرات المرتبطة بالظروف المناخية الحالية، وشهدت الولايات المتحدة القارية، باستثناء ألاسكا وهاواي، أشد صيف حرارة في سجلها وفق البيانات المشار إليها في التقرير.
وفي الوقت نفسه، أدى الجفاف إلى التأثير في حركة الشحن عبر قناة بنما، بينما شهد المحيط الهادئ موسم أعاصير نشطًا بصورة استثنائية، في مقابل نشاط أقل من المعتاد في المحيط الأطلسي.
وتحذر توقعات من احتمال تعرض مناطق مختلفة من العالم لمزيد من الحرارة الشديدة والعواصف والفيضانات خلال الفترة المتبقية من 2026 وبداية 2027.

البنية التحتية في مقدمة الاستعداد
عادة ما تبدأ خطط المدن لمواجهة المخاطر المرتبطة بإل نينيو من البنية التحتية، ويشمل ذلك فحص أنظمة تصريف مياه الأمطار والسيطرة على الفيضانات، وتقليم الأشجار التي قد تسقط على خطوط الكهرباء أثناء الرياح القوية، إلى جانب صيانة وتعزيز السدود وقنوات تصريف المياه والطرق والجسور.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تكون هذه المنشآت قديمة.
فالسدود والحواجز الترابية القديمة، على سبيل المثال، يمكن أن تزيد تعرض بعض المناطق للفيضانات الكارثية، كما أظهرت حالات سابقة تعرضت فيها حواجز للانهيار بعد هطول أمطار غزيرة.
وتحتاج مشاريع استبدال أو إصلاح البنية التحتية الكبرى إلى سنوات وتمويل كبير، بينما قد تكون المشكلات معروفة قبل وقوع الكارثة بوقت طويل دون أن تكتمل أعمال الإصلاح.

الثغرة التي لا تظهر على الخرائط
لكن البنية التحتية ليست سوى جزء من المعادلة، فقد تركز الحكومات بدرجة كبيرة على تحديد المخاطر المادية، بينما تحظى الهشاشة الاجتماعية باهتمام أقل.
وهذا يعني أن المدينة قد تمتلك سدًا جيدًا وشبكة صرف قوية وخططًا للطوارئ، لكنها تظل معرضة لخسائر بشرية كبيرة إذا لم تكن خططها قادرة على الوصول إلى السكان الأكثر احتياجًا للمساعدة.
ومن بين الفئات التي قد تواجه مخاطر أكبر:
- كبار السن.
- الأشخاص ذوو الإعاقة أو محدودو الحركة.
- الأشخاص الذين يعيشون دون مأوى.
- الأسر ذات الموارد المالية المحدودة.
- الأشخاص الذين يعتمدون على أدوية أو خدمات صحية منتظمة.
فالشخص محدود الحركة، مثلًا، قد يجد صعوبة في الإخلاء السريع أو الوصول إلى مراكز الإيواء، بينما قد لا تملك الأسر محدودة الدخل الموارد اللازمة للانتقال المؤقت أو إجراء إصلاحات ضرورية في منازلها.
أما من يعيشون دون مأوى فقد يفتقرون أساسًا إلى مكان آمن يحميهم من موجات الحر أو الأمطار الغزيرة أو الفيضانات.
لماذا يصعب علاج هذه المشكلة؟
تحديد موقع جسر معرض للانهيار أو قناة تصريف تحتاج إلى صيانة قد يكون أسهل إداريًا من معالجة الفقر أو نقص المساكن بأسعار مناسبة أو صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية.
فالمشروع الهندسي يمكن ربطه بميزانية محددة وجدول زمني واضح.
أما تقليل الهشاشة الاجتماعية فيتطلب تعاونًا مستمرًا بين قطاعات متعددة، مثل الإسكان والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية وإدارة الطوارئ.

وتظهر أهمية هذه العوامل بوضوح بعد الكوارث، عندما قد تحتاج الأسر المتضررة إلى مساعدات مؤقتة للإيجار أو مساكن ميسورة التكلفة لتجنب النزوح، بينما قد يحتاج كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة إلى وسائل نقل للوصول إلى مراكز الإيواء أو الحصول على الأدوية والرعاية الطبية.
الاستعداد يبدأ قبل الكارثة
تكمن إحدى المشكلات الرئيسية في أن نقاط الضعف في خطط الطوارئ غالبًا ما تظهر بوضوح بعد وقوع الكارثة.
لكن الانتظار حتى وقوع الحدث المناخي قد يكون مكلفًا للغاية.
ولهذا بدأت بعض المدن في استخدام تمارين السيناريوهات، التي تسمح لمسؤولي الطوارئ والجهات الحكومية بالتعامل افتراضيًا مع أحداث شديدة قبل وقوعها.
وفي لوس أنجلوس، استخدم مسؤولو الطوارئ خلال 2026 تمارين تحاكي ظروفًا مناخية مرتبطة بإل نينيو، بمشاركة إدارات المقاطعة ومنسقي إدارة الكوارث في المجتمعات المحلية.
والهدف هو اكتشاف الثغرات في الخطط الحالية ومعرفة ما تحتاجه السلطات في حال وقوع عواصف شديدة أو فيضانات أو انهيارات طينية.
التنسيق بين الجهات قد يكون حاسمًا
وفي مناطق أخرى، يجري التركيز على التواصل مع السكان إلى جانب خطط البنية التحتية.
ففي منطقة خليج سان فرانسيسكو ومقاطعة دورهام بولاية نورث كارولاينا، يعمل المسؤولون على رفع وعي السكان بالمخاطر وتشجيعهم على متابعة تنبيهات الطقس والطوارئ، خصوصًا الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من المياه أو في المناطق المعرضة للفيضانات والانهيارات الأرضية.
وفي مدينة أوشنسايد بكاليفورنيا، شكلت السلطات مجموعة عمل خاصة بإل نينيو تضم ممثلين عن الأشغال العامة والهندسة والإطفاء والشرطة، بهدف تنسيق التخطيط والاتصالات ومراقبة نهر سان لويس ري.

درس أوسع من إل نينيو
الاستعداد لإل نينيو في ظل عدم اليقين يعكس تحديًا أكبر يواجه المدن في عصر تغير المناخ.
فالحكومات لا تحتاج فقط إلى بناء بنية تحتية أكثر قدرة على تحمل الحرارة والأمطار والعواصف، بل تحتاج أيضًا إلى معرفة من هم الأشخاص الذين سيواجهون أكبر صعوبة في التكيف مع هذه الظروف.
صيانة البنية التحتية، والتخطيط بالسيناريوهات، والاستعداد لموجات الحر والعواصف، وتحديد احتياجات الفئات الأكثر هشاشة، ووضع آليات واضحة لمساعدتها، يمكن أن تحد من تحول الظاهرة المناخية إلى كارثة إنسانية واسعة.
وفي النهاية، فإن قدرة المدينة على مواجهة الطقس المتطرف لا تُقاس فقط بقدرة السدود والطرق وشبكات الصرف على الصمود، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية الأشخاص الذين يملكون أقل الموارد لمواجهة الأزمة.





