أخبارالتنمية المستدامةتغير المناخ

فجوة علمية تغذي صراعات المياه في أفريقيا.. لماذا لا تكفي ندرة المياه لتفسير النزاعات؟

63 حوضًا نهريًا وأكثر من مليار شخص.. لماذا تحتاج أفريقيا إلى علم أقوى لإدارة المياه؟

عصام حجي: المشكلة ليست دائمًا نقص المياه.. بل عدم اليقين بشأن حجمها ومستقبلها تحت تغير المناخ

مع تصاعد الضغوط على الموارد المائية المشتركة في أفريقيا، يرى علماء مياه من جامعة جنوب كاليفورنيا أن أحد الأدوات الأكثر أهمية للحد من مخاطر النزاعات المائية قد لا يكون موجودًا فقط على طاولة المفاوضات، وإنما داخل النماذج الرياضية والعلمية التي تستخدم لفهم حركة المياه وتقدير حجم الموارد المتاحة ومستقبلها.

ويشير الباحثون إلى أن الصراعات حول الأنهار العابرة للحدود لا ترتبط بالضرورة بوجود نقص مطلق في المياه، وإنما يمكن أن تتفاقم بسبب عدم اليقين بشأن كمية المياه المتاحة، خصوصًا خلال موجات الجفاف والظروف المناخية المتطرفة، وكيف يمكن أن تتغير هذه الكميات مستقبلًا.

وفي تعليق علمي جديد نُشر في دورية Nature Sustainability، دعا علماء من جامعة جنوب كاليفورنيا ومؤسسات بحثية أخرى إلى زيادة ظهور الأبحاث الأفريقية المتعلقة بالمياه ودعمها في الدوريات العلمية الكبرى، مع التركيز على الدراسات القابلة لإعادة الإنتاج والتحقق، والنماذج التي تستند إلى بيانات محلية وقياسات ميدانية.

ويرى الباحثون أن وجود قاعدة علمية مشتركة وأكثر موثوقية يمكن أن يساعد الحكومات والمنظمات الدولية على إدارة موارد الأنهار العابرة للحدود، وتقييم الخيارات المختلفة على أساس علمي، بما يوفر أساسًا للمفاوضات والدبلوماسية.

فجوة علمية تغذي صراعات المياه في أفريقيا

63 حوضًا نهريًا عابرًا للحدود

تضم أفريقيا 63 حوضًا نهريًا عابرًا للحدود، يعتمد عليها أكثر من مليار شخص، ومن بينها أحواض الكونغو والنيجر وزامبيزي.

وتصبح إدارة هذه الأحواض أكثر تعقيدًا عندما تعتمد دول متعددة على النهر نفسه لأغراض مختلفة، تشمل مياه الشرب والزراعة والطاقة الكهرومائية والتنمية الاقتصادية.

ويقدم الباحثون حوض النيل مثالًا واضحًا على هذه التحديات، إذ تعتمد إثيوبيا والسودان ومصر على النهر، لكن احتياجاتها من مياهه تختلف، وفي بعض الحالات تتداخل.

وتسعى دول المنبع إلى تطوير مشروعات للطاقة الكهرومائية، بينما تعتمد المجتمعات والدول الواقعة في اتجاه مجرى النهر على تدفقات مائية يمكن التنبؤ بها بدرجة كافية لتلبية احتياجاتها.

وفي أبحاث سابقة، درس عالم المياه المصري الأصل عصام حجي وزملاؤه كيفية تأثير فترات الجفاف الطويلة في تشغيل السدود الكبرى وتوزيع موارد المياه والطاقة الكهرومائية، في ظل تزايد التقلبات الهيدرومناخية في أنحاء القارة.

د. عصام حجي

لكن الباحثين يشيرون إلى أن الأبحاث القوية والقابلة لإعادة الإنتاج، التي تركز على الموارد المائية المشتركة في أفريقيا، لا تزال ممثلة بدرجة أقل من المطلوب في الدوريات العلمية البارزة.

عندما تصبح الفجوة العلمية مشكلة سياسية

بحسب الباحثين، يمكن أن يكون غياب الأبحاث المحلية المحكمة والمتاحة على نطاق واسع ذا آثار عملية.

فعندما يصعب العثور على دراسات علمية موثوقة حول حوض مائي أو مورد مشترك في الدوريات العلمية الكبرى، قد تلجأ الحكومات بصورة أكبر إلى شركات استشارية خاصة أو جماعات مصالح للحصول على المشورة الفنية.

ولا يعني ذلك أن هذه الجهات لا تقدم معلومات مفيدة؛ إذ يمكن أن تكون الاستشارات الخارجية مهمة لتلبية الاحتياجات العاجلة. لكن الباحثين يرون أن بعض هذه المشورة قد لا يغطي بالقدر الكافي التغيرات طويلة الأجل في المناخ والمياه وإنتاج الطاقة الكهرومائية وديناميكيات الأحواض النهرية.

ومن هنا يحدد الباحثون مشكلة أعمق من مجرد السؤال عن كمية المياه المتاحة.

«أزمة عدم اليقين».. المشكلة التي تسبق الصراع

يرى حجي أن الدول قد لا تعرف بدرجة كافية من اليقين كمية المياه التي ستكون متاحة لها في المستقبل.

وهذا مهم بصورة خاصة في المناطق التي تتعرض لتغيرات كبيرة في الأمطار والجفاف والفيضانات نتيجة التقلبات المناخية.

وبحسب هذا الطرح، فإن ما يسمى أحيانًا بـ«حروب المياه» لا يرتبط فقط بالحجم الفيزيائي للمياه، وإنما أيضًا بدرجة اليقين بشأن هذا الحجم، وبكيفية تغيره مع تغير المناخ.

ويصف حجي ذلك بأنه «أزمة عدم يقين».

فعندما تتشارك عدة دول موردًا مائيًا محدودًا إلى جانب إمكانات الطاقة الكهرومائية، بينما تفتقر في الوقت نفسه إلى تقديرات موثوقة ومقبولة بشكل مشترك لحجم المياه وتغيراتها المستقبلية، يمكن أن يصبح المجهول نفسه مصدرًا للخوف والقلق.

وبدلًا من أن يكون الخلاف قائمًا فقط على كمية المياه الموجودة بالفعل، يصبح جزء منه متعلقًا بالسؤال: كم ستكون المياه المتاحة خلال السنوات الجافة؟ وكيف ستتغير التدفقات؟ وكيف ستؤثر قرارات تشغيل السدود والبنية التحتية في بقية دول الحوض؟

النماذج الرياضية تحول «المجهول» إلى أرقام قابلة للنقاش

يرى الباحثون أن إحدى نقاط البداية للتعامل مع هذه المشكلة هي البيانات المفتوحة والنماذج العددية القابلة لإعادة الإنتاج.

ويمكن للنماذج الهيدرولوجية والهيدرومناخية المتقدمة محاكاة حركة المياه داخل الأحواض النهرية، ودراسة كيفية إنتاج الطاقة الكهرومائية بصورة مستدامة في ظل سيناريوهات مختلفة للمناخ والإدارة.

كما يمكنها تقدير:

  • كميات المياه المتاحة.
  • أنماط تدفق المياه داخل الحوض.
  • تأثيرات فترات الجفاف.
  • نتائج تشغيل السدود والمنشآت المائية المختلفة.
  • آثار تغير المناخ على الموارد المائية.

التداعيات المحتملة لقرارات البنية التحتية على الدول الواقعة داخل الحوض نفسه.

وبذلك، يمكن تحويل مورد تتسم كميته المستقبلية بدرجة كبيرة من عدم اليقين إلى مورد يمكن قياس سيناريوهاته ومقارنتها رياضيًا.

ويطرح الباحثون نموذجًا مختلفًا عن الاعتماد على روايات متنافسة حول أحقية كل دولة في المياه، إذ يمكن استخدام نماذج شفافة وقابلة لإعادة الإنتاج لاختبار القرارات المختلفة وقياس تأثيرها في دول الحوض تحت ظروف مناخية متعددة.

حوض النيل.. ماذا يمكن أن تكشفه النمذجة؟

خمس دول من دول حوض النيل تنسج الأمل في أنظمة الإنذار المبكر للجميع
خمس دول من دول حوض النيل تنسج الأمل في أنظمة الإنذار المبكر للجميع

في حوض النيل، على سبيل المثال، يمكن للنمذجة العلمية أن تساعد في تقييم سيناريوهات تشغيل السدود خلال فترات الجفاف الطويلة، ودراسة كيفية تأثير قواعد التشغيل المختلفة في احتياجات إثيوبيا من الطاقة الكهرومائية واحتياجات مصر من المياه downstream.

ولا تقدم النماذج بالضرورة قرارًا سياسيًا جاهزًا، لكنها يمكن أن تحدد النتائج المائية المحتملة لكل خيار، بما يسمح لصناع القرار بمقارنة السيناريوهات استنادًا إلى مجموعة مشتركة من البيانات والافتراضات.

وهنا تكمن أهمية قابلية إعادة إنتاج النموذج؛ إذ يمكن للباحثين الآخرين فحص البيانات والافتراضات والمنهجية وإعادة تشغيل النموذج للتحقق من النتائج أو اختبار سيناريوهات مختلفة.

العلم وحده لا يكفي

مع ذلك، يؤكد الباحثون أن تحسين جودة العلوم المتعلقة بالمياه ليس كافيًا بمفرده، فالمشكلة تشمل أيضًا وصول هذه الأبحاث إلى صناع السياسات والمؤسسات التي تتخذ القرارات المتعلقة بالمياه.

وفي تعليقهم المنشور في Nature Sustainability، دعا الباحثون الدوريات العلمية الكبرى إلى تعزيز تفاعلها التحريري مع أبحاث المياه الأفريقية، بما في ذلك توسيع الخبرات التحريرية وتشجيع الأبحاث التي تركز على الحلول، وتستند إلى بيانات محلية وعمليات رصد ميدانية في مواقع الدراسة.

ويرى الباحثون أن زيادة ظهور هذه الدراسات في الأدبيات العلمية الدولية يمكن أن تساعد في ضمان دخول الأدلة العلمية إلى المفاوضات المتعلقة بالموارد المائية المشتركة، بدلًا من ترك مساحة أكبر لعدم اليقين أو الروايات المتنافسة.

من نماذج المياه إلى دبلوماسية قائمة على الأدلة

يقود هذا الطرح إلى فكرة أساسية في الدراسة: الدبلوماسية القائمة على الأدلة تحتاج إلى قاعدة علمية مشتركة.

فعندما تتوفر بيانات مفتوحة ونماذج قابلة لإعادة الإنتاج، تستطيع الدول تقييم السيناريوهات نفسها، حتى عندما تختلف مصالحها السياسية والاقتصادية.

وبذلك يمكن للعلم أن يوفر لغة مشتركة لوصف حجم المياه وتغيراتها المحتملة وتأثير القرارات المختلفة في الحوض النهري بأكمله.

ويأمل الباحثون أن يساعد تقليص عدم اليقين العلمي في توفير أساس للتعاون قبل تحول الخلافات المائية إلى أزمات، بحيث تصبح النمذجة العلمية أداة لفهم المخاطر المشتركة ودعم التفاوض، وليس مجرد وسيلة لوصف المشكلة بعد وقوعها.

ونُشرت الدراسة بعنوان «أبحاث المياه الأفريقية خارج سرديات الصراع والندرة» في دورية Nature Sustainability، وشارك في إعدادها عصام حجي من جامعة جنوب كاليفورنيا، وجونغيون يو من جامعة نورثرن ميشيجان، وأبوتاليب ز. أبوتاليب من الهيئة القومية للاستشعار من البعد وعلوم الفضاء في مصر، وسارة س. فؤاد من الجامعة التقنية في ميونيخ، ومحمد رماح، طالب الدكتوراه في جامعة لوفان الكاثوليكية.

وتستند الدراسة إلى أبحاث أوسع يجريها حجي حول موارد المياه وتغير المناخ في البيئات الجافة، باستخدام الاستشعار عن بعد والنمذجة البيئية، مع تركيز على المياه الجوفية والجفاف والفيضانات الشديدة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة