7 سنوات تفصل الاكتشاف العلمي عن السياسة البيئية.. وأحيانًا تمتد الفجوة إلى 28 عامًا
العلم يسبق السياسة بعقود.. دراسة تكشف بطء انتقال الاكتشافات البيئية إلى الاتفاقات الدولية
تتقدم علوم البيئة بوتيرة أسرع بكثير من قدرة السياسات الدولية على مواكبتها، إذ تكشف دراسة جديدة أن الاكتشافات والمفاهيم البيئية تحتاج في المتوسط إلى 7 سنوات حتى تجد طريقها إلى الاتفاقات الدولية الكبرى، بينما قد تمتد فترة الانتظار في بعض الحالات إلى نحو ثلاثة عقود.
وتسلط النتائج الضوء على فجوة زمنية كبيرة بين اكتشاف المشكلات البيئية وفهمها علميًا وبين ترجمة هذا الفهم إلى سياسات وإجراءات، في وقت تتسارع فيه أزمات تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور الأراضي.
وقاد الدراسة باحثون من جامعة أليكانتي ومركز الدراسات البيئية المتوسطية، حيث لم يكتفوا بدراسة سرعة انتقال المعرفة العلمية إلى الاتفاقات، بل بحثوا أيضًا فيما إذا كانت السياسات التي يتم اعتمادها تؤدي بالفعل إلى نتائج ملموسة على الأرض.
ونُشرت الدراسة في دورية Cell Reports Sustainability.
من الاكتشاف العلمي إلى السياسة

ركز الباحثون على مشكلتين منفصلتين، الأولى هي الفجوة بين ظهور اكتشاف أو مفهوم علمي وبين تبنيه من جانب صناع السياسات، والثانية هي ما يحدث بعد اعتماد السياسة: هل تؤدي فعلًا إلى تحسين الوضع البيئي، أم تظل مجرد التزام مكتوب على الورق؟
ولفهم المسار الأول، تتبع الباحثون 46 مفهومًا بيئيًا عبر ثلاث اتفاقيات رئيسية تابعة للأمم المتحدة تتعلق بتغير المناخ والتنوع البيولوجي والتصحر.
وقاس الفريق الفترة الزمنية الفاصلة بين أول ظهور لكل مفهوم في الأدبيات العلمية وأول ظهور له في وثائق السياسة الرسمية.
وكان متوسط الفترة 7 سنوات، لكن الباحثين وجدوا تفاوتًا كبيرًا بين المفاهيم.
فبعض الأفكار انتقلت إلى الاتفاقات الدولية بسرعة كبيرة، بينما ظلت مفاهيم أخرى خارج إطار السياسات لعقود.
مفاهيم انتظرت نحو ثلاثة عقود
من أبرز الأمثلة مفهوم التنوع التطوري (Phylogenetic Diversity)، الذي استغرق 28 عامًا حتى ظهر في وثائق مرتبطة بالتنوع البيولوجي.
كما انتظر مفهوما الأحداث المتطرفة والتنوع البيولوجي للتربة نحو 22 عامًا قبل ظهورهما في سياسات مكافحة التصحر.
وفي مجال تغير المناخ، استغرق مفهوم خدمات النظم البيئية نحو 27 عامًا حتى يدخل في اتفاقيات المناخ، رغم أنه أصبح في تلك الفترة مفهومًا شائعًا في العديد من مجالات السياسة البيئية.
وفي المقابل، تحركت مفاهيم أخرى بسرعة أكبر بكثير، فقد جرى تبني قضايا مثل إزالة الغابات والتآكل الجيني مبكرًا في مفاوضات التنوع البيولوجي، بينما ظهرت مفاهيم تدهور الأراضي واستعادتها في وقت مبكر ضمن اتفاقيات التصحر.
أما الميثان وأكسيد النيتروز، فقد دخلا سياسات المناخ في مراحل مبكرة للغاية.
لماذا تنتقل بعض الأفكار أسرع من غيرها؟
وجد الباحثون نمطًا واضحًا يتمثل في أن المفاهيم الأقدم كانت تميل إلى الانتقال إلى السياسات بسرعة أكبر.
ولم يكن هذا النمط مرتبطًا بكون المفهوم قد عُرض بطريقة إيجابية أو سلبية.
ويرجح الباحثون أن الأمر يتعلق بدرجة كبيرة بالاتصال وانتشار المعرفة.
فالمفهوم الذي يبقى في النقاش العلمي لفترة أطول تكون أمامه فرص أكبر للظهور في وسائل الإعلام والنقاشات العامة، ومن ثم الوصول إلى صناع القرار.
وبعبارة أخرى، قد تكون الألفة مع الفكرة أكثر تأثيرًا في سرعة انتقالها إلى السياسة من درجة الإلحاح المرتبطة بها.

نبرة الخطاب ليست العامل الحاسم
لم يجد الباحثون تأثيرًا واضحًا لطريقة تقديم المفهوم، فالمفاهيم الإيجابية التي تركز على الحلول، مثل المرونة البيئية، لم تنتقل إلى السياسات بسرعة أكبر من المفاهيم التي تركز على التهديدات والمشكلات.
وبالتالي، تحركت الأفكار ذات الطابع الإيجابي والسلبي بوتيرة متقاربة نسبيًا.
لكن نوع المفهوم نفسه كان أكثر أهمية في بعض الاتفاقيات من غيرها.
ففي سياسات المناخ، انتقلت الأفكار المرتبطة بالغلاف الجوي والهياكل التي يمكن قياسها بصورة واضحة بسرعة أكبر، وهو ما يتماشى مع التركيز التاريخي لسياسات المناخ على خفض الانبعاثات.
أما سياسات التنوع البيولوجي ومكافحة التصحر فكانت أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتنبؤ.
وفي هذين المجالين، بدا أن سرعة تبني المفهوم تعتمد بدرجة أكبر على مدى توافق المسار العلمي والسياسي في لحظة معينة.
الاتفاق الدولي لا يعني نجاح التنفيذ
انتقال المعرفة العلمية إلى اتفاق دولي لا يعني بالضرورة أن المشكلة البيئية ستُحل.
ولاختبار هذه النقطة، استخدم الباحثون الحفاظ على التنوع البيولوجي بوصفه حالة دراسة، وقارنوا نتائج جهود الحماية على مستويات مختلفة.
وكانت النتائج على المستوى العالمي غير مشجعة، فقد تدهورت حالة الحفظ لدى الغالبية العظمى من الأنواع التي جرى تقييمها خلال العقد السابق، كما انقرضت أكثر من 150 نوعًا خلال الفترة نفسها.
ويشير الباحثون إلى أن هدفًا عالميًا كان مصممًا لمنع هذا النوع من التدهور لم يحقق النتيجة المرجوة.

نتائج أفضل على المستوى القاري
بدت الصورة أفضل نسبيًا على المستوى القاري، ففي أوروبا، أظهرت شبكة المناطق المحمية نجاحًا متوسطًا، إذ حافظ نحو نصف أنواع الطيور المحمية على أعداد مستقرة أو متزايدة.
لكن التحسن الأكثر وضوحًا ظهر عندما انتقل الباحثون إلى المستوى المحلي والإقليمي.
ففي إحدى مناطق إسبانيا، أظهرت أنواع الطيور التي شملتها خطط محلية مخصصة للحفاظ عليها اتجاهات إيجابية واضحة في أعدادها، بينما لم تظهر الأنواع المشابهة التي لم تشملها هذه الخطط الاتجاه نفسه.
لماذا قد تنجح الإجراءات المحلية أكثر؟
يرى الباحثون أن هناك عدة عوامل يمكن أن تفسر هذا الاختلاف، فعلى المستوى المحلي، تكون الإدارة أكثر قربًا من مواقع المشكلة، مع قدرة أكبر على المتابعة المباشرة، ومشاركة أوضح للأشخاص المتأثرين بالإجراءات.
كما يكون عدد المصالح والأجندات السياسية المتنافسة أقل مقارنة بالمستوى الدولي.
أما الاتفاقات الدولية، فقد تواجه خلافات بين الدول حول الأولويات والتمويل والتنفيذ، في حين تظل المسؤولية عن النتائج أقل وضوحًا بعد توقيع الاتفاق.
وهذا يعني أن وجود اتفاق دولي لا يضمن بالضرورة وجود آلية فعالة لتحويل الالتزام إلى نتائج ملموسة.
إشراك العلماء وصناع القرار مبكرًا
يرى مؤلفو الدراسة أن إنتاج معرفة علمية قوية ليس نهاية الطريق، بل يمثل بداية عملية تحويل المعرفة إلى سياسة.
ولتقليص الفجوة، يدعون إلى جمع العلماء وصناع القرار وأصحاب المصلحة الآخرين في وقت مبكر من عملية وضع السياسات، بدلًا من إنتاج المعرفة العلمية أولًا ثم تسليمها إلى صناع القرار في مرحلة لاحقة.
وبحسب هذا النهج، يجب تحديد المشكلات والحلول بصورة تشاركية منذ البداية، بحيث تتداخل المعرفة العلمية مع عملية صياغة السياسات بدلًا من التعامل معها كمرحلتين منفصلتين.
المناخ والتنوع البيولوجي لا ينتظران
تكتسب هذه الفجوة الزمنية أهمية خاصة مع استمرار تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور الأراضي بوتيرة لا تتوقف انتظارًا للسياسات.
وتشير الدراسة إلى أن التحدي لا يتعلق فقط بإنتاج علوم بيئية أفضل، وإنما بقدرة المؤسسات على نقل المعرفة العلمية إلى السياسات في الوقت المناسب، ثم ضمان ترجمة الاتفاقات والالتزامات إلى إجراءات قابلة للقياس على الأرض.
وبذلك، فإن الفجوة الحقيقية قد لا تكون بين العلم والسياسة فقط، وإنما بين اكتشاف المشكلة، واعتماد الحل، وتنفيذ الحل وقياس نتائجه.





