أخبارالسياحةتغير المناخ

22 ألف كيلومتر في أخطر محيطات العالم.. مهمة مناخية جريئة لقارب يعمل بالشمس والرياح

قارب بلا طاقم يطوف حول القارة القطبية الجنوبية لقياس قدرة المحيطات على امتصاص ثاني أكسيد الكربون

بدأ قارب صغير ذاتي القيادة رحلة شاقة حول القارة القطبية الجنوبية، في مهمة علمية تستهدف جمع بيانات جديدة تساعد العلماء على فهم الدور الذي تؤديه المحيطات في امتصاص ثاني أكسيد الكربون وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

ومن المتوقع أن يقطع القارب نحو 22 ألف كيلومتر في مياه تُعد من أكثر مناطق العالم قسوة، في رحلة قد تستغرق ما بين سبعة وتسعة أشهر، مدفوعًا بطاقة الشمس والرياح، ومن دون وجود طاقم بشري على متنه.

ويبلغ طول المركبة نحو 7 أمتار، وتشبه في شكلها قارب كاياك كبيرًا باللون البرتقالي عالي الوضوح، وقد صُممت لتحمل ظروف المحيط الجنوبي الصعبة، بما في ذلك الأمواج العملاقة والرياح العاتية ودرجات الحرارة شديدة الانخفاض والجليد البحري.

رحلة من أستراليا حول أنتاركتيكا

انطلقت المركبة من مدينة هوبارت الأسترالية، على أن تتجه شرقًا نحو نيوزيلندا، قبل أن تواصل رحلتها عبر ممر دريك بين أقصى جنوب أمريكا الجنوبية والقارة القطبية الجنوبية، ثم تمر جنوب أفريقيا وتعود في نهاية المطاف إلى أستراليا.

وقالت الدكتورة إليزابيث شادويك، كبيرة علماء الأبحاث في منظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية الأسترالية (CSIRO)، إن العلماء يأملون في استعادة المركبة بعد نحو سبعة إلى تسعة أشهر.

وتستخدم المركبة ذاتية القيادة التي صنعتها شركة Saildrone الأمريكية المتخصصة في المركبات البحرية، عارضة ثقيلة للمساعدة في إبقائها مستقرة، ودفة للتوجيه، وشراع شمسي ثابت يعلو سطح المياه ويتيح لها استغلال الطاقة المتاحة أثناء الرحلة.

كما ستتم مراقبة المركبة عن بُعد عبر الأقمار الصناعية، مع إمكانية توجيهها عند الحاجة لضمان استمرارها في المسار المخطط.

وقالت شادويك إن المركبة واجهت بالفعل ظروفًا صعبة بعد وقت قصير من إطلاقها، مشيرة إلى أنها تعرضت لأمواج بلغ ارتفاعها نحو 8 أمتار، ورياح وصلت سرعتها إلى 35 عقدة.

وأضافت أن هذه الظروف أظهرت قدرة المركبة على تحمل البيئة القاسية، ووصفتها بأنها «مركبة صغيرة قوية للغاية».

 

المحيطات.. خط دفاع طبيعي في مواجهة تغير المناخ

ماذا تقيس المركبة؟

خلال رحلتها، ستجمع المركبة مجموعة واسعة من البيانات البيئية والمناخية، تشمل سرعة الرياح، والضغط الجوي، والإشعاع الشمسي، ودرجة حرارة المحيط، والملوحة، وتركيز الكلوروفيل، إلى جانب مستويات ثاني أكسيد الكربون في مياه البحر والهواء.

وتكتسب هذه القياسات أهمية خاصة لأنها ستساعد العلماء على فهم الدور الذي تؤديه المحيطات في الحد من تراكم ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وكيف يمكن أن يتغير هذا الدور مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة.

وتقول شادويك إن المحيط يمتص نحو ثلث الانبعاثات البشرية سنويًا، فيما يؤدي المحيط الجنوبي المحيط بأنتاركتيكا دورًا مهمًا في هذه العملية.

وأضافت أن استمرار الاعتماد على المحيطات بوصفها نظامًا طبيعيًا لامتصاص الانبعاثات يتطلب فهمًا أفضل لكيفية تغير قدرتها على أداء هذه الوظيفة في المستقبل.

لماذا المحيط الجنوبي مهم للمناخ؟

لا تقتصر أهمية المهمة على جمع مزيد من البيانات، وإنما تتمثل أيضًا في الوصول إلى مناطق وظروف يصعب على سفن الأبحاث التقليدية مراقبتها بصورة مستمرة.

فالسفن المأهولة التي تنطلق من هوبارت باتجاه أنتاركتيكا لا تستطيع عادة تغطية سوى نطاق محدود من المحيط، بينما يمكن للمركبات ذاتية القيادة العمل لمسافات أطول وفترات زمنية ممتدة، بما في ذلك خلال فصل الشتاء القطبي.

وتُعد هذه القدرة مهمة بصورة خاصة للمحيط الجنوبي، الذي يتميز بظروف جوية وبحرية شديدة القسوة، تشمل الأمواج المرتفعة والرياح القوية والعواصف والجليد البحري.

ومن خلال العمل في هذه الظروف من دون الحاجة إلى وجود طاقم بشري أو استهلاك الوقود الذي تتطلبه السفن التقليدية، تستطيع المركبة جمع قياسات مستمرة من مناطق يصعب الوصول إليها لفترات طويلة.

لماذا المحيط الجنوبي مهم للمناخ؟
لماذا المحيط الجنوبي مهم للمناخ؟

أسطول من أربع مركبات لمراقبة المحيطات

هذه المركبة ليست سوى الأولى ضمن أسطول يتكون من أربع مركبات مخطط لإطلاقها على فترات زمنية متباعدة، بحيث تعمل في المحيط الجنوبي والمحيط الهادئ والمحيط الأطلسي والمحيط الهندي، مع تركيز خاص على عمليات الرصد خلال فصل الشتاء.

وسيتمكن العلماء من الوصول إلى المعلومات التي تجمعها المركبات بصورة شبه فورية من خلال منصة مخصصة للمهمة.

وبعد عودة المركبات إلى قواعدها، ستخضع البيانات والملاحظات لعمليات تدقيق وفحص للجودة قبل إتاحتها لمزيد من الأبحاث العلمية.

هل تتغير قدرة المحيطات على امتصاص الكربون؟

يقول الدكتور بيب كانديل، كبير علماء الأبحاث في CSIRO، إن نحو 500 كيلوجرام من ثاني أكسيد الكربون تُزال من الغلاف الجوي بواسطة مصارف الكربون الطبيعية في المحيطات والغابات مقابل كل طن من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الوقود الأحفوري.

ويعكس ذلك الدور الكبير الذي تؤديه النظم الطبيعية في الحد من تراكم الانبعاثات في الغلاف الجوي.

لكن هذه القدرة ليست ثابتة بالضرورة.

فارتفاع درجة حرارة مياه المحيطات، وتغير أنماط الرياح الغربية، وذوبان الجليد، وتحمض المحيطات، والتغيرات المرتبطة بثقب الأوزون، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في قدرة المحيطات على امتصاص الكربون.

ولهذا، فإن الحصول على قياسات أكثر دقة من المحيط الجنوبي يمكن أن يساعد العلماء على تحسين النماذج المناخية وفهم الكيفية التي قد تتغير بها هذه العمليات مستقبلًا.

التكنولوجيا تذهب إلى مناطق لا تستطيع السفن الوصول إليها بسهولة

قال البروفيسور ماثيو إنجلاند، من جامعة نيو ساوث ويلز، والذي يدرس دور دوران المحيطات في النظام المناخي ولم يشارك في المشروع، إن قياس كمية الكربون التي تمتصها المحيطات وكيفية تغير هذه الكمية أمر بالغ الأهمية.

وأوضح أن الانبعاثات تتزايد في الغلاف الجوي، بينما تمتص النباتات البرية والمحيطات جزءًا كبيرًا منها، ولذلك فإن تتبع هذا الامتصاص وفهم حجمه بدقة يمثلان عنصرًا أساسيًا في تقييم تطورات أزمة المناخ.

وأضاف أن حدوث انخفاض كبير في قدرة المحيطات على امتصاص الكربون سيعني أن العالم يواجه تحديًا أكبر فيما يتعلق بخفض الانبعاثات.

وأشار إنجلاند إلى أن المحيط الجنوبي يمثل بيئة شديدة الصعوبة بالنسبة لسفن الأبحاث، بسبب الأمواج الضخمة والرياح العاتية والجليد البحري والعواصف، معتبرًا أن استخدام مركبة ذاتية القيادة لجمع البيانات في هذه الظروف يمثل تطبيقًا مهمًا للتكنولوجيا في خدمة أبحاث المناخ.

المحيطات.. خط دفاع طبيعي في مواجهة تغير المناخ

تكشف هذه الرحلة أن معركة فهم تغير المناخ لا تجري فقط في المختبرات أو محطات الرصد البرية، وإنما تمتد إلى أكثر البيئات قسوة على كوكب الأرض.

فالمحيطات تمتص كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون وتخزن قدرًا كبيرًا من الحرارة الناتجة عن تغير المناخ، لكن استمرار هذه الوظيفة الطبيعية ليس أمرًا مضمونًا إلى الأبد.

ومن هنا تأتي أهمية جمع البيانات طويلة المدى، خصوصًا من المناطق النائية التي يصعب على البشر العمل فيها بصورة مستمرة.

وقد تساعد البيانات التي تجمعها المركبات ذاتية القيادة حول أنتاركتيكا العلماء على الإجابة عن سؤال بالغ الأهمية لمستقبل المناخ: إلى أي مدى ستظل المحيطات قادرة على امتصاص الانبعاثات البشرية مع استمرار ارتفاع حرارة الكوكب وتغير كيمياء المحيطات وديناميكياتها؟

والإجابة عن هذا السؤال قد تكون حاسمة في تحسين التوقعات المناخية وفهم حجم الجهود المطلوبة لخفض الانبعاثات خلال العقود المقبلة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة