الأرض تتبدل أمام أعيننا من الفضاء.. كيف تكشف صور ناسا أسرار الفصول؟
من مليون ميل.. صور ناسا تكشف كيف يتغير وجه الأرض مع الفصول
تكشف صور التقطتها وكالة ناسا من مسافة تقارب مليون ميل عن تغيرات مذهلة في مظهر الأرض على مدار العام، إذ يبدو كوكبنا مختلفًا بوضوح مع انتقاله بين الانقلابات الشمسية والاعتدالين.
ومن سطح الأرض، تصل الفصول المتعاقبة إلينا من خلال علامات مألوفة؛ فتطول الظلال أو تقصر، ويتراجع الثلج، وتظهر أوراق الأشجار ثم يتغير لونها وتسقط، كما يبدو أن ساعات النهار نفسها تتمدد وتنكمش.
لكن عند النظر إلى دورة الفصول من مسافة تقارب مليون ميل، يتحول هذا التغير السنوي المألوف إلى مشهد كوكبي واسع.
وتلتقط سلسلة من الصور التي سجلتها كاميرا EPIC – Earth Polychromatic Imaging Camera التابعة لناسا، الأرض بالقرب من الانقلابين الشمسيين والاعتدالين، لتكشف كيف يتغير مظهر الكوكب بأكمله خلال عام واحد.
وفي هذه الصور، تبدو القارات وكأنها تتحرك نحو مركز قرص الأرض ثم تبتعد عنه مرة أخرى، بينما تظهر القارة القطبية الجنوبية بوضوح في أحد الفصول وتختفي تمامًا في فصل آخر.
حتى الحجم والشكل الظاهري للأرض يتغيران قليلًا من صورة إلى أخرى.
كوكب مائل

السبب الرئيسي وراء هذه التحولات البصرية هو ميل محور الأرض، فالأرض تدور حول محور وهمي يميل بنحو 23.5 درجة مقارنة بالمستوى الذي تتحرك فيه في مدارها حول الشمس.
ويرجح العلماء أن هذا الميل يرتبط بالتصادم الهائل الذي وقع في المراحل المبكرة من تاريخ الأرض، والذي يُعتقد أيضًا أنه أدى إلى تكوّن القمر.
ومع دوران الأرض حول الشمس، تحافظ على اتجاه محورها تقريبًا، ولذلك يميل كل نصف من نصفي الكرة الأرضية نحو الشمس خلال جزء من العام، ثم يميل بعيدًا عنها خلال جزء آخر.
وخلال انقلاب يونيو الشمسي، يميل النصف الشمالي من الأرض بصورة أكبر نحو الشمس، فتسقط أشعة الشمس عليه بزاوية أعلى وتطول ساعات النهار.
وبعد نحو ستة أشهر، عند انقلاب ديسمبر الشمسي، يحصل النصف الجنوبي على الوضع المقابل.
وهذه الهندسة المتغيرة بين الأرض والشمس، وليس تغير المسافة بين الأرض والشمس، هي العامل الرئيسي المسؤول عن تعاقب الفصول.
الأرض عند الاعتدالين
بين هذين الحدين يأتي اعتدالا مارس وسبتمبر، وخلال الاعتدال، لا يكون أي من نصفي الكرة الأرضية مائلًا بقوة نحو الشمس أو بعيدًا عنها.
ويمر الخط الفاصل بين النصف المضيء من الأرض والنصف المظلم، والمعروف باسم خط الفصل بين الليل والنهار (Terminator)، عبر القطبين.
ونتيجة لذلك، يقترب طول الليل والنهار من التساوي في أجزاء واسعة من الكوكب.
وقد يكون من الصعب إدراك هذا التغير من سطح الأرض، لكن كاميرا EPIC تقدم منظورًا مختلفًا تمامًا.
وتحلق الكاميرا على متن مرصد المناخ الفضائي في الفضاء السحيق DSCOVR، الموجود على مسافة تقارب مليون ميل من الأرض بالقرب من نقطة لاغرانج L1 بين الشمس والأرض.
ومن هذا الموقع، تستطيع EPIC مراقبة معظم الوجه المضيء للأرض.
القارات تبدو وكأنها تتحرك
توضح أربع صور التقطتها EPIC في أوقات متقاربة من اليوم، وبصورة خاصة، التحول الموسمي في مظهر الأرض.
خلال انقلاب ديسمبر الشمسي، تظهر أمريكا الجنوبية بشكل بارز بالقرب من مركز قرص الأرض.
كما تظهر القارة القطبية الجنوبية بوضوح على امتداد الجزء السفلي من الصورة، بينما يمتد جزء كبير من أمريكا الشمالية خارج مجال رؤية الكاميرا.
لكن بحلول انقلاب يونيو الشمسي، يبدو المشهد شبه معكوس.
فتقترب أمريكا الشمالية من مركز القرص المرئي، ويظهر الجليد البحري في القطب الشمالي بالقرب من الجزء العلوي من الصورة.
وفي الوقت نفسه، تتحرك أمريكا الجنوبية ظاهريًا إلى الأسفل، بينما تختفي القارة القطبية الجنوبية تمامًا عن مجال الرؤية.
لكن القارات لم تغير مواقعها الفعلية بالنسبة إلى بعضها بعضًا.
إنما يؤدي ميل محور الأرض إلى تغيير المناطق التي تواجه المركبة الفضائية البعيدة بصورة أكثر مباشرة، فتبدو القارات وكأنها انتقلت داخل قرص الكوكب.
لماذا تبدو الأرض أصغر؟
عند التدقيق في الصور، يظهر اختلاف آخر؛ إذ تبدو الأرض أصغر قليلًا في صور الاعتدالين، وهذا التأثير له تفسير مختلف.
فمركبة DSCOVR لا تبقى على مسافة ثابتة من الأرض، بل تتحرك في مسار ثلاثي الأبعاد يشبه الحلقة، يُعرف باسم مدار ليساجو (Lissajous orbit) حول منطقة نقطة L1.
وبالتالي تتغير المسافة بين المركبة والأرض باستمرار.
فعلى سبيل المثال، كانت DSCOVR على بعد نحو 899 ألف ميل من الأرض في 21 ديسمبر 2023، بينما ارتفعت المسافة إلى نحو 971 ألف ميل في 22 سبتمبر 2024.
وهذا الاختلاف في المسافة يكفي لإحداث تغير طفيف في القطر الظاهري للأرض داخل صور EPIC.
الأرض ليست دائمًا قرصًا مضيئًا بالكامل
ينتج المدار غير المعتاد للمركبة تأثير بصري آخر، فمع تحرك DSCOVR، تتغير الزاوية بين الشمس والأرض والمركبة الفضائية.
وفي بعض الأوقات، ترى EPIC الأرض وهي مضاءة بالكامل تقريبًا، بينما يظهر في أوقات أخرى جزء صغير من حافة الكوكب داخل الظلام.
ويشبه المشهد حينها طور الأحدب للقمر، وكأن جزءًا صغيرًا قد اقتُطع من قرص الأرض.
وأوضح ألكسندر مارشاك، نائب عالم مشروع DSCOVR، أن هذه التأثيرات المرتبطة بمدار المركبة يمكن رصدها في الصور، لكنها تظل أقل أهمية بصريًا من التغيرات الأكبر التي ينتجها ميل محور الأرض.
أكثر من عقد في مراقبة الأرض
ولا تقتصر أهمية المنظور البعيد الذي توفره EPIC على إنتاج صور لافتة للأرض.
فمع دوران الكوكب أسفل المركبة الفضائية، تستطيع الكاميرا تصوير الوجه المضيء للأرض كل بضع ساعات.
وبعد أكثر من عقد في الفضاء، أنتجت هذه المراقبة المتكررة سجلًا غير مألوف للإيقاعات اليومية والموسمية لكوكبنا.
ويستطيع الباحثون من خلال هذه البيانات متابعة السحب، والغطاء النباتي، والثلوج والجليد، والهباء الجوي، والأشعة فوق البنفسجية، وحتى التغيرات في لون المحيطات عبر أنحاء الكوكب.
وتحوّل هذه الصور واحدًا من أكثر دروس علوم الأرض شيوعًا إلى مشهد يمكن رؤيته مباشرة.
فالفصول ليست مجرد تغيرات في الطقس نشعر بها على سطح الأرض، بل إن آثارها تمتد إلى مظهر الكوكب بأكمله، ويمكن رؤيتها بوضوح عندما ننظر إلى الأرض من أعماق الفضاء.





