داخل أول أرشيف عالمي لجليد الأنهار الجليدية في قلب القارة القطبية الجنوبية
ذاكرة المناخ المهددة.. كيف تحمي أنتاركتيكا سجلات الجليد قبل اختفائها؟
كشفت أبحاث حديثة أن مياه الذوبان يمكن أن تُربك الإشارات الكيميائية الأساسية داخل جليد الأنهار الجليدية في المناطق الجبلية المرتفعة. ونتيجة لذلك، بدأ العلماء يتعاملون مع بعض سجلات الجليد على أنها مؤقتة، ويسارعون بنقل أفضل العينات إلى القارة القطبية الجنوبية لحفظها بعيدًا عن تأثيرات الاحترار.
كهف لجليد يختفي
استجاب مهندسون لهذا الشعور بالإلحاح عبر حفر كهف ثلجي في الهضبة المرتفعة بأنتاركتيكا، ثم إغلاقه ليكون مخزنًا طويل الأمد. وتولت مؤسسة «ذاكرة الجليد» تحويل الفكرة إلى جداول زمنية وتصاريح وشحنات كان لا بد أن تظل مجمدة طوال الرحلة.
ووصلت أولى صناديق الجليد القادمة من جبال الألب، من مون بلان وجراند كومبين، إلى محطة كونكورديا، حيث ستبقى دون مساس حتى تحتاجها فرق علمية مستقبلية، بعد أن تكون الأنهار الجليدية الأصلية قد تقلصت أو اختفت تمامًا.
نُشرت الدراسة في دورية Nature Geoscience.
كيف تحفظ الطبقات المتجمدة السجلات
كل لبّ جليدي هو أسطوانة طويلة تُستخرج من نهر جليدي، وتراكم طبقات من تساقط الثلوج عبر سنوات في ترتيب متماسك يمكن قراءته علميًا. ومع تراكم الثلوج، تنضغط الطبقات وتحتجز فقاعات هواء وغبارًا، ما يحفظ أجزاء من الغلاف الجوي القديم.
وتشير طبقات الرماد والدخان وحبوب اللقاح إلى أحداث كبرى، بينما تكشف الآثار الكيميائية عن العواصف والجفاف والتلوث الصناعي. لكن ذوبان السطح في المواسم الدافئة يسمح للمياه بإعادة توزيع هذه الإشارات، ما يجعل التسلسل الزمني أقل موثوقية.

كيمياء تُحدد الأعوام
يقيس الباحثون درجات الحرارة القديمة من خلال تحليل نظائر العناصر في الجليد، وهي نسخ من العنصر نفسه تحتوي على عدد مختلف من النيوترونات. فالهواء الأبرد يفضل الأكسجين الأخف في تساقط الثلوج، ما يجعل مزيج النظائر يتغير مع تقلبات المناخ.
كما تنشر الثورات البركانية الكبرى غبارًا وكبريتًا في الغلاف الجوي، وتساعد الطبقات اللاحقة في ربط هذه الأحداث بتواريخ دقيقة، لكن هذه الطريقة تنجح فقط إذا بقي الجليد باردًا وجافًا، لأن المياه السائلة يمكن أن تنقل الإشارات إلى طبقات أعمق.
كيف يطمس الذوبان التسلسل الزمني
في المواقع الجبلية الأكثر دفئًا، يبدأ الذوبان من السطح، ويجرف المواد الكيميائية القابلة للذوبان إلى أسفل عبر الثلوج. ويؤدي هذا إلى اضطراب الترتيب الكيميائي قبل أن يظهر أي تراجع واضح في حجم النهر الجليدي.
ويتتبع العلماء الهباء الجوي، وهي جسيمات دقيقة معلقة في الهواء، لكن بعد هذا الاضطراب تصبح الطبقات غير متوافقة مع التغيرات الموسمية، ما يدفع الفرق العلمية إلى الحفر أعمق، أو اختيار مواقع أبرد، أو نقل الجليد إلى أماكن بعيدة عن حرارة الصيف.
أنتاركتيكا… مخزن طبيعي للبرودة
توفر القارة القطبية الجنوبية ميزة حاسمة، إذ تبقى درجات الحرارة والثلوج في الهضبة مرتفعة البرودة بما يكفي لحفظ الجليد لقرون. ويستفيد الملجأ من هذه البرودة الطبيعية عند نحو 58 درجة فهرنهايت تحت الصفر، دون الاعتماد على الكهرباء.
وحُفر النفق داخل ثلوج متماسكة، ما يوفر درجة حرارة مستقرة تقلل مخاطر الأعطال أو الأخطاء البشرية. ومع ذلك، سيظل من الضروري حماية الموقع من التلوث، لأن جسيمات حديثة دقيقة قد تربك قراءات كيميائية مستقبلية.

نقل العينات عبر المحيطات
وثّق تقرير للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية رحلة الجليد من جبال الألب إلى أنتاركتيكا عبر السفن والطائرات. وحافظت الفرق على درجات تجميد عميقة طوال الطريق، لأن أي دفء مؤقت قد يؤدي إلى تشقق الجليد الهش.
وانطلقت الرحلة من ترييستي على متن كاسحة جليد إلى نيوزيلندا، ثم بطائرة إلى محطة كونكورديا في عمق القارة. وساعدت هذه السلسلة الباردة في تقليل الضرر الفيزيائي، لكنها لا تستطيع إصلاح أي اضطراب كيميائي حدث مسبقًا في موطن الجليد الأصلي.
قواعد الوصول المشترك
جعلت القواعد الدولية من أنتاركتيكا موقعًا مثاليًا للتخزين، إذ وافق نظام معاهدة أنتاركتيكا على الملجأ عام 2024. وسعى المخططون إلى إبقاء العينات محايدة سياسيًا، مع تحديد الوصول إليها وفق الجدارة العلمية لا الجنسيات.
كما واجه الخبراء القانونيون تحدي وضع نظام حوكمة، في ظل غياب إطار قانوني مفصل يحدد من يملك حق الموافقة على أخذ عينات بعد مئات السنين.
تسارع ذوبان الأنهار الجليدية
يتسارع فقدان الأنهار الجليدية عالميًا، مهددًا إمدادات مياه الشرب والتخطيط الزراعي والنظم البيئية في المصبات. وصنف تقرير اتحادي عام 2025 كثالث أكثر الأعوام حرارة في السجل العالمي للإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي.
ومنذ عام 1975، فقدت الأنهار الجليدية نحو 9.9 تريليون طن من الجليد، وتخسر حاليًا قرابة 300 مليار طن سنويًا. وقال الأمير ألبرت الثاني، رئيس موناكو والرئيس الفخري للمؤسسة: «الأنهار الجليدية ليست مجرد جليد، بل أعمدة للنظام الأرضي تدعم ملايين البشر».
حفظ العينات لقرون
تشمل الخطط إضافة عينات من جبال الأنديز والهيمالايا وسلاسل أخرى، لإتاحة مقارنات إقليمية عادلة مستقبلًا. ونظرًا لأن تكرار أخذ العينات من موقع واحد يهدر المادة، سيُقنن القيمون عمليات القطع، مع توثيق كل شريحة تُزال.
وقالت سيليست ساولو، الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية: «من خلال حفظ جليد الأنهار الجليدية، نمد سجلات المناخ إلى ما بعد عصر القياسات المباشرة، ونعزز الأسس العلمية لمراقبة المناخ العالمي».
ويعتمد هذا الوعد على التمويل المستقر والثقة طويلة الأمد، لأن الأرشيف يجب أن يصمد أطول من الحكومات والميزانيات وحتى اتجاهات البحث العلمي.





