أخبارالمدن الذكيةالتنمية المستدامة

الصين والهند تقودان «اخضرار الأرض».. لكن الغطاء النباتي يرسل إشارات مناخية متباينة

الخضرة لا تعني الشيء نفسه للمناخ.. تشجير الصين يبردها ويمطرها والهند تواجه نتيجة معاكسة

قد يبدو أن زيادة الغطاء النباتي والأشجار تمثل مكسبًا مناخيًا واضحًا في جميع الحالات، لكن دراسة جديدة تكشف أن اخضرار منطقة ما قد يغيّر المناخ في مناطق بعيدة عنها، وبطرق متناقضة تمامًا.

ففي الوقت الذي يؤدي فيه تزايد الغطاء النباتي في الصين إلى تبريد الأجواء وزيادة هطول الأمطار، يرتبط اخضرار الأراضي في الهند بتأثير مختلف؛ إذ يميل إلى رفع درجات الحرارة وتقليل الأمطار محليًا.

والأكثر إثارة أن تأثيرات اخضرار الصين والهند، عندما تحدث في الوقت نفسه، لا تبقى محصورة داخل حدودهما، بل تمتد عبر الغلاف الجوي لتؤثر في أنماط المناخ على مساحة تتجاوز نصف مساحة اليابسة على الأرض.

وتقود هذه النتائج إلى إعادة النظر في الطريقة التي تُقيّم بها مشروعات التشجير واستعادة النظم البيئية، إذ إن تأثير زيادة الغطاء النباتي لا يتوقف بالضرورة عند حدود المنطقة التي تُزرع فيها الأشجار.

ونُشرت الدراسة في مجلة Advances in Atmospheric Sciences.

الصين والهند تقودان جزءًا كبيرًا من «اخضرار» الأرض

تعد الصين والهند من أكبر المساهمين في الزيادة العالمية في مساحة أوراق النباتات خلال العقد الماضي، إذ تمثل الدولتان معًا قرابة ثلث الزيادة العالمية في مساحة الأوراق.

وبالنظر إلى قربهما الجغرافي والتوسع الكبير في الغطاء النباتي في كل منهما، كان السؤال الذي طرحه الباحثون هو: هل يؤدي هذا الاخضرار إلى التأثير المناخي نفسه في البلدين؟

الإجابة التي توصلت إليها الدراسة كانت: لا.

وقاد البحث مين شياو، طالب الدراسات العليا، بالتعاون مع الباحث المسؤول عن الدراسة مياو يو، أستاذًا في جامعة نانجينغ لعلوم وتكنولوجيا المعلومات في الصين، باستخدام نموذج مناخي يحاكي التفاعلات بين سطح الأرض والغلاف الجوي.

وأوضح الباحثون أن زيادة الغطاء النباتي لا تؤدي بالضرورة إلى الاستجابة المناخية نفسها في كل مكان، لأن القضية لا تتعلق فقط بكمية المياه التي تطلقها النباتات إلى الغلاف الجوي، وإنما أيضًا بمسار انتقال هذه الرطوبة وتأثيرها في السحب وتسخين سطح الأرض.

السور الأخضر العظيم، الصين،

لماذا تبرد الصين عندما تزداد الخضرة؟

في الصين، يؤدي نمو الغطاء النباتي إلى زيادة كمية المياه التي تنتقل من سطح الأرض إلى الغلاف الجوي من خلال عمليات التبخر والنتح النباتي.

لكن الجزء الأكثر أهمية يتعلق بما يحدث لهذه الرطوبة بعد وصولها إلى الهواء.

ففي جنوب الصين، تميل الرطوبة الإضافية إلى المساعدة على تكوين السحب في المنطقة نفسها التي أطلقت فيها النباتات المياه.

وتؤدي السحب الجديدة وظيفتين متزامنتين.

الأولى أنها تحجب جزءًا من الإشعاع الشمسي الذي يصل إلى سطح الأرض، وهو ما يؤدي إلى خفض درجات الحرارة.

والثانية أنها تساعد على إعادة المياه إلى سطح الأرض في صورة أمطار، ما يعزز الرطوبة ويزيد الهطول.

وهكذا يتشكل نوع من حلقة التغذية المناخية المحلية:

مزيد من النباتات → مزيد من الرطوبة → مزيد من السحب → مزيد من الأمطار → درجات حرارة أقل.

الهند.. الرطوبة تتحرك بعيدًا فتتغير النتيجة

في الهند، تبدأ العملية الفيزيائية بطريقة مشابهة.

فالغطاء النباتي الإضافي يطلق مزيدًا من الرطوبة إلى الغلاف الجوي، لكن الاختلاف الحاسم يظهر في المكان الذي تذهب إليه هذه الرطوبة.

فبدلًا من بقائها بالقرب من مصدرها والمساهمة في تشكيل السحب والأمطار محليًا، تشير نتائج النموذج إلى أن جزءًا أكبر من الرطوبة الإضافية في الهند ينتقل إلى مناطق أخرى عبر الغلاف الجوي.

ومع انخفاض تكوّن السحب فوق المنطقة نفسها، تصل كمية أكبر من الطاقة الشمسية إلى سطح الأرض دون أن تعترضها السحب.

والنتيجة هي ارتفاع درجات الحرارة محليًا، بالتزامن مع انخفاض هطول الأمطار.

وبذلك يمكن للعملية الفيزيائية نفسها تقريبًا، وهي زيادة إطلاق النباتات للمياه إلى الغلاف الجوي، أن تقود إلى نتائج مختلفة تمامًا تبعًا لمسار انتقال الرطوبة وديناميكيات الغلاف الجوي.

زيادة الغطاء النباتي
زيادة الغطاء النباتي

عندما تخضر الصين والهند في الوقت نفسه

لم يكتفِ الباحثون بدراسة التأثيرات المناخية لكل دولة بصورة منفصلة، بل استخدموا النموذج لمحاكاة سيناريو يحدث فيه اخضرار الصين والهند في الوقت نفسه.

وأظهرت النتائج أن التأثيرات لا يمكن حسابها ببساطة من خلال جمع التأثير الصيني والتأثير الهندي.

ففي جنوب الصين، استمر الاتجاه نحو أجواء أكثر برودة ورطوبة عندما حدث الاخضرار في المنطقتين معًا.

لكن التأثير لم يتوقف عند شرق آسيا.

وأظهرت المحاكاة أن مناطق من غرب أوراسيا، رغم عدم وجود عمليات اخضرار مباشرة فيها، يمكن أن تشهد بدورها تأثيرًا تبريديًا.

وفي المقابل، سجلت شمال أمريكا اتجاهًا نحو ارتفاع درجات الحرارة في السيناريو الذي شهد اخضرار الصين والهند معًا.

وهذه النتائج تكشف أن الغطاء النباتي لا يؤثر فقط في المناخ القريب من سطح الأرض، بل يمكن أن يتدخل في حركة الغلاف الجوي على نطاق قاري.

الأشجار والنباتات تغيّر حركة الرياح في الغلاف الجوي

يرتبط هذا التأثير البعيد بتغيرات في حركة الهواء على ارتفاعات كبيرة.

فالتغير في الغطاء النباتي لا يبدل فقط كمية الحرارة والرطوبة الموجودة بالقرب من سطح الأرض، وإنما يمكن أن يؤثر أيضًا في الرياح العليا والموجات الجوية واسعة النطاق التي تنقل التأثيرات المناخية عبر القارات.

وأظهرت المحاكاة أن حدوث الاخضرار في الصين والهند بالتزامن أدى إلى تغيرات في التيارين النفاثين لشرق آسيا وآسيا الوسطى، كما شجع على امتداد الهواء القطبي البارد لمسافات أبعد داخل أوراسيا.

وهكذا يمكن لتغير يحدث على سطح الأرض في منطقة معينة أن يعيد تشكيل أنماط دوران الغلاف الجوي، ثم يظهر تأثيره في منطقة بعيدة لم تشهد أي تغير مباشر في الغطاء النباتي.

الغلاف الجوي يربط مناطق تبدو منفصلة

ويؤكد الباحثون أن هذه النتائج تعكس حقيقة أساسية في النظام المناخي، وهي أن المناطق الجغرافية لا تعمل بصورة منفصلة.

وقال مين شياو إن الغلاف الجوي يربط بين مناطق قد تبدو متباعدة، وإن تغير الغطاء النباتي في منطقة ما يمكن أن يقوي أو يضعف أو حتى يعكس التأثيرات المناخية الناتجة عن تغير الغطاء النباتي في منطقة أخرى.

وهذا يعني أن اخضرار منطقتين في وقت واحد لا ينتج بالضرورة تأثيرين منفصلين، لأن انتقال الرطوبة وتكوين السحب وتغير دوران الغلاف الجوي يمكن أن تتفاعل معًا بطريقة غير خطية.

وبالتالي قد تنتج استجابة مناخية واسعة النطاق لا يمكن التنبؤ بها بمجرد دراسة تأثير كل منطقة على حدة.

التشجير واستعادة الأراضي.. التأثير لا يتوقف عند الحدود

تمتد أهمية النتائج إلى مشروعات التشجير واستعادة الأراضي وإدارة النظم البيئية على نطاق واسع.

فعادة ما يجري تقييم مشاريع استعادة الغطاء النباتي وفق تأثيراتها المحلية، مثل كمية الكربون التي يمكن تخزينها أو مقدار تغير درجات الحرارة فوق المنطقة التي جرى تشجيرها.

التشجير

لكن الدراسة تشير إلى أن هذه النظرة قد تكون غير مكتملة.

فالغطاء النباتي يغير تدفقات المياه والطاقة بين سطح الأرض والغلاف الجوي، ويمكن لهذه التغيرات أن تنتقل بعيدًا عبر الرياح والتيارات الجوية، فتؤثر في أنماط الحرارة والأمطار في مناطق أخرى.

وهذا يعني أن تقييم مشروع تشجير واسع النطاق قد يحتاج إلى النظر ليس فقط إلى ما يحدث داخل المنطقة التي جرى تشجيرها، ولكن أيضًا إلى ما قد يحدث في المناطق المحيطة والبعيدة نتيجة تغير الرطوبة والدوران الجوي.

ليست كل زيادة في الخضرة متشابهة مناخيًا

ولا تعني نتائج الدراسة أن التشجير أو زيادة الغطاء النباتي تؤدي بالضرورة إلى نتائج مناخية سلبية، بل تكشف أن التأثير يعتمد على المكان والظروف الجوية وطريقة انتقال الرطوبة وتفاعلها مع الغلاف الجوي.

ففي جنوب الصين، ارتبطت زيادة الغطاء النباتي في النموذج بزيادة السحب والأمطار وانخفاض درجات الحرارة، بينما أدى السيناريو المقابل في الهند إلى زيادة الحرارة وتراجع الأمطار محليًا.

وعندما اجتمعت العمليتان، ظهرت تأثيرات أبعد بكثير من حدود الدولتين، شملت مناطق في أوراسيا وأمريكا الشمالية.

وتؤكد الدراسة بذلك أن النظام المناخي العالمي شبكة مترابطة؛ إذ يمكن لتغيير في الغطاء النباتي على سطح الأرض أن ينتقل تأثيره عبر الغلاف الجوي إلى مناطق لا تشهد أي تغيير مباشر.

دراسة واحدة لا تكفي لحسم الصورة

رغم أهمية النتائج، يشير الباحثون إلى أحد القيود الرئيسية للدراسة، وهو اعتمادها بصورة أساسية على نموذج واحد لتفاعل سطح الأرض مع الغلاف الجوي.

ولذلك فإن تأكيد التأثيرات المناخية البعيدة التي توصلت إليها المحاكاة، ومعرفة مدى اتساعها ومدى ثباتها في ظروف مختلفة، يتطلب اختبار الفرضيات نفسها باستخدام نماذج مناخية مستقلة ومتعددة.

وتبقى الرسالة الأساسية للدراسة أن زيادة الغطاء النباتي ليست عملية محلية بالضرورة؛ فالنباتات تغير تدفقات المياه والطاقة، وهذه التغيرات يمكن أن تعيد تشكيل السحب والأمطار وحركة الرياح، ثم تنتقل آثارها عبر القارات.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة