بقرة أكثر إنتاجًا.. انبعاثات أقل لكل كيلوجرام من الحليب؟ إنتاج المزيد خفّض بصمته الكربونية 37%
الحليب واللحوم في معادلة واحدة.. زيادة إنتاج الحليب قد يخفض البصمة الكربونية
قد يبدو الأمر متناقضًا للوهلة الأولى: مزرعة تنتج كمية أكبر من الحليب يمكن أن تسجل بصمة كربونية أقل لكل كيلوجرام من المنتج.
لكن دراسة امتدت 5 سنوات في مزرعة ألبان تابعة لجامعة في بنجلاديش كشفت أن زيادة إنتاجية الأبقار كانت مرتبطة بانخفاض كبير في الانبعاثات المحسوبة لكل وحدة من الحليب، مع بقاء إجمالي انبعاثات المزرعة مستقرًا نسبيًا.
والأكثر إثارة أن الرقم النهائي للبصمة الكربونية لم يكن يعتمد على كمية الحليب وحدها، بل تغير بصورة كبيرة وفقًا للطريقة التي يوزع بها الباحثون الانبعاثات بين الحليب واللحوم، وكذلك طريقة تقدير انبعاثات الثروة الحيوانية.
وتشير النتائج إلى أن تقييم الأثر المناخي لمنتجات الألبان لا يتعلق فقط بعدد الأبقار أو كمية الحليب المنتجة، وإنما أيضًا بكفاءة الإنتاج وبالمنهج المستخدم في حساب الانبعاثات.
إنتاجية أعلى.. وبصمة أقل لكل كيلوجرام
حلل فريق البحث بيانات امتدت خمس سنوات من مزرعة الألبان التابعة لجامعة بنجلاديش الزراعية.
وخلال فترة الدراسة، ارتفع متوسط إنتاج الحليب اليومي للبقرة بنحو 63%، من 7.8 رطل، أو نحو 3.53 كجم يوميًا، إلى 12.7 رطل، أو نحو 5.76 كجم.
وفي الوقت نفسه، انخفضت كمية الانبعاثات المرتبطة بكل وحدة من الحليب.
وبحسب أحد أساليب الحساب الرئيسية، تراجعت البصمة الكربونية بنحو 37%، من 6.89 إلى 4.34 كجم من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوجرام من الحليب المصحح للدهون والبروتين.
ويُستخدم مفهوم «الحليب المصحح للدهون والبروتين» لجعل المقارنة أكثر اتساقًا بين إنتاج الحليب الذي يختلف في محتواه من الدهون والبروتين.
لكن هناك تفصيلًا مهمًا
هذا الانخفاض لا يعني أن المزرعة خفضت إجمالي انبعاثاتها بنسبة 37%.
بل أظهرت النتائج أن إجمالي انبعاثات المزرعة ظل مستقرًا إلى حد كبير، بينما زادت كمية الحليب المنتجة.
بمعنى آخر، أصبحت الانبعاثات موزعة على كمية أكبر من المنتج.
وهذه نقطة جوهرية عند قراءة أرقام البصمة الكربونية: انخفاض الانبعاثات لكل كيلوجرام من الحليب لا يساوي بالضرورة انخفاضًا مماثلًا في إجمالي الانبعاثات الناتجة عن المزرعة.

لماذا زادت إنتاجية الأبقار؟
حدث ارتفاع الإنتاج بالتزامن مع تغييرات في تركيب القطيع ونظام التغذية.
فقد زادت حصة الأبقار الهجينة عالية الإنتاج من هولشتاين فريزيان، كما تحسنت جودة العلف ومحتواه من الطاقة.
لكن الدراسة لا تستطيع تحديد مقدار مساهمة كل عامل بصورة منفصلة، لأن عدة تغييرات حدثت في الوقت نفسه خلال السنوات الخمس.
ولهذا فإن النتيجة الأقوى ليست أن نوعًا معينًا من الأبقار أو نظامًا محددًا للتغذية تسبب وحده في خفض البصمة، وإنما أن تحسين الإنتاجية داخل النظام نفسه ارتبط بانخفاض الانبعاثات لكل وحدة من الحليب.
المفاجأة الأكبر: 60% من الانبعاثات جاءت من حيوانات لا تنتج الحليب
لا تقتصر مزرعة الألبان على الأبقار التي تحلب يوميًا، فهناك أبقار جافة، وعجول، وإناث صغيرة، وحيوانات أخرى ضرورية لاستمرار النظام الإنتاجي، لكنها لا تنتج الحليب في اللحظة نفسها.
وهذه الحيوانات تستهلك الأعلاف، وتنتج الروث، وتطلق الميثان، وبالتالي تدخل ضمن البصمة المناخية للمزرعة.
وأظهرت الدراسة أن الأبقار الحلوب مسؤولة عن نحو 40% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في المزرعة، بينما جاءت النسبة المتبقية، البالغة نحو 60%، من الحيوانات غير المنتجة للحليب.
وهنا تظهر أهمية النظر إلى القطيع بأكمله عند حساب البصمة الكربونية للحليب، بدل التركيز فقط على الأبقار التي تنتج الحليب.

الميثان هو المصدر الأكبر للانبعاثات
حسب الباحثون الانبعاثات الناتجة عن هضم الحيوانات، وإنتاج الأعلاف، وإدارة الروث، واستخدام الطاقة داخل المزرعة.
وكان هضم الحيوانات أكبر مصدر للانبعاثات، بحصة بلغت نحو 48%.
وجاء إنتاج الأعلاف في المرتبة الثانية بنحو 24%، ثم إدارة الروث بنسبة 20%، بينما شكل استخدام الطاقة في المزرعة نحو 8%.
وهذا يوضح أن خفض البصمة الكربونية لإنتاج الألبان لا يرتبط بعامل واحد، وإنما بمجموعة من العمليات التي تبدأ من تغذية الحيوان وهضمه وتمتد إلى إنتاج العلف وإدارة المخلفات والطاقة.

طريقة حساب الانبعاثات يمكن أن تغيّر النتيجة جذريًا
ربما تكون المفاجأة الأكثر أهمية لصانعي السياسات والمستهلكين هي أن طريقة توزيع الانبعاثات بين منتجات المزرعة يمكن أن تغير البصمة الكربونية للحليب بصورة كبيرة.
فالمزارع في بنجلاديش غالبًا ما تنتج الحليب واللحوم ضمن النظام نفسه، وبالتالي فإن جميع الانبعاثات لا ترتبط بمنتج واحد فقط.
عندما نسب الباحثون جميع انبعاثات المزرعة إلى الحليب، بلغ متوسط البصمة خلال السنوات الخمس نحو 5.18 كجم من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوجرام من الحليب المصحح.
لكن عندما جرى توزيع الانبعاثات بين الحليب واللحوم استنادًا إلى استخدام الحيوانات للطاقة في إنتاج كل منتج، انخفضت البصمة المنسوبة إلى الحليب إلى 2.74 كجم فقط.
أي أن المنهج المحاسبي وحده أحدث فرقًا كبيرًا في الرقم النهائي.
ولا يعني ذلك أن إحدى الطريقتين «تلغي» الانبعاثات، بل أن السؤال هو: كيف ينبغي توزيع الانبعاثات المشتركة لنظام ينتج أكثر من منتج؟
وهذا التفصيل بالغ الأهمية عند مقارنة البصمة الكربونية لمنتجات الألبان بين البلدان والأنظمة الزراعية المختلفة.
حتى تقدير الانبعاثات يتغير حسب البيانات المستخدمة
اختبر الباحثون أيضًا طريقتين تستخدمهما الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC لتقدير انبعاثات الثروة الحيوانية.
الطريقة الأولى، المعروفة باسم Tier 1، تعتمد على قيم عامة ومعاملات معيارية لتقدير الانبعاثات.
أما Tier 2 فتستخدم بيانات أكثر تفصيلًا عن المزرعة نفسها، مثل نوع الأعلاف التي تحصل عليها الأبقار، وكمية الحليب التي تنتجها، وأحجام الحيوانات، وطريقة إدارة الروث.
وفي حالة المزرعة التي شملتها الدراسة، قدر نموذج Tier 1 البصمة بنحو 7.11 كجم من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوجرام من الحليب.
أما نموذج Tier 2، الذي يعتمد على خصائص المزرعة المحلية، فقد قدرها بنحو 5.18 كجم، أي أقل بحوالي 27%.
مرة أخرى، لم تتغير انبعاثات المزرعة فجأة، الذي تغير هو طريقة تقديرها.
وهذا يكشف مشكلة مهمة في المقارنات الدولية للزراعة: استخدام قيم عامة بدل بيانات محلية قد يؤدي إلى تقديرات لا تعكس بدقة كيفية عمل المزرعة على الأرض.

لماذا تهم هذه النتائج سوق الغذاء العالمي؟
أصبحت البصمة الكربونية عنصرًا متزايد الأهمية في تقييم المنتجات الغذائية، خصوصًا مع توسع سياسات خفض الانبعاثات وتزايد اهتمام المستوردين بالمنتجات الأقل كثافة كربونية.
لكن مقارنة منتجين من بلدين مختلفين لا تكون عادلة بالضرورة إذا كانت الانبعاثات قد حُسبت باستخدام افتراضات أو طرق مختلفة.
فمزرعتان يمكن أن تنتجا الحليب نفسه تقريبًا، لكن إحداهما قد تبدو ذات بصمة أكبر بسبب طريقة توزيع الانبعاثات بين الحليب واللحوم، أو بسبب استخدام معاملات عامة بدل بيانات خاصة بالمزرعة.
ولهذا، فإن جودة البيانات ومنهجية المحاسبة تصبحان جزءًا من القضية المناخية نفسها.
هل يعني ذلك أن «زيادة الإنتاج» هي الحل المناخي؟
ليس بهذه البساطة.
الدراسة تدعم فكرة أن رفع الإنتاجية يمكن أن يقلل الانبعاثات لكل وحدة من الغذاء عندما لا ترتفع الانبعاثات الإجمالية بالقدر نفسه.
لكن هذا لا يعني أن زيادة إنتاج الحليب بأي طريقة ستؤدي تلقائيًا إلى فوائد مناخية.
فالنتيجة تعتمد على كيفية تحقيق هذه الزيادة، وعلى الأعلاف، وتركيب القطيع، وإدارة الروث، واستهلاك الطاقة، وكذلك على إجمالي حجم الإنتاج.
كما أن الدراسة أجريت في مزرعة مؤسسية واحدة، وبالتالي لا يمكن اعتبار أرقامها متوسطًا وطنيًا لبنجلاديش، ولا يمكن افتراض أنها ستتكرر بالضبط في جميع مزارع الألبان حول العالم.

مزرعة واحدة.. لكن درس عالمي
هناك قيود أخرى أيضًا، فبعض الانبعاثات قُدرت باستخدام قيم منشورة بدل قياسها مباشرة في المزرعة، كما لم تشمل الدراسة التغيرات الشهرية والموسمية بصورة كاملة.
ولم تتوافر قياسات طويلة الأجل كافية لتتبع تغيرات كربون التربة، ولذلك لم يدخل هذا العامل في التحليل.
ومع ذلك، تقدم الدراسة درسًا مهمًا في طريقة التفكير في البصمة الكربونية للغذاء.
فإذا أنتج النظام الزراعي كمية أكبر من الغذاء باستخدام مستوى إجمالي مشابه من الانبعاثات، يمكن أن تنخفض كثافة الانبعاثات لكل وحدة من الغذاء.
لكن معرفة ما إذا كان النظام «أفضل مناخيًا» تتطلب النظر إلى الصورة كاملة: إجمالي الانبعاثات، والإنتاج، واستخدام الأراضي، والأعلاف، وإدارة المخلفات، وطريقة توزيع الانبعاثات بين المنتجات.
وفي حالة الألبان، تكشف الدراسة أن البصمة الكربونية المكتوبة على الورق ليست مجرد رقم ثابت للحليب؛ فهي نتيجة تفاعل بين كفاءة الحيوان، وإدارة المزرعة، وحجم الإنتاج، وطريقة احتساب الانبعاثات.
ونُشرت الدراسة في دورية Journal of Dairy Science.





