أخبارتغير المناخ

خريطة جديدة تكشف متى قد يختفي كل نهر جليدي في العالم

من سيبقى ومن سيختفي؟ خريطة تفاعلية ترصد مصير الأنهار الجليدية حول العالم

أداة جديدة تتيح تحديد مصير الأنهار الجليدية حول العالم وفق مستويات مختلفة من الاحترار.. وأقل من 1 من كل 10 قد يبقى عند ارتفاع الحرارة 4 درجات مئوية

لم يعد اختفاء الأنهار الجليدية مجرد رقم ضخم في تقارير تغير المناخ؛ إذ تتيح خريطة تفاعلية جديدة لأي شخص البحث عن نهر جليدي بعينه حول العالم، ومعرفة الفترة الزمنية التي يُحتمل أن يختفي خلالها، وكيف يمكن أن يتغير هذا الموعد مع اختلاف مستوى الاحترار العالمي.

وتستند الأداة، التي تحمل اسم Global Glacier Extinction Explorer، إلى نماذج عالمية للأنهار الجليدية طورها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich) والجامعة الحرة في بروكسل، بهدف تحويل التوقعات المناخية العالمية إلى معلومات يمكن ربطها بمكان محدد وجبل أو وادٍ بعينه.

ولا تقدم الخريطة موعدًا مؤكدًا لاختفاء كل نهر جليدي، وإنما تعرض تقديرات ونوافذ زمنية محتملة تتأثر بدرجة الاحترار المستقبلية والخصائص المحلية لكل نهر جليدي.

ونُشرت الدراسة في دورية Nature Climate Change.

خريطة تجعل أزمة الجليد أكثر وضوحًا

عادة ما تُعرض أزمة الأنهار الجليدية من خلال أرقام عالمية تتحدث عن فقدان مليارات الأطنان من الجليد أو تقلص مساحات واسعة من الأنهار الجليدية.

لكن هذه الأرقام، رغم ضخامتها، قد تبدو مجردة بالنسبة إلى كثير من الناس.

أما الخريطة الجديدة فتسمح للمستخدم بتكبير أي منطقة تقريبًا، والوصول إلى نهر جليدي محدد، ثم استكشاف كيفية تغير مستقبله وفق سيناريوهات مختلفة للاحترار العالمي.

ويهدف الباحثون من وراء ذلك إلى جعل آثار تغير المناخ أكثر ارتباطًا بالأماكن والمجتمعات التي تعيش بالقرب من الأنهار الجليدية.

وقال الباحث لاندر فان تريخت، الذي قاد الدراسة وشارك في تطوير الموقع، إن الأرقام العالمية المتعلقة بفقدان كتلة الأنهار الجليدية أو مساحتها قد تبدو مجردة، بينما تتيح الخريطة للناس رؤية ما يمكن أن تعنيه مستويات الاحترار المختلفة للأنهار الجليدية التي يعرفونها.

اختفاء الأنهار الجليدية ليس مشكلة مؤجلة إلى نهاية القرن
اختفاء الأنهار الجليدية ليس مشكلة مؤجلة إلى نهاية القرن

2026 يكشف ما يحدث بالفعل

تأتي الأداة الجديدة في وقت تشهد فيه الأنهار الجليدية في جبال الألب الأوروبية تراجعًا حادًا.

فقد تعرضت المنطقة خلال عام 2026 لشتاء ضعيف الثلوج تلاه عدد من موجات الحرارة الصيفية، ما أدى إلى فقدان كميات كبيرة من الجليد.

وكانت الأنهار الجليدية الصغيرة الأكثر عرضة للتأثر، إذ يمكن لموسم واحد شديد الحرارة والذوبان أن يسرّع المرحلة الأخيرة من تراجعها.

وفي أغسطس 2026، أُعلن اختفاء نهر بيلا تولا الجليدي بالقرب من سان لوك في سويسرا، بعدما اختفى عمليًا.

واللافت أن نماذج الدراسة كانت قد قدرت في وقت سابق أن اختفاء هذا النهر الجليدي قد يحدث بين عامي 2026 و2029، ما يضع اختفاءه الفعلي داخل النافذة الزمنية التي توقعتها النماذج.

كما اختفى نهر أوريروتستوك الجليدي في سويسرا خلال الصيف نفسه، في مثال آخر على أن تراجع بعض الأنهار الجليدية لم يعد مجرد توقع بعيد المدى.

وقال فان تريخت إن هذه الحالات تجعل مفهوم اختفاء الأنهار الجليدية أكثر وضوحًا، مشيرًا إلى أن النماذج كانت قد أظهرت اقتراب عدد كبير من الأنهار الجليدية الصغيرة في جبال الألب من نهاية دورة حياتها، وهو ما يمكن رؤيته الآن بصورة مباشرة.

اختفاء النهر الجليدي لا يحدث في صيف واحد

قد يبدو أن موجة حرارة استثنائية أو صيفًا شديد الحرارة هو الذي «يقتل» النهر الجليدي، لكن العلماء يحذرون من أن اختفاءه عادة ما يكون نتيجة تراكم عقود من فقدان الكتلة الجليدية.

وقال الباحث هاري زيكولاري، من الجامعة الحرة في بروكسل، إن اختفاء النهر الجليدي لا ينتج عن صيف دافئ واحد، وإنما يمثل حصيلة سنوات طويلة من فقدان الكتلة.

فمع تراجع تساقط الثلوج عامًا بعد عام وارتفاع معدلات ذوبان الجليد خلال الصيف، يفقد النهر الجليدي تدريجيًا قدرته على الحفاظ على كتلته.

لكن سنوات الذوبان الشديد، مثل عامي 2022 و2026، يمكن أن تسرّع المرحلة الأخيرة من هذا المسار.

وبالتالي، فإن المشهد الذي يبدو مفاجئًا على الأرض غالبًا ما يكون النهاية المرئية لعملية بدأت قبل عقود.

2000 نهر جليدي قد يختفي سنويًا عند 1.5 درجة

لا تكتفي الخريطة بتحديد مصير الأنهار الجليدية الفردية، وإنما تستند إلى نماذج عالمية لدراسة الحجم المتوقع لفقدان الأنهار الجليدية حول العالم.

وتقدم الدراسة مفهومًا أطلقت عليه «ذروة اختفاء الأنهار الجليدية»، ويشير إلى الفترة التي يصل فيها عدد الأنهار الجليدية التي تختفي سنويًا إلى أعلى مستوياته.

وعند ارتفاع درجة حرارة العالم بمقدار 1.5 درجة مئوية، تشير التقديرات إلى أن نحو 2000 نهر جليدي سنويًا قد يختفي عند ذروة هذه العملية.

وعند ارتفاع الاحترار إلى 4 درجات مئوية، يتضاعف هذا العدد تقريبًا.

لكن الأهم هو ما يحدث على المدى الطويل.

خريطة تفاعلية عالمية تظهر مواقع الأنهار الجليدية وتواريخ اختفائها المحتملة تحت سيناريوهات مختلفة للاحترار العالمي.
خريطة تفاعلية عالمية تظهر مواقع الأنهار الجليدية وتواريخ اختفائها المحتملة تحت سيناريوهات مختلفة للاحترار العالمي.

ماذا سيبقى بحلول عام 2100؟

بحلول عام 2100، تشير النماذج إلى أن نحو نصف الأنهار الجليدية الموجودة اليوم تقريبًا قد يظل قائمًا في سيناريو يقتصر فيه الاحترار على 1.5 درجة مئوية.

لكن عند مستوى احترار يبلغ 2.7 درجة مئوية، تنخفض النسبة إلى نحو 20% فقط.

أما عند ارتفاع الحرارة إلى 4 درجات مئوية، فقد يبقى أقل من واحد من كل عشرة أنهار جليدية موجودة حاليًا.

وتوضح هذه الأرقام كيف يمكن أن تتغير الصورة بصورة جذرية مع كل زيادة إضافية في الاحترار.

ويشير الباحثون إلى أن كل جزء من الدرجة المئوية له تأثير، وأن الحد من الاحترار إلى 1.5 درجة مئوية يمكن أن يحافظ على أكثر من ضعف عدد الأنهار الجليدية مقارنة بمسار يصل فيه الاحترار إلى 2.7 درجة مئوية بحلول نهاية القرن.

جبال الألب أمام خسائر حادة

وتظهر الفوارق بصورة أكثر وضوحًا في المناطق التي تضم أنهارًا جليدية صغيرة ومتوسطة.

ففي جبال الألب الأوروبية، تشير التقديرات إلى أن نحو 110 أنهار جليدية فقط قد تبقى حتى نهاية القرن إذا وصل الاحترار إلى 2.7 درجة مئوية.

وعند مستوى احترار يبلغ 4 درجات مئوية، قد ينخفض العدد إلى نحو 20 نهرًا جليديًا فقط.

وهذا لا يعني أن جميع الأنهار الجليدية المتبقية ستظل بالحجم نفسه أو تتمتع بالخصائص الحالية، بل إن بقاء نهر جليدي على الخريطة لا يعني بالضرورة بقاء منظومته الجليدية الحالية دون تغير.

لماذا يمثل اختفاء الجليد أزمة تتجاوز الجبال؟

الأنهار الجليدية ليست مجرد مشاهد طبيعية أو وجهات سياحية.

فهي جزء من أنظمة مائية يعتمد عليها السكان في عدد من المناطق، وتؤثر في تدفقات الأنهار، وتدعم قطاعات اقتصادية مثل السياحة، كما ترتبط بتاريخ وثقافة المجتمعات التي نشأت بالقرب منها.

ولهذا فإن اختفاء نهر جليدي لا يعني فقط فقدان كتلة من الجليد، وإنما يمكن أن يغير المشهد الطبيعي والأنظمة المائية والأنشطة الاقتصادية والهوية المحلية في المناطق المحيطة به.

وتكتسب المسألة أهمية أكبر في المناطق التي تعتمد على ذوبان الجليد كمصدر للمياه خلال فترات معينة من العام.

الخريطة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة مطلقة

رغم قوة الأداة الجديدة، يؤكد الباحثون أن التقديرات ليست مواعيد دقيقة لا يمكن أن تتغير.

فكل نهر جليدي يتأثر بمجموعة من العوامل، بينها الحجم والارتفاع والشكل والظروف الجوية المحلية، إضافة إلى المسار الذي سيتخذه الاحترار العالمي خلال العقود المقبلة.

لذلك، فإن التاريخ الذي تعرضه الخريطة ينبغي فهمه باعتباره تقديرًا لنطاق زمني محتمل، وليس موعدًا نهائيًا محددًا مسبقًا.

لكن القيمة الأساسية للأداة تكمن في أنها توضح العلاقة بين القرارات المناخية الحالية والمستقبل المحتمل لمواقع جليدية محددة.

فكلما ارتفع مستوى الاحترار، تقلصت فرص بقاء عدد أكبر من الأنهار الجليدية.

اختفاء الأنهار الجليدية يحدث الآن

تكمن الرسالة الأهم للدراسة في أن اختفاء الأنهار الجليدية ليس مشكلة مؤجلة إلى نهاية القرن.

فبعض الأنهار الجليدية التي توقعت النماذج اختفاءها خلال السنوات المقبلة بدأت بالفعل في الاختفاء.

ويقول الباحثون إن هذه الحالات تجعل تغير المناخ أكثر واقعية؛ إذ لم يعد الأمر مجرد سيناريوهات مستقبلية بعيدة، وإنما عملية يمكن رصدها في الوقت الحالي.

وخلف كل نهر جليدي يختفي توجد منطقة وتاريخ ونظام بيئي ومجتمعات ستعيش مع غيابه.

وبينما لا تستطيع الخريطة تحديد المستقبل بدقة مطلقة، فإنها تقدم صورة واضحة عن أحد أهم جوانب أزمة المناخ: أن الفرق بين سيناريو وآخر لا يقاس فقط بدرجات الحرارة، وإنما بعدد الأنهار الجليدية التي يمكن أن تبقى على الأرض.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة