ملفات خاصةأخبارتغير المناخ

إزالة الكربون البحري تدخل مرحلة التجارب الميدانية.. لكن القياس والآثار البيئية يثيران القلق

هل يستطيع المحيط إنقاذ المناخ؟ تقرير علمي يكشف حدود إزالة ثاني أكسيد الكربون من البحار

تتقدم تقنيات إزالة ثاني أكسيد الكربون من المحيطات بوتيرة متسارعة، مع زيادة النشاط البحثي وتطور التقنيات ودخول القطاع الخاص إلى المجال، إلى جانب انتقال بعض الأفكار من المختبرات والنماذج النظرية إلى التجارب الميدانية.

لكن هذا التقدم لا يعني أن هذه التقنيات أصبحت جاهزة للاعتماد على نطاق واسع، إذ لا تزال هناك أسئلة علمية وبيئية وتنظيمية رئيسية حول قدرتها الفعلية على إزالة كميات مؤثرة من ثاني أكسيد الكربون، ومدى إمكانية قياس الكربون الذي جرى سحبه والتحقق منه بدقة، فضلًا عن آثارها المحتملة على النظم البيئية البحرية.

هذه الخلاصة يطرحها تقرير رقمي جديد للأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب في الولايات المتحدة، ضمن تحديث لعام 2026 يرصد حالة أبحاث إزالة ثاني أكسيد الكربون البحري، ويحدد ما أصبح أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة، وما يزال يمثل فجوات معرفية تحتاج إلى مزيد من البحث.

من تقرير 2022 إلى تحديث جديد

يأتي التقرير ضمن سلسلة مخطط لها، ويستند إلى تقرير سابق أصدرته الأكاديميات الوطنية عام 2022 بعنوان «استراتيجية بحثية لإزالة ثاني أكسيد الكربون وعزله اعتمادًا على المحيطات».

ويضم تحديث 2026 وحدة جديدة بعنوان «حالة إزالة ثاني أكسيد الكربون البحري 2026»، تستعرض التطورات الحديثة والاتجاهات الناشئة والفجوات المتبقية في المعرفة.

كما يتضمن التقرير تحديثًا للإطار التمهيدي والتقييمي، إلى جانب وحدات محدثة وموسعة تتناول الحوكمة والأبعاد الاجتماعية وتعزيز قلوية المحيطات، وهي إحدى أبرز تقنيات إزالة الكربون البحري التي تخضع للبحث والتجارب.

ومن المقرر تحديث التقرير بصورة دورية مع تقدم العلوم والأبحاث، بحيث يستجيب للاحتياجات والأولويات المتغيرة للمجتمع العلمي.

إزالة الكربون البحري

هل تستطيع المحيطات إزالة كميات مؤثرة من الكربون؟

تقوم فكرة إزالة ثاني أكسيد الكربون البحري، بصورة عامة، على استخدام عمليات أو تقنيات تزيد من قدرة المحيطات على امتصاص الكربون من الغلاف الجوي أو تخزينه لفترات طويلة.

وتشمل الأبحاث مجموعة من المسارات المختلفة، من بينها تعزيز قلوية المحيطات، الذي يهدف إلى تعديل كيمياء مياه البحر بطريقة يمكن أن تزيد قدرتها على امتصاص ثاني أكسيد الكربون وتخزينه في صورة مستقرة نسبيًا.

لكن التقرير يشدد على أن إثبات إمكانية تنفيذ هذه العمليات تقنيًا لا يكفي وحده لإثبات قدرتها على تقديم إزالة كربون ذات قيمة مناخية على نطاق واسع.

فحتى إذا أثبتت بعض التقنيات نجاحها في ظروف تجريبية، فإن تحويلها إلى أداة يمكن أن تساهم بصورة ملموسة في تحقيق أهداف المناخ يتطلب توسيع نطاقها بدرجة كبيرة، مع التأكد في الوقت نفسه من أن الكربون الذي يُقال إنه أزيل من الغلاف الجوي قد أزيل بالفعل وبصورة صافية ويمكن قياسه والتحقق منه.

معضلة القياس والتحقق

واحدة من أكبر القضايا التي لا تزال تواجه إزالة الكربون البحري هي معرفة كمية الكربون التي تمت إزالتها فعليًا.

فالمحيط نظام بيئي وكيميائي بالغ التعقيد، ويتبادل الكربون بصورة مستمرة مع الغلاف الجوي، كما تتحرك المياه والتيارات وتتغير الظروف الكيميائية والبيولوجية عبر المكان والزمان.

ولهذا فإن إثبات أن تقنية معينة أدت إلى إزالة صافية ودائمة لثاني أكسيد الكربون، وليس مجرد إعادة توزيع للكربون داخل النظام البحري، يمثل تحديًا علميًا رئيسيًا.

ويشير التقرير كذلك إلى أن فهم التأثيرات البيئية لا يزال غير مكتمل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالآثار طويلة الأمد وعلى مستوى النظم البيئية بأكملها.

إزالة الكربون البحري

البيئة البحرية ليست مجرد مخزن للكربون

لا تتوقف الأسئلة حول إزالة الكربون البحري عند كمية ثاني أكسيد الكربون التي يمكن التخلص منها.

فالمحيطات أنظمة بيئية مترابطة، وأي تدخل واسع النطاق في كيميائها أو عملياتها البيوجيوكيميائية قد تكون له تأثيرات تتجاوز الهدف الأساسي المتمثل في إزالة الكربون.

ولهذا تحتاج التقنيات المختلفة إلى دراسة آثارها المحتملة على الكائنات البحرية، ودورات العناصر الكيميائية، والموائل والنظم البيئية، إضافة إلى الآثار غير المقصودة التي قد تظهر عند الانتقال من التجارب المحدودة إلى عمليات واسعة النطاق.

ويؤكد التقرير أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم هذه التأثيرات، ولا سيما الآثار طويلة الأمد والتغيرات على مستوى النظام البيئي.

التقنية وحدها لا تحسم مستقبل إزالة الكربون

أحد الاستنتاجات الأساسية للتقرير أن جدوى إزالة ثاني أكسيد الكربون من المحيطات لا يمكن تحديدها بناءً على الأداء التقني وحده.

فمستقبل هذه التقنيات سيتأثر أيضًا بدرجة قبول الجمهور لها، والقرارات السياسية والتنظيمية، واعتبارات المجتمعات المحلية، فضلًا عن الخصائص البيئية والاجتماعية للمناطق التي ستجرى فيها الأبحاث أو عمليات التطبيق.

وهذا يعني أن نجاح تقنية ما في تجربة ميدانية لا يعني تلقائيًا إمكانية تطبيقها في محيطات أخرى أو على نطاق أكبر، إذ تختلف خصائص النظم البحرية والظروف البيئية والأنظمة التنظيمية من مكان إلى آخر.

الحوكمة ستصبح جزءًا أساسيًا من المعادلة

مع انتقال إزالة الكربون البحري من البحث الأساسي إلى التجارب الميدانية، تزداد الحاجة إلى وضع أطر واضحة للحوكمة والتنظيم.

ويرى التقرير أن التنظيم والحوكمة سيكونان مطلوبين على المستويات المحلية والوطنية والعالمية، وأن هذه الأطر يجب أن تتطور بالتوازي مع تطور المعرفة العلمية والتقنيات.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن المحيطات تتجاوز الحدود السياسية للدول، وبالتالي فإن تجربة أو مشروعًا في منطقة بحرية معينة قد تكون له آثار تمتد إلى مناطق أخرى أو إلى دول ومجتمعات مختلفة.

تجربة خليج مين تختبر تعزيز قلوية المحيطات

ومن بين المجالات التي يجري اختبارها ميدانيًا تعزيز قلوية المحيطات (OAE).

ويشارك العالم آدم سوبهاس، الباحث المشارك في قسم الكيمياء البحرية والجيوكيمياء في مؤسسة وودز هول لعلوم المحيطات، في اللجنة الدائمة المعنية بإزالة ثاني أكسيد الكربون البحري، كما ساهم في الفصول المحدثة من التقرير.

ويركز سوبهاس في أبحاثه على دورات الكربون والقلوية في المحيطات والعمليات البيوجيوكيميائية التي تحدد كيفية تبادل الكربون بين المحيط والغلاف الجوي.

كما يقود مشروع LOC-NESS، أو «تثبيت كربون المحيط في الجرف والمنحدر الشمالي الشرقي»، وهو مشروع متعدد التخصصات يدرس فعالية تعزيز قلوية المحيطات وتأثيراتها البيئية من خلال التجارب الميدانية ونمذجة المحيطات والدراسات المختبرية وبرامج الرصد.

وفي أغسطس 2025، أكمل الفريق تجربة ميدانية في خليج مين، قبل أن يعرض نتائجه الأولية في اجتماع علوم المحيطات في وقت لاحق.

إزالة الكربون ليست بديلًا عن خفض الانبعاثات

ولا يقدم التقرير إزالة الكربون البحري باعتبارها بديلًا عن خفض انبعاثات غازات الدفيئة من مصادرها.

بل يعيد التأكيد على أنه إذا ثبتت جدوى هذه التقنيات ومسؤوليتها بيئيًا، فإنها قد تمثل أداة مكملة لخفض الانبعاثات.

لكن لكي يكون لها تأثير ملموس في تحقيق الأهداف المناخية، سيكون من الضروري توسيع نطاقها بصورة كبيرة، مع حل مشكلات القياس والتحقق وفهم التأثيرات البيئية ووضع أنظمة الحوكمة المناسبة.

وبالتالي، فإن السؤال لم يعد فقط: هل يمكن إزالة ثاني أكسيد الكربون من المحيطات؟

بل أصبح أكثر تعقيدًا: كمية الكربون التي يمكن إزالتها فعليًا، وإلى أي مدى يمكن إثبات ذلك، وما تكلفة العملية، وما آثارها على المحيطات، ومن يقرر أين وكيف يمكن تنفيذها؟

علم سريع التطور وأسئلة لم تُحسم بعد

وقال آدم سوبهاس، إن المشهد العلمي لإزالة ثاني أكسيد الكربون البحري يتغير بسرعة، معتبرًا أن تحديث التقرير يوفر فرصة لتقييم ما جرى تعلمه منذ عام 2022، وما أصبح أكثر وضوحًا، وما لا يزال غير مؤكد، والمجالات التي تحتاج إلى أبحاث إضافية بصورة عاجلة.

ويعكس هذا التطور طبيعة مجال لا يزال في مرحلة البحث والتجربة، لكنه يتحرك بسرعة من الدراسات النظرية والمختبرية نحو التجارب في البيئة البحرية الحقيقية.

ومع تصاعد الحاجة العالمية إلى خفض تركيزات غازات الدفيئة، قد تصبح تقنيات إزالة الكربون جزءًا من النقاش المناخي خلال العقود المقبلة، لكن التقرير يوضح أن الانتقال من الوعد العلمي إلى أداة مناخية قابلة للتوسع يتطلب أدلة أقوى بكثير حول الكفاءة، والقياس، والاستدامة البيئية، والحوكمة.

وفي النهاية، فإن قدرة المحيطات على المساهمة في إزالة الكربون قد تكون واعدة، لكن حجم هذا الدور وحدوده ومسؤوليته البيئية لا تزال أسئلة مفتوحة أمام البحث العلمي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة