في دولة لا ترتفع معظم جزرها سوى أمتار قليلة فوق سطح البحر، لم يعد تغير المناخ بالنسبة إلى المالديف قضية بيئية بعيدة المدى، بل أصبح تحديًا مباشرًا لمستقبل الاقتصاد والسياحة والحياة على الجزر.
فمع وجود نحو 80% من أراضيها على ارتفاع يقل عن متر واحد فوق مستوى سطح البحر، تواجه الدولة مخاطر متزايدة من ارتفاع منسوب البحار، وتآكل الشواطئ، والفيضانات الساحلية، وتدهور النظم البيئية البحرية التي تشكل أساس جاذبيتها السياحية.
وتشير تقديرات حديثة إلى إمكانية ارتفاع مستوى سطح البحر بنحو 0.5 إلى 0.9 متر بحلول نهاية القرن، ما يجعل التكيف مع تغير المناخ أولوية تتجاوز حماية الشواطئ إلى إعادة التفكير في شكل التنمية نفسها.
وفي قلب هذا التحدي، تبرز تجربة مختلفة في قطاع السياحة الفاخرة: منتجع كودادو المالديفي الخاص، الذي يحاول الجمع بين الرفاهية والاستدامة في بيئة هي من بين الأكثر تعرضًا لتداعيات الاحترار العالمي.
فالمنتجع يعتمد بالكامل على الطاقة الشمسية، ويضع منظومة توليد الكهرباء النظيفة في قلب تصميمه بدلًا من إخفائها، في نموذج يسعى إلى تحويل الاستدامة من مجرد إجراء بيئي إلى جزء أساسي من تجربة السائح.
وتكشف تجربة كودادو عن معادلة أكثر تعقيدًا تواجهها صناعة السياحة في الجزر منخفضة الارتفاع: كيف يمكن بناء منتجعات فاخرة واستقطاب الزوار والاستثمار في قطاع يمثل شريانًا اقتصاديًا رئيسيًا، مع تقليل الضغط على البيئة التي تمنح هذه الوجهات قيمتها أصلًا؟
وفي المالديف، حيث يعتمد الاقتصاد بدرجة كبيرة على السياحة، يصبح الحفاظ على الشواطئ والشعاب المرجانية والمياه الصافية ليس فقط قضية بيئية، وإنما شرطًا لاستمرار النمو الاقتصادي نفسه.
من هنا، لم يعد مفهوم السياحة المستدامة مجرد اتجاه عالمي أو ميزة تسويقية للمنتجعات الفاخرة، بل يتحول تدريجيًا إلى أداة للتكيف مع واقع مناخي جديد، تختبر فيه المالديف حدود قدرة العمارة والطاقة النظيفة والتخطيط السياحي على حماية وجهة سياحية مهددة بتغيرات تحدث على مستوى البحر والمناخ العالمي.

تصميم يحافظ على الطبيعة
عندما وافق يوجي يامازاكي على تصميم منتجع كودادو، وجد أمامه ما يشبه “صفحة بيضاء” يمكنه أن يبني عليها مشروعه، لكنه لم يرغب في أن تطغى المباني على جمال الجزيرة.
وكان هدفه الأساسي هو إبراز الطبيعة الموجودة بالفعل، والحفاظ على الشاطئ الأبيض والمياه شديدة الصفاء، مع تقليل استهلاك الموارد الطبيعية قدر الإمكان.
ويقول يامازاكي، إن الفكرة الرئيسية للمشروع كانت كيفية إبراز الطبيعة الجميلة الموجودة بالفعل، بدلًا من بناء منشآت تجعل الزائر يركز على المباني أكثر من البيئة المحيطة.
ومن هنا أصبحت الاستدامة جزءًا من هوية المنتجع، وليس مجرد إضافة تجميلية إلى تصميمه.

الطاقة الشمسية في قلب المنتجع
كان توفير الطاقة النظيفة في مقدمة أولويات التصميم، ورغم أن استخدام الطاقة الشمسية أصبح أكثر انتشارًا في جزر المالديف، فإن يامازاكي لم يقتنع بفكرة إخفاء الألواح الشمسية خلف المباني، كما يحدث في عدد من الفنادق والمنتجعات، وكأنها عنصر غير مرغوب فيه بصريًا.
وبدلًا من ذلك، صمم فريقه الألواح الشمسية لتكون جزءًا من الشكل العام للمنتجع.
ويظل منتجع كودادو، وفقًا للمعلومات الواردة في التقرير، الجزيرة الخاصة الوحيدة في المالديف التي تعتمد بالكامل على الطاقة الشمسية لتوفير احتياجاتها من الكهرباء.
وصمم فريق يامازاكي مبنى عامًا كبيرًا يضم سطحًا مخصصًا للطاقة الشمسية، بما يوفر المساحة اللازمة لتوليد الكهرباء التي يحتاجها المنتجع بأكمله.
ولم يكن الهدف من وضع الألواح الشمسية في مكان بارز مجرد توفير الطاقة، بل أيضًا توعية الزوار بأهمية الطاقة النظيفة.
فعندما يصل السياح إلى المالديف عبر الطائرة المائية أو القارب، يكون سطح المبنى عادة من أول الأشياء التي يرونها من مسافة بعيدة.
لذلك، اختار المصممون عدم إخفاء الألواح الشمسية، بل جعلوها عنصرًا رئيسيًا في المشهد، بحيث يدرك الزائر منذ اللحظة الأولى أن الاستدامة جزء من التجربة.

الاستدامة تتحول إلى تجربة سياحية
يرى يامازاكي، أن السائح الذي يزور المالديف بحثًا عن الرفاهية والجمال الطبيعي يجب أن يغادر أيضًا وهو أكثر إدراكًا لمسؤوليته تجاه البيئة.
وبالنسبة إليه، فإن الاستدامة لا ينبغي أن تكون شيئًا يُخفى خلف المباني أو يُنظر إليه باعتباره تكلفة إضافية، بل يمكن أن تصبح عنصرًا جماليًا ووظيفيًا واضحًا في تصميم المنشأة.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في المالديف، حيث يعتمد اقتصاد البلاد بدرجة كبيرة على السياحة، بينما تواجه الجزر في الوقت نفسه مخاطر متزايدة بسبب تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر.

دولة تواجه خطر ارتفاع مستوى البحر
تعد المالديف واحدة من أكثر الدول انخفاضًا في العالم، وهو ما يجعلها شديدة الحساسية لارتفاع مستوى سطح البحر.
وقد حذرت تقارير ودراسات من المخاطر التي يمكن أن تواجهها الجزر المنخفضة مع استمرار ارتفاع حرارة الأرض وذوبان الجليد وارتفاع مستويات البحار.
فالجزر في بلاده تتعرض للغمر تدريجيًا، واستمرار هذا الاتجاه قد يهدد وجود المالديف نفسها خلال العقود المقبلة، ولا تقتصر المخاطر على ارتفاع مستوى سطح البحر، إذ تواجه الجزر أيضًا مشكلات مرتبطة بتآكل الشواطئ، وارتفاع درجات حرارة مياه البحر، وتدهور الشعاب المرجانية، والتغيرات في حركة الأسماك والحياة البحرية.

الهندسة المعمارية في مواجهة تغير المناخ
يرى يامازاكي، أن دور المعماري لا يقتصر على إنشاء المباني، وإنما يمكن أن يمتد إلى مساعدة الناس على فهم التغيرات التي تحدث في البيئة المحيطة بهم.
ولهذا السبب، لم يركز تصميم المنتجع على مستوى سطح البحر فقط، بل حاول أيضًا لفت الانتباه إلى ما يحدث تحت الماء.
ويشمل ذلك ارتفاع درجة حرارة البحر، وتأثر الشعاب المرجانية، والتغيرات التي تحدث في حركة الأسماك والكائنات البحرية.
ويعتقد المعماري أن إظهار هذه القضايا أمام الزوار يمكن أن يساعد في تحويل السياحة إلى وسيلة للتوعية بالمخاطر البيئية، بدلًا من أن تكون مجرد استهلاك للموارد الطبيعية.

حماية الشواطئ والبيئة البحرية
مع تزايد المخاوف المتعلقة بارتفاع مستوى سطح البحر، أصبحت حماية الشواطئ ومواجهة التآكل الساحلي جزءًا مهمًا من التخطيط للمنتجعات الجديدة في المالديف.
ويشير يامازاكي إلى ضرورة إجراء دراسات متخصصة حول التآكل وحماية الخطوط الساحلية قبل تنفيذ المشروعات الجديدة، خصوصًا في الجزر الصغيرة التي يمكن أن تتأثر بسرعة بالتغيرات في مستوى البحر وحركة الأمواج.
كما يرى، أن مستقبل السياحة في المالديف يجب ألا يعتمد فقط على بناء فنادق أكبر وحمامات سباحة أكثر فخامة، وإنما على الحفاظ على العناصر الطبيعية التي يأتي السياح أساسًا من أجلها.

السياح يبحثون عن الاستدامة
مع تزايد وعي المسافرين بالقضايا البيئية، أصبح الاعتماد على مصادر الطاقة الطبيعية والمتجددة عاملًا يمكن أن يؤثر في اختيارات السياح.
هذا التغير في سلوك المستهلكين يمكن أن يدفع المطورين والمستثمرين وأصحاب العلامات السياحية إلى إعادة التفكير في الطريقة التي يصممون بها المنتجعات.
فبدلًا من التركيز فقط على الفنادق ذات الخمس نجوم والمسابح والمطاعم الفاخرة، يمكن توجيه جزء أكبر من الاستثمارات نحو حماية البيئة والمجتمعات المحلية.
فبعض المستثمرين بدأوا بالفعل في إدراك أن أهم ما يجذب الزوار إلى المالديف ليس المباني وحدها، وإنما المياه والطقس والنسيم والمناظر الطبيعية.
ومن ثم، فإن الحفاظ على هذه العناصر قد يكون أكثر أهمية من إضافة المزيد من المنشآت الترفيهية التي تستهلك الموارد.

هل تصبح السياحة الفاخرة أكثر استدامة؟
تقدم تجربة كودادو نموذجًا لمحاولة الجمع بين السياحة الفاخرة والطاقة النظيفة والحفاظ على البيئة الطبيعية.
فالمنتجع يضم عددًا محدودًا من الفيلات، ويعتمد على الطاقة الشمسية، ويحاول دمج تقنيات الاستدامة في التصميم بدلًا من إخفائها.
لكن أهمية التجربة تتجاوز حدود منتجع واحد، إذ تعكس سؤالًا أكبر يواجه صناعة السياحة في الدول والجزر المعرضة لتغير المناخ: كيف يمكن الاستمرار في استقبال ملايين السياح وتطوير البنية التحتية السياحية، من دون زيادة الضغط على الموارد الطبيعية التي يعتمد عليها الاقتصاد المحلي؟
وفي حالة المالديف، تبدو الإجابة أكثر إلحاحًا، لأن البيئة التي تجعل البلاد وجهة سياحية عالمية هي نفسها البيئة الأكثر تعرضًا لمخاطر تغير المناخ.
ومن هنا، قد لا تكون الاستدامة مجرد خيار تسويقي بالنسبة إلى المالديف، بل تصبح شرطًا أساسيًا لبقاء القطاع السياحي نفسه.
وبين الفيلات الفاخرة والطاقة الشمسية والشواطئ البيضاء، تحاول تجربة كودادو إثبات أن الرفاهية والاستدامة يمكن أن تسيرا معًا، وأن مستقبل السياحة قد يعتمد على القدرة على حماية الطبيعة التي تمنح الوجهة قيمتها في المقام الأول.





