إنذار من باطن الأرض.. التربة الصقيعية تذوب في القطبين والجبال وتهدد بإطلاق الكربون
الكربون المحبوس تحت الجليد في خطر.. التربة الصقيعية تذوب عبر القارات
لآلاف السنين، ظلت الأرض المتجمدة تحت القطب الشمالي وأنتاركتيكا وأعلى المناطق الجبلية في العالم مستقرة، محتفظة بتربتها وصخورها ورواسبها في حالة تجمد مستمرة.
لكن هذا الاستقرار بدأ يتغير، فقد كشف باحثون راقبوا هذه المناطق لأكثر من عقدين أن ذوبان التربة الصقيعية لم يعد محصورًا في عدد قليل من النقاط التي تثير القلق، بل أصبح يحدث في مختلف المناطق التي تمكن العلماء من رصدها.
وقاد الدراسة باحثون في جامعة جورج واشنطن، واعتمدت على أكثر من 20 عامًا من الملاحظات الميدانية من 156 موقعًا للمراقبة موزعة بين القطب الشمالي وأنتاركتيكا والمناطق الجبلية المرتفعة.
وتُعد هذه الدراسة أول تقييم عالمي يجمع بيانات طويلة الأجل لرصد التربة الصقيعية على هذا النطاق، ونُشرت الدراسة في دورية Communications Earth & Environment.

كيف تبدأ التربة الصقيعية في الذوبان؟
التربة الصقيعية هي الأرض التي تتكون من التربة والصخور والرواسب، وتظل متماسكة بفعل الجليد الذي يبقى متجمدًا لمدة عامين على الأقل.
وتغطي هذه التربة نحو 15% من مساحة اليابسة في نصف الكرة الشمالي، كما توجد تحت معظم الأراضي الخالية من الجليد في أنتاركتيكا.
وفوق التربة الصقيعية توجد طبقة نشطة رقيقة تذوب خلال الصيف ثم تعود إلى التجمد في الشتاء.
وعندما تبدأ هذه الطبقة في زيادة سمكها عامًا بعد عام، فإن ذلك يمثل إشارة إلى أن التربة الصقيعية الموجودة أسفلها بدأت هي الأخرى في الذوبان.
وهذا بالضبط ما تكشفه البيانات الجديدة، وعلى نطاق فاجأ حتى الباحثين أنفسهم.
القارات متباعدة.. لكن النتيجة واحدة
تكشف الأرقام اتجاهًا واضحًا، فقد زاد سمك الطبقة النشطة بصورة ملحوظة في 55% من مواقع الرصد في القطب الشمالي و38% من المواقع في أنتاركتيكا.
أما المناطق الجبلية فقد أظهرت تغيرًا أكثر وضوحًا؛ إذ سجل أكثر من 90% من مواقع الرصد في أوروبا وآسيا المرتفعة زيادة قابلة للقياس في سمك الطبقة النشطة.
وسجلت مواقع في مختلف أنحاء أمريكا الجنوبية الاتجاه نفسه، وفي الواقع، كانت المناطق الجبلية من بين الأسرع تغيرًا على الإطلاق.
وفي عدد من المواقع الواقعة على ارتفاعات شاهقة، تضاعف سمك الطبقة النشطة، ما يضع هذه المناطق الجبلية ضمن البيئات الأسرع تغيرًا على كوكب الأرض.
وقال دميتري ستريليتسكي، المؤلف الرئيسي للدراسة وأستاذ الجغرافيا والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن، إن التربة الصقيعية تعد أحد أهم مؤشرات تغير المناخ على الأرض، لأنها تستجيب مباشرة لارتفاع درجات الحرارة.
وأوضح أن أهمية الدراسة تكمن في أنها لم تعد تركز على مناطق محدودة تمثل نقاطًا ساخنة منفصلة، وإنما تكشف نمطًا يمتد عبر القارات والمناطق المناخية المختلفة، بما يشير إلى أن تدهور التربة الصقيعية عالميًا أصبح جاريًا بالفعل.

الحرارة والأمطار تعملان معًا
يُعد ارتفاع درجات الحرارة المحرك الرئيسي لهذه التغيرات، وأظهر التحليل الإحصائي أن الاحترار كان العامل المهيمن وراء زيادة سمك الطبقة النشطة في مختلف أنحاء القطب الشمالي.
لكن ارتفاع درجات الحرارة لم يكن العامل الوحيد، فقد تبين أيضًا أن زيادة هطول الأمطار في أجزاء واسعة من المنطقة تمثل عاملًا مهمًا في تسريع التغيرات.
فالهواء الدافئ يؤدي إلى إذابة الجليد من الأعلى، بينما تعمل مياه الأمطار بطريقة أكثر تعقيدًا، إذ تحمل الحرارة إلى داخل الأرض وتساعد على إذابة الجليد من الداخل.
ويبدو أن العاملين يعملان معًا في مساحات واسعة من المناطق التي درسها الباحثون.
الكربون المحبوس تحت الأرض
هناك جانب آخر أقل وضوحًا لهذه الظاهرة، لكنه شديد الأهمية للمناخ، فالأمتار الثلاثة العليا من التربة الصقيعية تحتوي على نحو 70% من إجمالي الكربون العضوي المحبوس في تربة التربة الصقيعية حول العالم.
وعندما تذوب الأرض المتجمدة، تستطيع الكائنات الحية الدقيقة تحليل المواد العضوية الموجودة فيها، ما يؤدي إلى إطلاق جزء من الكربون إلى الغلاف الجوي في صورة ثاني أكسيد الكربون والميثان.
وكلاهما من غازات الاحتباس الحراري القوية التي تسهم في زيادة ارتفاع درجات الحرارة.
وهنا تظهر حلقة مفرغة خطيرة:
ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى ذوبان التربة الصقيعية، وذوبانها يطلق الكربون، بينما يسهم الكربون المنبعث في مزيد من الاحترار.
وبالمقارنة مع الأنهار الجليدية التي تنهار كتلها الجليدية في البحار، أو الصفائح الجليدية التي تفقد كتلتها، فإن التربة الصقيعية نادرًا ما تحظى بالاهتمام نفسه.
لكن حجم الكربون المهدد بالتحرر يجعلها عنصرًا رئيسيًا في معادلة تغير المناخ.
ذوبان التربة يهدد البنية التحتية

لا تظل آثار ذوبان التربة الصقيعية محصورة في عينات التربة والنماذج المناخية.
فالمجتمعات المقامة فوق الأراضي المتجمدة بدأت بالفعل في مواجهة تداعيات هذه الظاهرة.
وتتعرض الطرق للانحناء والتشقق، وتتحرك خطوط الأنابيب، بينما تهبط بعض المباني بصورة غير متساوية.
ويؤدي ذوبان التربة الصقيعية بصورة تدريجية إلى إضعاف البنية التحتية التي تعتمد عليها مجتمعات كاملة في المناطق الباردة، فيما تتحمل المجتمعات المحلية الجزء الأكبر من التكلفة.
ولا يمثل ذلك خطرًا بعيدًا في المستقبل.
فقد قدر ستريليتسكي وزملاؤه في دراسة سابقة أن تدهور الأراضي المتجمدة يمكن أن يجعل ما يصل إلى 50% من البنية التحتية في القطب الشمالي معرضة بدرجة عالية لخطر الأضرار بحلول عام 2050.
مناطق تحتاج إلى مزيد من الرصد
يمتلك القطب الشمالي أكبر سجل للرصد طويل الأجل بين جميع المناطق التي شملتها الدراسة.
ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى برنامج رصد الطبقة النشطة حول القطب الشمالي، وهو شبكة أنشئت في تسعينيات القرن الماضي لمتابعة هذا النوع من التغيرات على المدى الطويل.
أما أنتاركتيكا وسلاسل الجبال حول العالم، فلم تحظَ بالمستوى نفسه من الاهتمام والرصد.
ويرى الباحثون أن سد هذه الفجوة أصبح أمرًا ضروريًا.
فزيادة عمليات الرصد في تلك المناطق يمكن أن تساعد العلماء على فهم أسباب اختلاف معدلات الذوبان من مكان إلى آخر، وما يمكن أن تعنيه هذه الاختلافات بالنسبة إلى مستقبل المناخ.
وتؤكد النتائج أن ذوبان التربة الصقيعية لم يعد مجرد ظاهرة محلية مرتبطة ببعض المناطق القطبية، بل أصبح مؤشرًا عالميًا على استمرار تغير المناخ وتأثير ارتفاع درجات الحرارة في الأنظمة البيئية والبنية التحتية ودورة الكربون على كوكب الأرض.





