د.رفعت جبر: من الفيل إلى غطرسة الخوارزمية ومن أبرهة إلى ترامب.. حين تتحدى سنن التاريخ نرجسية القوة
أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة
-
أبابيل الوعي: صراع السنن الكونية مع غطرسة القوة في التاريخ والسياسة
تتجلى في فلسفة التاريخ حقيقة أزلية تصدم القوى الغاشمة دائمًا، وهي أن موازين القوى المادية، مهما بلغت من الضخامة، لا تملك الكلمة الأخيرة في حسم صراعات الوجود. تبدأ القصة من جذورها الاستعمارية في “مؤتمر كامبل بنرمان” الذي امتد بين عامي (1905–1907)، حيث وُضعت استراتيجية لزرع “جسم غريب” في قلب الشرق الأوسط لضمان تفتيته ومنع وحدته.
وهي البذرة التي أثمرت جغرافيًا في “اتفاقية سايكس بيكو” عام 1916، ثم تبلورت لاحقًا في “مخطط برنارد لويس”، الذي تبناه الكونغرس الأمريكي عام 1983 لإعادة تقسيم المنطقة وتفتيت دول الشرق الأوسط إلى كيانات أصغر.
في هذا السياق، يبرز “أبرهة الحبشي” و”دونالد ترامب” بوصفهما نموذجين لـ”نرجسية القوة”. فقد حشد أبرهة “الفيل” لهدم المركز الروحي للعرب وتوجيه حركة الاقتصاد لصالحه، بينما استخدم ترامب “العقوبات” و”الصفقات” أدواتٍ لتثبيت ذلك الجسم الغريب في المنطقة، متجاهلين أن التاريخ لا يُصنع بالمال وحده.
إن التماثل بين الرجلين يتجاوز الغايات ليصل إلى ما يمكن وصفه بـ”الاستعلاء التقني”، الذي يظن أن المادة قادرة على سحق الهوية. غير أن الرواية التاريخية تُظهر أن هذا الغرور يصطدم دائمًا بحواجز غير مرئية. فكما انتهى طموح أبرهة عند أعتاب مكة، يواجه النهج “الترامبي” اليوم نقاط ضعف هيكلية تنذر بانتهاء عصر القطب الواحد.
أبابيل العصر الحديث
إن التآكل الداخلي في الولايات المتحدة، وصعود قوى دولية جديدة، يمثلان ما يمكن تسميته بـ”أبابيل العصر الحديث”، التي بدأت في خلخلة أركان الهيمنة التقليدية.
وهذا التحول ليس مجرد تغيير في موازين القوى، بل هو تشكل لخريطة بديلة تنبثق من رحم فشل المشاريع الغربية، حيث بدأت دول المنطقة تبحث عن تحالفات جديدة تكسر طوق التبعية، وتعيد النظر في العلاقة مع ذلك “الجسم الغريب” الذي لم يعد قادرًا على حماية نفسه، فضلًا عن حماية مصالح داعميه.
السيادة الرقمية
ومع دخول العالم أعتاب عام 2026، انتقل الصراع إلى فضاءات جديدة عنوانها “السيادة الرقمية”. فقد اعتقدت القوى المهيمنة أن امتلاك زمام “الذكاء الاصطناعي” سيكون بمثابة “فيل القرن الحادي والعشرين” القادر على توجيه العقول وإخضاع الإرادات.
غير أن المفارقة التاريخية تجلت في أن هذه التكنولوجيا نفسها تحولت إلى سلاح ذي حدين؛ إذ ظهرت ما يمكن تسميته بـ”أبابيل رقمية” كسرت احتكار المعلومات، وكشفت زيف كثير من السرديات والصفقات خلال ثوانٍ معدودة.
غطرسة الخوارزمية
لقد سعت “غطرسة الخوارزمية” إلى احتكار الحقيقة وتوجيه الوعي، لكن هذا المسعى اصطدم بقدرة الإنسان على الابتكار وتطوير بدائل تقنية وطنية تقلل من التبعية.
وهنا يتجدد الدرس القديم: أن الروح الإنسانية هي التي تمنح المعنى للمادة، وليس العكس.
وفي ذروة هذا الصدام، تأتي أحداث الحاضر لتعيد رسم المشهد بواقعية قاسية؛ فلم تعد “الصفقة” مجرد حبر على ورق، بل اصطدمت بصخرة الهوية التي رفضت الانكسار.
كما أن محاولة مقايضة الحقوق بالمصالح المادية واجهت هذه المرة وعيًا جمعيًا متسلحًا بأدوات العصر.
وقد أوجد ذلك حالة من “الرفض الأخلاقي” لم تكن في حسبان المخططين. فمع تراجع فعالية الردع التقليدي، بدا واضحًا أن التكنولوجيا العسكرية المتقدمة تقف عاجزة أمام إرادة إنسان قرر أن التاريخ يُكتب بالتضحية لا بالتفويض.
وهكذا، فإن “الفيل الحديث”، مهما بلغت قوته الرقمية والتقنية، بات يتعثر في رمال منطقة لا تقبل القسمة على الغرباء.
الخاتمة: قانون “اللفظ” الكوني
في نهاية المطاف، يبقى أي مشروع يسعى إلى تفتيت المنطقة، سواء كان “فيلاً” قديمًا، أو “صفقة” حديثة، أو “خوارزمية” متعالية، كيانًا ترفضه الجغرافيا وتلفظه الروح الجماعية للشعوب.
فالعبرة ليست في ضخامة الترسانة أو تعقيد الشفرة، بل في القانون التاريخي الذي يقول إن الإمبراطوريات تبدأ في السقوط حين تظن أنها أقوى من سنن التاريخ.
وإذا كانت حجارة “السجيل” قد حسمت معركة مكة قديمًا، فإن وعي الشعوب وقدرتها على امتلاك أدوات عصرها هما اللذان يعيدان تشكيل المعادلة اليوم، لتؤكد خاتمة الرواية أن السيادة تظل دائمًا لثوابت الأرض والسماء.





