وجهات نظر

د. هبة محمد إمام: بين القناعة ووهم الكمال

استشاري وخبير بيئي

من أكثر اضطرابات هذا العصر خفاءً واتساعًا ذلك الاضطراب الذي يسكن القلوب، ويجعل الإنسان عاجزًا عن الرضا بما بين يديه، لا لأن ما عنده سيئ بالضرورة، بل لأنه ابتُلي بعينٍ لا ترى الحاضر إلا ناقصًا، ولا ترى الغائب إلا كاملًا.

وهكذا يعيش بعضُنا في مطاردةٍ لا تنتهي: فرصةٍ أفضل، وعلاقةٍ أكمل، وشريكٍ أفضل، وحياةٍ أكثر إبهارًا. وإذا نال شيئًا، لم يهنأ به؛ لأن خياله يكون قد سبقه إلى شيءٍ آخر.

وهذه ليست مجرد حالة عابرة، بل خللٌ في نظر الإنسان إلى النعمة، واختلالٌ في صلته بمعاني الرضا والقناعة والتوكل على الله. فالعقيدة الدينية لا تُبنى على قلبٍ تائهٍ بين الاحتمالات، بل تُبنى على قلبٍ يعرف كيف يطلب، وكيف يختار، وكيف يرضى.
وكثير منا لا تضيع منهم الأشياء لأنهم حُرموا منها، بل لأنهم لم يعرفوا قيمتها وهي بين أيديهم.

ينظر أحدهم إلى نعمة حاضرة بعين غير مهتمة ، ويظل يطارد احتمالًا بعيدًا يتخيّل فيه تمام السعادة. فإذا فقد ما كان عنده، التفت إليه بعد فوات الأوان، ورآه فجأة جميلًا كما لم يره من قبل. وهنا يقع الندم: لا لأنه لم يجد الخير، بل لأنه لم يعرفه حين حضر.

والحقيقة التي ينبغي أن تستقر في القلب: أن الدنيا ليست دار كمال. لا علاقة تخلو من نقص، ولا إنسان يخلو من عيب، ولا واقع يأتي مطابقًا تمامًا لما ترغبة النفس. ومن دخل الحياة وهو يبحث عن الصورة المثالية التي رسمها خياله، خرج منها متعبًا.

لأن النفس إذا لم تُهذَّب بالإيمان، استصغرت الموجود، وعظّمت المفقود، وفتحت على صاحبها أبواب عدم الراضى .

لهذا فرق كبير بين من يترك شيئًا لأنه لا يصلح له حقًا، وبين من يتركه لأنه وقع أسير وهم أن الأجمل في مكان آخر. الأول صاحب بصيرة، والثاني أسير مقارنة. الأول يبحث عما ينفعه، والثاني يجرى وراء ما يوافق خياله.

كم من شخص قابل إنسانًا صالحًا، واضحًا، حسن الخلق، فيه مقومات السكينة والاستقرار، ثم زهد فيه لا لخلل حقيقي، بل لأنه كان ينتظر صورة أكثر بريقًا ولمعانًا. ثم تمضي الأيام، ويكتشف متأخرًا أن ما أعرض عنه كان أصلح مما كان يطارده.

العقيدة الأسلامية في هذا الباب واضحة ومتوازنة ؛ لا يجعل الاختيار قائمًا على انبهار عابر، ولا على شروط معقدة تربك القلب وتؤخر الحسم، بل يردّ الإنسان إلى الأصول: الدين، والخلق، والأمان، والمودة، والرحمة. وهذه المعايير ليست بسيطة كما يظن البعض، بل هي الأثبت والأبقى، لأنها تمس جوهر الحياة لا ظاهرها.

وقد زادت وسائل التواصل هذه المشكلة عمقًا؛ لأن الإنسان لم يعد يعيش حياته فقط، بل صار يعيش في مقارنة دائمة مع صور الآخرين. يرى اللقطة اللامعة من حياة غيره، ولا يرى تعبها ولا نقصها ولا حقيقتها الكاملة. فينشأ في داخله سخط خفيّ، ويضعف إحساسه بنعمته، حتى يصبح غريبًا عنها، ولا يعرف قدرها إلا إذا فقدها.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى الرضا بمعناه الإيماني العميق. فالرضا ليس قتلًا للطموح، بل سكينة في القلب.

وليس ضد حسن الاختيار، بل هو ثمرة الاختيار إذا وقع على بصيرة. فالإنسان مأمور أن يسعى، ويسأل، ويستخير، ويستشير، ويتثبت، لكنه ليس مأمورًا أن يبقى معلّقًا في دوامة الاحتمالات إلى ما لا نهاية. لأن التردد الدائم ليس دائمًا علامة وعي، بل قد يكون خوفًا، أو عجزًا، أو طمعاً نفسيًا لا يريد أن يتحمل مسؤولية القرار.

ومن أجمل ما يعلّمه الإسلام للإنسان أنه يحرره من أسر “ماذا لو؟”.

يأخذ بالأسباب، ثم يسلّم النتائج لله. يعرف أن الخير ليس دائمًا فيما يلمع أولًا، وأن ما اختاره الله هو الأفضل وأبقى. ومن هنا كانت الاستخارة بابًا عظيمًا من أبواب الطمأنينة؛ فهي تذكير صادق بأنك لا تعلم، والله يعلم، وأنك ترى ظاهر الأمر، والله يعلم عاقبته.

ومشكلتنا اليوم أننا لم نعد نعرف معنى “الأفضل” كما ينبغي. فصار الأفضل عند كثيرين هو الأندر، أو الأجمل شكلًا، أو الأكثر إبهارًا، أو الأعلى تصفيقًا عند المجتمع . بينما الأفضل في ميزان الإيمان قد يكون ما يمنحك الطمأنينة، ويحفظ عقيدتك ، ويبارك أيامك، وإن لم يكن مدهشًا في أعين الآخرين.

نعم، ينبغي أن نحذر من التسرع، ومن تزيين أي واقع ناقص باسم القناعة. لكن ينبغي أيضًا أن نحذر من وهم العصر الذي يعلّم الإنسان أن يؤجل الرضا حتى يجد النسخة الكاملة . وبين الاستسلام المؤذي والطموح الزائف .

فكم من خسارة لم تكن بسبب قلة الخير، بل بسبب سوء تقديره. وكم من نعمة ضاعت لا لأنها كانت قليلة، بل لأن صاحبها لم يعرف قدرها. ولهذا فإن تربية النفس على القناعة ليست رفاهية، بل حماية من الندم. لأن الإنسان أحيانًا لا يبكي حين يفقد الشيء، بل حين يدرك متأخرًا أنه كان نعمة ولم يحسن حفظها.

في النهاية، ليس كل ما نفقده كان يستحق أن يبقى، لكن بعض ما خسرناه لم يرحل لأنه بلا قيمة، بل لأننا لم نُحسن تقديره. وهنا تبدأ المراجعة الصادقة: أن نتعلم كيف نطلب بوعي، ونختار ببصيرة؛ حتى لا نستيقظ يومًا على فراغ صنعته أيدينا ونحن نطارد السراب.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading