وجهات نظر

د.رفعت جبر: مصر والقرن الأفريقي.. معادلة القوة بين الدبلوماسية والردع

عضو المجلس الأعلى للثقافة- رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة

يشهد إقليم القرن الأفريقي وحوض النيل تحولات جيوسياسية متسارعة، حيث تقف المنطقة شاهدًا على تداخل التاريخ بالجغرافيا، وعلى صراع النفوذ الذي يتصاعد مع تعقيدات المشهد الإقليمي.

فقد شكّلت بلاد الحبشة (إثيوبيا) عبر التاريخ عمقًا استراتيجيًا حاضرًا في الوجدان المصري والإسلامي؛ إذ كانت في الماضي ملاذًا آمنًا للمسلمين الأوائل خلال “هجرة الحبشة الأولى” تحت رعاية النجاشي، بينما أصبحت في العصر الحديث مصدرًا للقلق الجيوسياسي المرتبط بملف مياه النيل.

في هذا السياق، تعيد مصر صياغة سياستها الخارجية وفق رؤية تقوم على “بناء الذات من خلال بناء أفريقيا”، معتمدةً على مزيج من الصبر الاستراتيجي والحكمة الدبلوماسية في إدارة ملف سد النهضة، باعتباره نموذجًا لإدارة الأزمات المعقدة. غير أن هذا النهج لا يعني الانكفاء،

بل يتوازى مع تحركات عسكرية وتنموية مدروسة داخل العمق الأفريقي، لحماية المصالح المشتركة وتعزيز الاستقرار الإقليمي، انطلاقًا من مبدأ راسخ مفاده أن الدول المشاطئة للبحر الأحمر هي صاحبة الحقوق الأصيلة في إدارته.

باب المندب في قلب الصراع.. كيف تدير القاهرة توازنات النفوذ؟

وفي إطار صراع النفوذ عند مدخل باب المندب، تؤكد التحركات المصرية أن موازين القوة تُبنى على الوقائع لا التصريحات.

فبعد إعلان إقليم “أرض الصومال” دراسة منح إثيوبيا منفذًا بحريًا، سارعت القاهرة إلى توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع الحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو، تلاها تنسيق استراتيجي مع إريتريا، تُوّج بزيارة الرئيس أسياس أفورقي للقاهرة، بما أسهم في تشكيل محور تعاون ثلاثي يعزز مفهوم سيادة الدول ويحمي توازنات المنطقة.

وشملت هذه الشراكة أبعادًا متعددة، من بينها تعزيز التواجد العسكري، ودعم قدرات الجيوش الوطنية، إلى جانب التعاون في إدارة وتطوير الموانئ الاستراتيجية، مثل مينائي عصب ومصوع، فضلًا عن تنفيذ مشروعات بنية تحتية تربط الإقليم وتعزز التكامل الاقتصادي، بما في ذلك شبكات الطرق والطاقة والربط الكهربائي.

صراع الموانئ والممرات: لماذا يتحول القرن الأفريقي إلى بؤرة توتر عالمي؟

في المقابل، تسعى إثيوبيا إلى توسيع دورها الإقليمي عبر البحث عن منفذ بحري، وهو ما يثير مخاوف من تداعيات عسكرية محتملة.

كما تتبادل الأطراف اتهامات إعلامية تعكس حدة التوتر، إلا أن القاهرة تواصل تبني نهج متزن يقوم على تجنب التصعيد المباشر، مع الاحتفاظ بكافة أدوات حماية الأمن القومي.

وتبرز أهمية هذه التحركات في ظل ارتباط أمن البحر الأحمر وباب المندب بأمن الملاحة في قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية. ومن ثم، فإن أي اضطراب في هذه المنطقة قد ينعكس على الاقتصادين الإقليمي والدولي.

وفي هذا الإطار، توجه مصر رسالة واضحة مفادها أن أمنها القومي يمتد جغرافيًا إلى منابع النيل ومضائق البحر الأحمر، وأن الحفاظ على استقرار هذه المناطق يتطلب التزامًا بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، بعيدًا عن السياسات الأحادية.

ختامًا، تؤكد القاهرة عبر هذا النهج أنها تسعى إلى تحقيق الاستقرار والتنمية في أفريقيا، مع الحفاظ على جاهزيتها للتعامل مع أي تهديدات محتملة، في معادلة دقيقة توازن بين الدبلوماسية والقوة، وتستهدف حماية المصالح المشتركة وتعزيز الأمن الإقليمي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading