د.رفعت جبر: معادلة كيسنجر والواقعية المصرية.. كيف توازن القاهرة بين واشنطن واستقلال القرار؟
عضو المجلس الأعلى للثقافة- رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة
تظل مقولة ثعلب الدبلوماسية الأمريكية ومهندس سياستها الخارجية لعقود، هنري كيسنجر: “أن تكون عدوًا للولايات المتحدة شيء قاتل، لكن أن تكون صديقًا لها فهو شيء خطير”، واحدة من أشهر وأعمق الأدبيات السياسية التي تختصر، بكثافة شديدة، النظرة البراغماتية الصارمة (الواقعية السياسية – Realpolitik) التي تتبناها واشنطن في إدارة علاقاتها الدولية.
وإذا فككنا هذه المقولة من منظور التحليل الاستراتيجي، نجد أن شقها الأول المتعلق بـ”العداء القاتل” يمثل قوة الردع الخشنة والناعمة للولايات المتحدة؛ حيث واجهت الأنظمة التي ناصبتها العداء إما تدخلات عسكرية مباشرة أو غير مباشرة، أو حصارًا اقتصاديًا خانقًا عبر سلاح الدولار والعقوبات، ما أدى إلى إنهاكها بنيويًا.
أما الشق الثاني، وهو الأكثر عمقًا، فيؤكد أن “الصداقة” مع القطب الأكبر تعني في كثير من الأحيان تقليص هامش المناورة؛ فالمصلحة الأمريكية تظل فوق المبادئ، والتاريخ يعج بقادة ورؤساء رُفعت عنهم المظلة الأمريكية فجأة، وتركوا لمصيرهم فور انتهاء أدوارهم.
ولم يكن كيسنجر يذم الولايات المتحدة بمقولته، بل كان يصف واقع القوة الهيكلية للعواصم الكبرى، التي لا تترك مجالًا واسعًا للأخلاق أو للتحالفات الأبدية. ومن رحم هذه المعادلة الصارمة، يمكن قراءة أبعاد السياسة الخارجية والعسكرية المصرية الحالية، وفهم ما يُثار حولها في الفضاء الرقمي من تحليلات تحتاج إلى تدقيق علمي.
الثوابت الهيكلية للعقيدة العسكرية والسياسية في مصر
في ظل عالم تحكمه كتل المصالح، تبرز عقيدة الدولة المصرية القائمة على استقلال القرار الوطني ورفض الإملاءات. وتاريخيًا وحاليًا، تقوم العقيدة العسكرية للجيش المصري على حماية الأمن القومي والحدود والمصالح الاستراتيجية المباشرة، مع تجنب الانخراط في مغامرات عسكرية خارجية أو العمل كأداة لخدمة أجندات قوى كبرى.
ويعكس هذا التوجه الخطاب الرسمي والممارسة العملية؛ إذ يتحرك الجيش المصري وفق اعتبارات السيادة والمصلحة العليا، وهو ما يظهر في إدارة الأزمات الإقليمية المحيطة، سواء في غزة أو السودان أو ليبيا، مع تركيز خاص على تأمين الحدود الغربية باعتبارها عمقًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه.
تفكيك الطرح الرقمي: بين الواقع والخيال السياسي
في مقابل هذا الاتزان، تنتشر على منصات التواصل تحليلات تخلط بين الحقائق والتصورات غير الدقيقة، ما يستدعي التمييز بين مسارين رئيسيين:
- رفض الانخراط في التحالفات العسكرية الإقليمية الموجهة:
رغم وجود اتفاقية سلام تاريخية مثل اتفاقية كامب ديفيد، فإن القاهرة ترفض الانضمام إلى أي ترتيبات عسكرية تستهدف إنشاء “ناتو شرق أوسطي”، قد يُوظف ضد أطراف إقليمية أخرى أو يتجاهل الحقوق الفلسطينية. - حقيقة “حلف محمد”:
المصطلح المتداول إعلاميًا حول “حلف محمد” الذي يُفترض أنه يضم مصر وتركيا وباكستان والسعودية، لا يستند إلى أي أساس رسمي، بل هو توصيف إعلامي عاطفي. صحيح أن هذه الدول تجمعها علاقات تعاون وتنسيق في مجالات متعددة، بما في ذلك المناورات العسكرية والتعاون الاقتصادي، إلا أن تحويل هذا التنسيق إلى حلف عسكري مغلق يظل أمرًا غير واقعي، نظرًا لاختلاف أولوياتها الاستراتيجية وارتباطاتها الدولية، مثل عضوية تركيا في حلف الناتو.
اللقاءات العسكرية بالقاهرة: قراءة واقعية
في هذا الإطار، لا يمكن تفسير الزيارات العسكرية المتبادلة أو الاجتماعات الدفاعية في القاهرة على أنها تحركات لتأسيس تحالفات بديلة للنظام الدولي القائم.
بل تندرج هذه اللقاءات ضمن الأطر الطبيعية للتعاون العسكري، مثل تبادل الخبرات، وتطوير القدرات، وإجراء التدريبات المشتركة.
إن تصوير هذه اللقاءات كـ”تحالفات سرية” أو “غرف عمليات بديلة” يعكس قراءة مبالغًا فيها، تتجاهل طبيعة العمل الدبلوماسي والعسكري الذي يُدار وفق حسابات دقيقة، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي.
خلاصة القول
تُظهر التجربة أن مصر تدير علاقاتها الدولية وفق فهم عميق لمعادلة كيسنجر؛ فهي تدرك أن العداء مع القوى الكبرى مكلف، لكن الاعتماد الكامل على صداقتها ينطوي على مخاطر استراتيجية. لذلك، تتبنى القاهرة نهجًا متوازنًا يجمع بين الانفتاح على الشراكات الدولية والحفاظ على استقلال القرار الوطني.
وفي عالم يتسم بتقلب التحالفات، تظل الواقعية السياسية هي الأداة الأهم لحماية المصالح، بعيدًا عن الشعارات أو التصورات غير الدقيقة، في إطار استراتيجية تسعى إلى تحقيق الاستقرار وتعزيز الدور الإقليمي دون الانزلاق إلى صراعات غير محسوبة.





