وجهات نظر

د.محمد الصوفي: سباق «الذهب الأخضر».. كيف تعيد الطاقة المتجددة تشكيل خريطة الاستثمار العالمية؟

خبير ومدرب دولي في البصمة الكربونية والتنمية المستدامة- عضو الاتحاد الدولي لمديري المرافق

لم تعد الطاقة المتجددة خياراً بيئياً فحسب ، في عام 2026 تحولت إلى أداة جيو- سياسية، ومحرك نمو اقتصادي، وواحدة من أكبر وجهات رؤوس الأموال في العالم.

مع بلوغ الإنفاق العالمي على الطاقة 2.2 تريليون دولار، توجه نحو ثلثيه إلى مصادر الطاقة النظيفة والشبكات وتقنيات الكهربة. ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى ثلاثة عوامل متداخلة متمثلة في الانفجار في الطلب على الكهرباء، وهشاشة سلاسل إمداد الوقود الأحفوري، وانخفاض الكلفة التشغيلية للتقنيات النظيفة.

المحركات الثلاثة وراء تدفق الاستثمارات

أولاً: الطلب المتسارع على الكهرباء:

سجل الطلب العالمي على الكهرباء نمواً سنوياً بنسبة 2%، مقابل 0.5% فقط خلال العقد الماضي ويعود هذا القفز إلى التوسع الكبير في مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وأدى ذلك إلى أن تستحوذ شركات التقنية على 43% من إجمالي عقود شراء الطاقة المتجددة الموقعة من قبل الشركات في عام 2025، وفقاً لتقارير السوق. الهدف لم يعد “الاستدامة” فقط، بل تأمين إمدادات كهرباء مستقرة وبأسعار يمكن التنبؤ بها.

ثانياً: أمن الطاقة وإعادة رسم سلاسل الإمداد: 

تسببت التوترات في مضيق هرمز وارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا إلى ما يزيد عن 50 يورو للميجاوات/ساعة في دفع الحكومات والشركات إلى تنويع مصادرها.

وفي هذا السياق، أعلن الرئيس التنفيذي لمجموعة Eni الإيطالية أن قطاع النفط والغاز يتجه لتكثيف استثماراته في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، في ظل تزايد المخاطر المرتبطة بالشرق الأوسط وروسيا. وأصبحت الطاقة المتجددة جزءاً أساسياً من استراتيجيات تخفيف المخاطر.

ثالثاً: الجدوى الاقتصادية والتكنولوجية: 

انخفضت تكلفة توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح إلى مستويات غير مسبوقة. كما أظهرت المشاريع المدمجة “الطاقة المتجددة + التخزين” عوائد أعلى بنسبة 20% مقارنة بمحطات التوليد المنفردة.

حتى تقنيات الاندماج النووي جذبت استثمارات قياسية بلغت 4.48 مليار دولار خلال العام الماضي، بدعم من توقعات ببدء التشغيل التجاري في أوائل الثلاثينيات.

خريطة الاستثمار العالمية: أين تتركز رؤوس الأموال؟

  • منطقة آسيا والمحيط الهادئ: تظل أكبر سوق وأسرعها نمواً. وتتصدر الصين المشهد، إذ من المتوقع أن تضيف 4.5 جيجاوات من قدرات الهيدروجين الأخضر خلال 2026. كما تتوسع الشركات الصينية المصنعة للسيارات الكهربائية في الأسواق العالمية لتعويض التباطؤ المحلي.
  • أوروبا: أصبحت المحرك الرئيسي لنمو مبيعات السيارات الكهربائية، بتسجيل زيادة 31% على أساس سنوي في يونيو 2026. غير أن بطء إجراءات الترخيص على المستوى المحلي يمثل العائق الأكبر أمام تسريع نشر المشاريع.
  • الولايات المتحدة: شهدت تراجعاً في مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 20% منذ بداية العام، نتيجة تراجع الحوافز التشريعية. لكن التركيز انتقل إلى تحديث شبكات النقل والتوزيع لاستيعاب الأحمال المتزايدة من مراكز البيانات.
  • الأسواق الصاعدة: تتجه الاستثمارات بشكل متزايد نحو أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. ويمثل تشغيل أول منشأة لإسالة الغاز الطبيعي على ساحل المحيط الهادئ في المكسيك مؤشراً على هذا التحول.

القطاعات الأكثر جذباً لرؤوس الأموال:

  • الطاقة الشمسية والتخزين: شكلت الطاقة الشمسية 83% من الإضافات الجديدة للقدرات في 2025. ويتجه المستثمرون الآن نحو المشاريع المدمجة مع أنظمة التخزين لتحقيق استقرار الإيرادات.
  • تحديث الشبكات: يعتبر تشبع الشبكة وعدم استقرارها أكبر تحد يواجه القطاع بنسبة 63.7%، ما يجعل الاستثمار في البنية التحتية أولوية قصوى.
  • عقود شراء الطاقة طويلة الأجل PPA: أصبحت المعيار الجديد لتأمين التمويل، خاصة مع تقلب أسعار الوقود.
  • عمليات الدمج والاستحواذ: اتجهت صفقات 2026 نحو شراء منصات ناضجة وأصول تشغيلية بدلاً من تطوير مشاريع جديدة من الصفر.

التحديات التي تعرقل النمو:

رغم الزخم الاستثماري، لا تزال هناك عقبات رئيسية:

  • الإطار التنظيمي: تشير 47.8% من الشركات إلى تعقيد إجراءات الترخيص والتقييم البيئي كأكبر معوق.
  • المعادن الحرجة: تخضع أكثر من نصف المعادن اللازمة للانتقال الطاقي لقيود تصدير، مما يهدد سلاسل التوريد.
  • تقلب السياسات: أدى إلغاء بعض الإعفاءات الضريبية في الولايات المتحدة إلى إحداث حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين.

قدرت قيمة سوق الطاقة المتجددة بـ 1300.23 مليار دولار في 2026، ومن المتوقع أن تصل إلى 2681.52 مليار دولار بحلول 2034 بمعدل نمو سنوي مركب 9.47%.

معايير الاستثمار تغيرت فلم يعد السؤال:

 “هل المشروع أخضر؟”

بل:“هل المشروع قادر على الصمود أمام أزمات الإمداد؟ وهل يملك عقداً مع مستهلك كبير؟ وهل الشبكة قادرة على استيعابه؟“.

الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد الفائزين في سباق “الذهب الأخضر” خلال السنوات العشر المقبلة على تنظيم أحداث ضخمة دون أن يكون ثمنها مزيدًا من الانبعاثات والضغوط على المناخ.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة