د.فوزي يونس: السعودية والإمارات تتصدران الانبعاثات الفردية ومصر الأدنى.. قراءة في فجوة الانبعاثات
أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة
20.4 طن للفرد في السعودية و14.2 طن في أمريكا مقابل 2.22 في مصر .. ماذا تكشف خريطة الانبعاثات الكربونية لأكبر اقتصادات العالم؟
تُعد انبعاثات غازات الدفيئة، وخاصة ثاني أكسيد الكربون (CO₂)، المحرك الرئيسي لتغير المناخ العالمي. وفي حين تركز النقاشات الدولية غالبًا على إجمالي الانبعاثات الصادرة عن الدول، يوفر مؤشر الانبعاثات لكل فرد (Per Capita Emissions) عدسة تحليلية أكثر دقة لفهم البصمة الكربونية الحقيقية للاقتصادات المختلفة، وكشف الفوارق الهيكلية بينها.
ويقدم الرسم البياني المرفق تحليلًا لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل فرد في أكبر 30 اقتصادًا في العالم، استنادًا إلى بيانات مشروع الكربون العالمي (Global Carbon Budget) وقاعدة بيانات «عالمنا في البيانات» (Our World in Data).
ويُظهر هذا التحليل تباينًا صارخًا بين الدول، إذ يتجاوز متوسط الانبعاثات الفردية في بعض الدول 20 طنًا سنويًا، بينما يقل في دول أخرى عن 2.5 طن، في حين يبلغ المتوسط العالمي نحو 4.7 طن لكل فرد.

أولًا: تحليل البيانات وفقًا للرسم البياني
1. صدارة دول الخليج ومصدري الوقود الأحفوري
يتصدر الرسم البياني دولتان من منطقة الشرق الأوسط، هما المملكة العربية السعودية، بنحو 20.4 طن للفرد، والإمارات العربية المتحدة، بنحو 20.1 طن للفرد.
وتشير البيانات إلى أن هذه المستويات المرتفعة تعكس الاعتماد الكثيف على إنتاج وتصدير النفط والغاز، إذ تتطلب عمليات الاستخراج والتكرير والتصدير كميات ضخمة من الطاقة.
كما تلعب الإعانات الحكومية للطاقة المحلية دورًا في تشجيع الاستهلاك المرتفع، بما يسهم في زيادة مستويات الانبعاثات الفردية.
ويؤكد تحليل نُشر عام 2026 أن ستًا من أعلى الدول انبعاثًا لكل فرد على مستوى العالم، وهي السعودية والإمارات وأستراليا والولايات المتحدة وكندا وروسيا، تُعد في الوقت نفسه من أكبر مصدري الوقود الأحفوري على مستوى العالم.
وهذه العلاقة هيكلية وليست مصادفة، إذ تفسرها أربع آليات موثقة، تشمل انبعاثات عمليات الاستخراج، والإعانات المحلية للطاقة، والانبعاثات المرتبطة بالوقود الأحفوري المُصدَّر، والانبعاثات الناجمة عن شحن الوقود الأحفوري بحرًا.
2. التباين بين الاقتصادات المتقدمة
تتباين الاقتصادات المتقدمة الكبرى بشكل كبير في بصمتها الكربونية الفردية.
وتحتل أستراليا، بنحو 14.5 طن للفرد، والولايات المتحدة، بنحو 14.2 طن، وكندا، بنحو 13.4 طن، مراتب متقدمة بين الاقتصادات الكبرى، وهو ما يُعزى إلى الاعتماد الكبير على السيارات، والصناعات كثيفة الطاقة، والمسافات الشاسعة التي تتطلب أنظمة نقل مكثفة.
وفي المقابل، تظهر فرنسا عند نحو 4 أطنان فقط لكل فرد، وهو مستوى يقل عن المتوسط العالمي البالغ نحو 4.7 طن، على الرغم من كونها اقتصادًا صناعيًا متقدمًا.
ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى أن الطاقة النووية توفر نحو 67% من الكهرباء الفرنسية، ما يجعل كثافة الكربون في شبكتها الكهربائية تبلغ نحو 85 غرامًا فقط لكل كيلوواط/ساعة، مقابل متوسط عالمي يبلغ نحو 438 غرامًا.
3. المملكة المتحدة.. نموذج للانخفاض التاريخي
يشير الرسم البياني إلى أن انبعاثات المملكة المتحدة لكل فرد انخفضت بنسبة 62% عن ذروتها المسجلة عام 1971.
ويعود هذا الانخفاض إلى إزالة الكربون تدريجيًا من قطاع الكهرباء، عبر التحول من الفحم إلى الغاز الطبيعي، ثم إلى مصادر الطاقة المتجددة، إلى جانب إعادة الهيكلة الصناعية التي شهدتها البلاد منذ سبعينيات القرن الماضي.
ويقدم المسار البريطاني نموذجًا مهمًا على إمكانية خفض الانبعاثات بصورة كبيرة على مدى عقود، من خلال التحولات في مزيج الطاقة والسياسات الصناعية.
4. الاقتصادات الناشئة.. الصين والهند والبرازيل
تأتي الصين، بنحو 8.7 طن للفرد، في مرتبة متقدمة نسبيًا بين الاقتصادات الكبرى، لكن مستوى الانبعاثات للفرد فيها لا يزال أقل من نصف المستوى المسجل في الولايات المتحدة.
وبما أن الصين هي أكبر مصدر للانبعاثات الإجمالية عالميًا، فإن التباين بين مؤشري الانبعاثات الإجمالية والانبعاثات للفرد يبرز أهمية السياق التحليلي عند تقييم المسؤولية المناخية للدول.
وفي المقابل، تمثل الهند، بنحو 2.2 طن للفرد، والبرازيل، بنحو 2.3 طن، الطرف الأدنى من الطيف بين الاقتصادات الكبرى.
وتعكس هذه المستويات انخفاض متوسط الدخل في الحالتين، إلى جانب عوامل أخرى، من بينها الاعتماد الكبير على الطاقة الكهرومائية في البرازيل، وانخفاض استهلاك الطاقة للفرد في الهند.
ثانيًا: المناقشة والتحليل الأكاديمي
1. منحنى كوزنتس البيئي
تتفق هذه الأنماط مع فرضية منحنى كوزنتس البيئي (Environmental Kuznets Curve)، التي طورها اقتصاديون مثل جين جروسمان وآلان كروجر.
ووفقًا لهذا الإطار النظري، تميل الانبعاثات إلى الارتفاع خلال المراحل الأولى من النمو الاقتصادي، مع توسع الصناعة والاستهلاك الطاقي، ثم تبدأ في الاستقرار أو الانخفاض عندما تصل الدول إلى مستويات أعلى من التنمية وتتجه إلى تبني تقنيات أنظف.
غير أن الرسم البياني يظهر أن هذا الانخفاض ليس حتميًا ولا متساويًا بين الدول، بل يعتمد بصورة حاسمة على الخيارات السياسية والهيكلية التي تتخذها كل دولة، ولا سيما في مجالات الطاقة والصناعة والنقل.
2. الفجوة العالمية في الانبعاثات
وفقًا لتقرير فجوة الانبعاثات لعام 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة تحت عنوان «بعيدًا عن الهدف» (Off Target)، بلغت انبعاثات غازات الدفيئة العالمية 58 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في عام 2024، بزيادة بلغت 2.3% عن العام السابق.
وتشير توقعات التقرير إلى أن الاحترار العالمي قد يتراوح بين 2.3 و2.5 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، حتى مع التنفيذ الكامل للمساهمات المحددة وطنيًا (NDCs).
وتؤكد هذه الأرقام أن الجهود الحالية لا تزال غير كافية لتحقيق أهداف اتفاق باريس، وأن الفجوة بين المسار الحالي والأهداف المناخية الدولية ما زالت واسعة.
3. مصر في السياق العالمي
وبالنسبة إلى مصر، تشير بيانات «عالمنا في البيانات» إلى أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل فرد بلغت 2.22 طن في عام 2024، أي أقل بنحو 53% من المتوسط العالمي البالغ نحو 4.7 طن.
كما بلغت انبعاثات مصر الإجمالية 258 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، بما يعادل نحو 0.67% من الإجمالي العالمي.
وعلى الصعيد التاريخي، ساهمت مصر بنحو 0.4% فقط من الانبعاثات التراكمية العالمية منذ عام 1751.
وتضع هذه الأرقام مصر ضمن الدول ذات المسؤولية التاريخية المحدودة عن تغير المناخ، لكنها في الوقت نفسه من أكثر الدول عرضة لآثاره، خاصة فيما يتعلق بارتفاع مستوى سطح البحر في دلتا النيل، وندرة المياه، وارتفاع درجات الحرارة.
ويمثل هذا التناقض بين انخفاض المسؤولية التاريخية وارتفاع درجة الهشاشة المناخية جوهر مبدأ «المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة»، المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
4. الانبعاثات المصدرة.. البعد الخفي
من القضايا الجوهرية التي يبرزها التحليل أن الانبعاثات المرتبطة بتصدير الوقود الأحفوري لا تُحتسب ضمن الانبعاثات الوطنية للدول المصدرة.
فالدول التي تصدر النفط والغاز تنقل بذلك كميات ضخمة من الانبعاثات المحتملة إلى الدول المستوردة، وهو ما يخلق فجوة في المحاسبة المناخية العالمية.
ويُقدَّر أن نحو 40% من إجمالي حمولات الشحن العالمية تتكون من الوقود الأحفوري، ما يعني أن الانبعاثات الناتجة عن نقل هذه المواد تضيف طبقة أخرى إلى البصمة الكربونية المرتبطة بها، قبل وصول الوقود إلى مرحلة الاستخدام والاحتراق النهائي.
ثالثًا: دلالات السياسات والآثار المستقبلية
1. إعادة توجيه سياسات المناخ نحو العدالة
يظهر التحليل أن الانبعاثات لكل فرد تمثل مؤشرًا مهمًا عند تقييم المسؤوليات المناخية، إلى جانب الانبعاثات الإجمالية وغيرها من المؤشرات.
فالتركيز على إجمالي الانبعاثات وحده قد لا يعكس بصورة كاملة الفوارق بين الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة والدول ذات الانبعاثات الفردية المرتفعة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تطوير آليات دولية أكثر شمولًا لمحاسبة الانبعاثات المرتبطة بالتجارة الدولية والوقود الأحفوري المُصدَّر، إلى جانب إصلاح أنظمة دعم الوقود الأحفوري على المستوى العالمي.
2. التحول الطاقي كضرورة استراتيجية
يقدم نموذج فرنسا دليلًا على أن التوسع في مصادر الطاقة منخفضة الكربون، ومنها الطاقة النووية والطاقة المتجددة، يمكن أن يخفض كثافة الانبعاثات دون التخلي عن مستويات مرتفعة من التنمية الاقتصادية.
وبالمثل، يظهر نموذج المملكة المتحدة أن التحول من الفحم إلى الغاز ثم إلى مصادر الطاقة المتجددة يمكن أن يحقق تخفيضات كبيرة في الانبعاثات على مدى عقود.
وتؤكد هذه النماذج أن الخيارات السياسية والاستثمارية تمثل عاملًا رئيسيًا في تحديد مسار الانبعاثات، وليس مستوى التنمية الاقتصادية وحده.
3. التحديات المقبلة
تواجه الدول ذات الانبعاثات المرتفعة للفرد ضغوطًا متزايدة لتبني مسارات أكثر طموحًا لإزالة الكربون، خاصة في ظل تسارع آثار تغير المناخ.
وفي المقابل، تحتاج الدول النامية إلى دعم دولي يمكنها من تحقيق التنمية الاقتصادية وتحسين مستويات المعيشة دون تكرار نموذج الانبعاثات المرتفعة الذي سلكته العديد من الدول المتقدمة.
ويظل التمويل المناخي ونقل التكنولوجيا من الركائز الأساسية لتحقيق هذا التوازن الدقيق بين التنمية الاقتصادية وخفض الانبعاثات وحماية المناخ.
الخلاصة
يكشف تحليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل فرد في أكبر اقتصادات العالم عن تباين هيكلي عميق يعكس اختلاف نماذج الطاقة والسياسات الاقتصادية وأنماط الاستهلاك والإعانات الحكومية.
وفي حين تتصدر دول مصدرة للنفط والغاز قائمة الانبعاثات الفردية، تبرز نماذج مثل فرنسا والمملكة المتحدة بوصفها أمثلة على إمكانية خفض الانبعاثات من خلال التحول في مزيج الطاقة والسياسات الصناعية.
ويظل التحدي الأكبر هو ترجمة هذه الدروس إلى سياسات عالمية عادلة وفعالة، تراعي الفوارق في المسؤولية التاريخية والانبعاثات الحالية ومستويات التنمية، وتضمن تحقيق التنمية المستدامة للجميع دون تجاوز حدود الكوكب.





