وجهات نظر

د.رفعت جبر: أطفالنا في خطر.. كيف تعيد الهواتف والتواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي تشكيل الطفولة؟

عضو المجلس الأعلى للثقافة- أستاذ التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة

تتسلل التحولات الكبرى في تاريخ المجتمعات بهدوء شديد؛ فهي لا تأتي دائمًا على صهيل المعارك أو صخب الأزمات السياسية، بل قد تتسلل عبر شاشات صامتة براقة نضعها، بحسن نية، بين أيدي صغارنا.

وخلال السنوات الست عشرة الأخيرة تحديدًا، شهد مفهوم «الطفولة» تحولًا هيكليًا متسارعًا عبر ثلاث موجات تكنولوجية متلاحقة؛ بدأت بانتشار الهواتف الذكية، وتعززت مع صعود منصات التواصل الاجتماعي، وتصل اليوم إلى مرحلة جديدة مع الانتشار المتزايد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وقد انتقل جزء كبير من عالم الأطفال والمراهقين من اللعب الفعلي والتفاعل البشري المباشر إلى الانخراط المتزايد في العالم الافتراضي. ولم تعد القضية مجرد «وقت ضائع أمام الشاشة»، بل أصبحت مرتبطة بكيفية تشكل وعي الأطفال وسلوكهم وعلاقاتهم الاجتماعية وصحتهم النفسية والجسدية، بالتزامن مع بروز مخاطر جديدة، من بينها التنمر الإلكتروني والاستغلال الجنسي الرقمي والابتزاز، إلى جانب المخاوف المرتبطة بتأثير الاستخدام المفرط لمنصات التواصل على الصحة النفسية.

أرقام وحقائق.. الفاتورة الصحية والنفسية للعالم الرقمي

توضح البيانات والدراسات الصادرة عن مؤسسات صحية ودولية أن المخاطر المرتبطة باستخدام الأطفال والمراهقين للتكنولوجيا لا تقتصر على المخاوف التربوية، وإنما تشمل قضايا صحية واجتماعية وأمنية تستدعي مزيدًا من البحث والرقابة والتوعية.

1. الهواتف المحمولة والإشعاعات الكهرومغناطيسية

صنفت الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية، في عام 2011، مجالات الترددات الراديوية المنبعثة من الهواتف المحمولة ضمن المجموعة 2B، أي «محتمل أن تكون مسرطنة للإنسان».

غير أن هذا التصنيف لا يعني إثبات أن استخدام الهواتف المحمولة يسبب السرطان، وإنما يعكس وجود أدلة محدودة تستدعي مزيدًا من البحث العلمي. ولذلك، فإن الحديث عن ارتفاع محدد في أورام المخ بين الشباب نتيجة استخدام الهواتف في سن مبكرة يحتاج إلى التعامل معه بحذر، ولا ينبغي تقديمه باعتباره حقيقة علمية محسومة.

وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة للأطفال والمراهقين في ظل اتساع استخدام الأجهزة الذكية والأجهزة القابلة للارتداء، وهو ما يجعل استمرار الدراسات طويلة الأمد حول الآثار الصحية المحتملة للتعرض للترددات الراديوية أمرًا ضروريًا.

2. الاستغلال والابتزاز الجنسي عبر الشاشات

يمثل الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت أحد أخطر التحديات التي فرضها الانتشار الواسع للمنصات الرقمية.

وتتعامل المؤسسات المعنية بحماية الطفل مع بلاغات متزايدة تتعلق بالاستدراج الإلكتروني، ومشاركة الصور الجنسية، والابتزاز الجنسي الرقمي، وهي ممارسات يمكن أن تبدأ بمحادثة عادية على إحدى المنصات ثم تتحول إلى تهديد مباشر للطفل أو المراهق.

ولا تقتصر خطورة هذه الظاهرة على المحتوى الذي يتعرض له الطفل، وإنما تمتد إلى قدرة المعتدين على استغلال أدوات التواصل الفوري، والحسابات الوهمية، والصور والمقاطع التي ينتجها الذكاء الاصطناعي أو يجري التلاعب بها.

ومن هنا، أصبحت حماية الأطفال رقميًا تتطلب الجمع بين الرقابة الأسرية، والتوعية، وآليات الإبلاغ السريع، والمسؤولية القانونية للمنصات الرقمية.

3. الصحة النفسية والانتحار بين المراهقين

تثير العلاقة بين الاستخدام المكثف لمنصات التواصل الاجتماعي والصحة النفسية للأطفال والمراهقين اهتمامًا متزايدًا لدى الباحثين والمؤسسات الصحية.

وقد شهدت الولايات المتحدة، على مدى السنوات الماضية، ارتفاعًا في مؤشرات معينة مرتبطة بالصحة النفسية لدى المراهقين، بالتزامن مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي.

لكن إثبات وجود علاقة سببية مباشرة بين استخدام هذه المنصات وبين الاكتئاب أو السلوك الانتحاري يظل مسألة علمية معقدة؛ إذ تتداخل عوامل متعددة، من بينها الظروف الأسرية والاجتماعية والاقتصادية، والتنمر، والعزلة، والضغوط الدراسية، وغيرها.

وتشير هذه المعطيات إلى ضرورة التعامل مع العالم الرقمي باعتباره أحد العوامل المؤثرة في البيئة التي يعيش فيها الطفل، وليس باعتباره تفسيرًا وحيدًا لكل مشكلات الصحة النفسية.

خريطة المواجهة.. التكنولوجيا لن تتراجع، فما العمل؟

إن القول بإمكانية سحب التكنولوجيا من حياة الأطفال أو إعادة المجتمعات إلى الوراء ليس طرحًا واقعيًا؛ فالذكاء الاصطناعي والواقع الممتد والأجهزة الذكية مرشحة لمزيد من التغلغل في تفاصيل الحياة اليومية.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في رفض التكنولوجيا، وإنما في بناء علاقة أكثر أمانًا ووعيًا معها، وتوزيع المسؤوليات بوضوح بين الأسرة والمدرسة والدولة وشركات التكنولوجيا.

دور أولياء الأمور.. استعادة القيادة التربوية

يتحمل أولياء الأمور مسؤولية أساسية في تنظيم البيئة الرقمية التي يعيش فيها الطفل.

ويشمل ذلك وضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة، وتأخير امتلاك الطفل هاتفًا ذكيًا متصلًا بالإنترنت المفتوح قدر الإمكان، واستخدام أدوات الرقابة الأبوية المناسبة للمرحلة العمرية، مع مراجعة هذه القواعد تدريجيًا مع تقدم الطفل في السن.

والأهم من الرقابة التقنية هو بناء جسور الحوار المفتوح مع الأبناء، بحيث يشعر الطفل أو المراهق بالأمان الكافي لإخبار والديه فور تعرضه للابتزاز أو التنمر أو الاستدراج أو مشاهدة محتوى غير مناسب، بدلًا من إخفاء المشكلة خوفًا من العقاب أو مصادرة الهاتف.

كما ينبغي ألا تتحول التكنولوجيا إلى البديل الأساسي للعب والنشاط البدني والعلاقات الأسرية والاجتماعية المباشرة، إذ يحتاج الطفل إلى بيئة متوازنة تجمع بين العالم الرقمي والعالم الواقعي.

دور صناع القرار والمؤسسات.. تشريعات وبيئة رقمية أكثر أمانًا

تقع على عاتق الحكومات والمؤسسات التشريعية مسؤولية تطوير أطر قانونية فعالة لحماية الأطفال في البيئة الرقمية، بما يتناسب مع سرعة تطور التكنولوجيا.

ويشمل ذلك تعزيز آليات التحقق من العمر، وحماية بيانات الأطفال، ومواجهة الاستغلال والابتزاز الإلكتروني، وتحسين أدوات الإبلاغ والاستجابة، ومساءلة المنصات عن المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها المستخدمون الأصغر سنًا.

كما يتطلب الأمر إدراج المهارات الرقمية والأمن السيبراني الشخصي ضمن العملية التعليمية، بحيث يتعلم الأطفال كيفية حماية بياناتهم وحساباتهم، والتعامل مع الغرباء، والتعرف على محاولات الاستدراج والاحتيال والابتزاز، وفهم طبيعة المحتوى الذي تنتجه الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ولا تقل أهمية دور المدارس عن دور الأسرة؛ فالمدرسة أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة الحماية الرقمية، خصوصًا مع تزايد استخدام الأدوات الإلكترونية في التعليم والتواصل بين الطلاب.

حماية الطفولة في عصر التكنولوجيا

إننا لا نتعامل مع أجهزة زجاجية صامتة فحسب، وإنما أمام بيئة رقمية متكاملة تؤثر في طريقة تواصل الأطفال وتعلمهم وترفيههم وتكوين علاقاتهم.

ولا يمكن تجاهل الفوائد الكبيرة التي توفرها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التعليم والمعرفة والوصول إلى المعلومات، لكن هذه الفوائد لا تلغي الحاجة إلى إدارة المخاطر المصاحبة لها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين.

فالطفولة ليست مرحلة انتظار عابرة، وإنما هي الأساس الذي تتشكل عليه مهارات الإنسان وعلاقاته وصحته النفسية والاجتماعية في المستقبل.

ولأن العالم لن يتراجع عن التكنولوجيا خلال السنوات المقبلة، فإن المطلوب ليس عزل الأطفال عن العصر الرقمي، وإنما تسليحهم بالوعي، وحمايتهم بالقواعد، ومساندتهم بالحوار، وإلزام المنصات بمسؤولياتها.

إن حماية أطفالنا في العصر الرقمي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والدولة وشركات التكنولوجيا والمجتمع بأكمله، حتى لا يتحول التطور الذي صُمم لخدمة الإنسان إلى بيئة تضعف قدرة الأجيال الجديدة على بناء علاقات صحية ومتوازنة مع العالم من حولها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة