وجهات نظر

د.عبير عبدالعاطى أحمد: المحاصيل واختبار المناخ.. الذكاء الاصطناعي يبحث عن نباتات لا تموت من العطش والحر

خبير دولى فى الأصول الوراثية النباتية وتكنولوجيا البذور- مركز البحوث الزراعية

مع اقتراب عدد سكان العالم من 9 إلى 10 مليارات نسمة بحلول عام 2050، تواجه الزراعة تحديًا مزدوجًا: إنتاج كميات أكبر من الغذاء، في الوقت الذي تتعرض فيه المحاصيل لضغوط متزايدة بسبب الجفاف والحرارة والملوحة والأمراض والآفات وغيرها من الإجهادات الحيوية وغير الحيوية.

وتشير التقديرات المتداولة إلى أن تلبية الطلب الغذائي العالمي قد تتطلب زيادة الإنتاج الزراعي بنحو 50% إلى 70% مقارنة بالمستويات الحالية، بينما يؤدي تغير المناخ وتدهور الموارد الطبيعية إلى زيادة صعوبة تحقيق هذه الزيادة بالطرق التقليدية.

هنا يبرز علم حديث يحمل اسم التنميط الظاهري للنباتات (Plant Phenotyping)، يعتمد على قياس صفات النباتات وتحليلها بصورة أكثر دقة وسرعة، مستفيدًا من التصوير الرقمي والمستشعرات والطائرات بدون طيار والروبوتات والاستشعار عن بُعد، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي.

والهدف ليس مجرد معرفة شكل النبات، وإنما اكتشاف أي النباتات تمتلك الصفات التي تجعلها أكثر إنتاجية وقدرة على مقاومة الأمراض وتحمل الجفاف والحرارة والملوحة وغيرها من الضغوط، ثم استخدامها في برامج تربية الأصناف الجديدة.

ما التنميط الظاهري للنبات؟

ببساطة، يمكن تعريف التنميط الظاهري بأنه مجموعة الصفات والخصائص القابلة للملاحظة والقياس في النبات، والتي تنتج عن التفاعل بين تركيبه الجيني والبيئة المحيطة به.

فإذا كانت الجينات تمثل «كتيب التعليمات» الذي يحمل الإمكانات الوراثية للنبات، فإن النمط الظاهري هو النتيجة التي تظهر فعليًا في النبات نتيجة تفاعل هذه التعليمات مع البيئة.

ولهذا يمكن تبسيط العلاقة في صورة: النمط الظاهري = التركيب الجيني + تأثير البيئة + التفاعل بينهما

فالتركيب الجيني قد يمنح النبات القدرة على إنتاج صفة معينة، لكن ظهور هذه الصفة ومدى التعبير عنها يتأثران بالحرارة والماء والضوء والتربة والعناصر الغذائية وغيرها من الظروف البيئية.

ومن هنا يظهر مفهوم مهم هو المرونة المظهرية، أي قدرة النبات نفسه، رغم امتلاكه التركيب الجيني ذاته، على تغيير بعض صفاته أو وظائفه استجابة للظروف البيئية، بما يساعده على البقاء والاستمرار في النمو.

ماذا يقيس العلماء في النبات؟

لا يقتصر التنميط الظاهري على قياس طول النبات أو وزن الثمار، وإنما يشمل مجموعة واسعة من الصفات.

الصفات المورفولوجية

وهي الصفات المرتبطة بالبنية والشكل الخارجي للنبات، مثل:

  • طول الساق.
  • شكل الأوراق وحجمها.
  • لون الأوراق.
  • شكل الجذور وتوزيعها.
  • عدد الأزهار.
  • لون وشكل الثمار.
  • وزن وحجم أجزاء النبات.

الصفات الفسيولوجية

وتتعلق بالوظائف الحيوية للنبات، مثل:

  • معدل البناء الضوئي.
  • كفاءة استخدام المياه.
  • سرعة الإنبات.
  • معدل النمو.
  • توقيت التزهير.
  • استجابة النبات للجفاف والحرارة والملوحة.

الصفات الكيميائية الحيوية

وتشمل، على سبيل المثال، كمية البروتين في البذور، ونسب السكريات في الثمار، والمركبات التي ينتجها النبات للدفاع عن نفسه ضد بعض الضغوط الحيوية.

وتساعد دراسة هذه المجموعات مجتمعة في بناء صورة أكثر شمولًا عن أداء النبات وقدرته على الإنتاج والتكيف.

لماذا أصبح التنميط الظاهري مهمًا في تربية النباتات؟

تبدأ برامج تربية النباتات عادة بالبحث عن تراكيب وراثية تمتلك الصفات المطلوبة، سواء كان الهدف زيادة الإنتاجية، أو تحسين جودة المحصول، أو مقاومة مرض معين، أو تحمل الجفاف والحرارة والملوحة.

لكن المشكلة أن تحديد هذه الصفات بدقة في أعداد كبيرة من النباتات كان تاريخيًا عملية شاقة وبطيئة.

ففي الطرق التقليدية، يعتمد الباحث على العين المجردة والمسطرة والميزان وغيرها من أدوات القياس، وهو ما يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، وقد يتأثر أيضًا بالاختلافات بين الأشخاص الذين يقومون بالقياس.

أما تقنيات التنميط الظاهري الحديثة، فتتيح جمع كميات ضخمة من البيانات عن آلاف النباتات خلال فترة قصيرة نسبيًا، ثم تحليلها لاكتشاف الفروق الدقيقة التي قد يصعب على العين البشرية رصدها.

وهذا يفتح الباب أمام تسريع الانتخاب الوراثي وتطوير أصناف وهجن جديدة تمتلك صفات أكثر ملاءمة للزراعة في ظروف المستقبل.

الجذور.. النصف الخفي من النبات

من الجوانب المهمة في علم التنميط الظاهري الحديث الاهتمام بما يحدث تحت سطح التربة.

فالجذور تمثل جزءًا أساسيًا من قدرة النبات على الحصول على الماء والعناصر الغذائية والتكيف مع ظروف التربة، لكنها كانت من أكثر أجزاء النبات صعوبة في الدراسة بسبب وجودها بعيدًا عن العين.

وتسمح تقنيات التصوير والتحليل الحديثة بدراسة شكل الجذور وتوزيعها ونموها واستجابتها للضغوط البيئية، بما يساعد الباحثين على اكتشاف تراكيب نباتية تمتلك أنظمة جذرية أكثر ملاءمة للجفاف أو ظروف التربة المختلفة.

وبذلك لم يعد تقييم النبات مقتصرًا على ما يظهر فوق سطح الأرض، وإنما أصبح بالإمكان دراسة النبات كمنظومة متكاملة من الجذور حتى الأوراق والثمار.

من التصوير إلى الذكاء الاصطناعي

شهد العقد الأخير تطورًا سريعًا في تقنيات التنميط الظاهري، مع انتشار أنظمة التصوير الأرضي والجوي والمستشعرات متعددة الأطياف وفائقة الطيف، إضافة إلى التصوير الحراري والاستشعار عن بُعد.

وتعمل هذه الأدوات على تحويل النباتات إلى كميات ضخمة من البيانات الرقمية.

لكن جمع البيانات ليس سوى الخطوة الأولى؛ إذ تأتي أهمية الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والتعلم العميق في تحليل هذه البيانات واستخراج المعلومات المهمة منها.

ويمكن للخوارزميات المساعدة في:

  • اكتشاف الفروق بين النباتات.
  • تحديد الصفات المميزة لكل تركيب وراثي.
  • تصنيف النباتات وفق خصائصها.
  • اكتشاف مؤشرات الإجهاد.
  • التعرف على أعراض بعض الأمراض والآفات.
  • تحليل العلاقة بين الصفات المختلفة.
  • التنبؤ ببعض خصائص المحصول.
  • مساعدة الباحثين في اختيار النباتات التي تستحق إدخالها في برامج التربية.

وهكذا ينتقل علم تربية النباتات تدريجيًا من الاعتماد على الملاحظة البشرية وحدها إلى منظومة تجمع بين علم الوراثة والتصوير والاستشعار والبيانات والذكاء الاصطناعي.

الطائرات بدون طيار تراقب الحقول من السماء

أصبحت الطائرات بدون طيار إحدى الأدوات المهمة في دراسة النباتات على مستوى الحقول.

فبدلًا من فحص كل نبات يدويًا، يمكن للطائرة مسح مساحات زراعية كبيرة وجمع صور وبيانات باستخدام كاميرات عادية أو حرارية أو متعددة الأطياف أو فائقة الطيف.

وتساعد هذه البيانات في التعرف إلى الاختلافات بين النباتات ورصد مؤشرات الإجهاد أو التغيرات في النمو، وهو ما يمنح الباحث صورة أكثر شمولًا عن حالة المحصول.

كما يمكن تكرار عمليات المسح خلال مراحل مختلفة من دورة حياة النبات، بما يسمح بمتابعة كيف تتغير صفاته واستجابته للبيئة بمرور الوقت.

الروبوتات والمستشعرات.. قياس النبات دون لمسه

لا تتوقف الثورة التقنية عند الطائرات بدون طيار.

فقد دخلت الروبوتات الأرضية ذاتية القيادة، والروبوتات المتسلقة، والكاميرات متعددة وفائقة الطيف، وغيرها من أنظمة الاستشعار، إلى مجال التنميط الظاهري.

وتتيح هذه الأنظمة قياس مجموعة واسعة من خصائص النبات خلال مراحل النمو المختلفة، وفي بعض التطبيقات يمكن جمع البيانات بصورة متكررة دون الحاجة إلى لمس النبات أو إتلافه.

كما تُستخدم تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد ورباعي الأبعاد في دراسة تطور البنية المورفولوجية للنبات بمرور الزمن، بما يوفر صورة أكثر تفصيلًا لديناميكيات النمو والاستجابة للإجهاد.

لماذا يمثل هذا التطور أهمية للأمن الغذائي؟

تكمن أهمية التنميط الظاهري في أنه يمكن أن يساعد الباحثين على الإجابة عن سؤال أساسي في الزراعة الحديثة:

أي نبات يمكنه أن ينتج أكثر، ويستهلك موارد أقل، ويصمد أمام ظروف المناخ المتغيرة؟

ففي ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد فترات الجفاف وتغير أنماط الأمطار وانتشار بعض الآفات والأمراض، لم يعد الهدف من برامج التربية مجرد زيادة الإنتاج في الظروف المثالية.

بل أصبح المطلوب تطوير نباتات قادرة على الحفاظ على إنتاجيتها وجودتها في بيئات أكثر قسوة وتقلبًا.

وهنا يمكن للتنميط الظاهري أن يساهم في اكتشاف النباتات التي تمتلك بالفعل هذه القدرات، وقياسها بصورة أكثر دقة، ثم إدخالها في برامج التربية.

من علم الملاحظة إلى «علم الأنماط الظاهرية»

مع هذا التطور، لم يعد التنميط الظاهري مجرد مجموعة من تقنيات قياس الصفات، بل تطور إلى مجال متعدد التخصصات يُعرف باسم علم الأنماط الظاهرية النباتية (Plant Phenomics).

ويجمع هذا المجال بين علوم النبات والوراثة والتربية والاستشعار عن بُعد والهندسة وتحليل الصور والإحصاء وعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي.

ومع تزايد حجم البيانات الناتجة عن التصوير والمستشعرات، تصبح الحاجة إلى خوارزميات قادرة على تحليلها واستخراج الأنماط ذات الصلة أكثر أهمية.

وهنا يمكن للتعلم الآلي والتعلم العميق أن يساعدا في تحويل ملايين الصور والقياسات إلى معلومات قابلة للاستخدام في برامج تربية النباتات، وأبحاث أمراض النبات والحشرات، ودراسة استجابة المحاصيل للإجهادات المختلفة.

نحو محاصيل أكثر قدرة على مواجهة المستقبل

لا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي والمستشعرات أن دور الباحث أو مربي النبات أصبح أقل أهمية، بل على العكس، فهذه الأدوات تمنحه قدرة أكبر على التعامل مع أعداد ضخمة من النباتات والبيانات، واكتشاف علاقات قد يصعب الوصول إليها بالطرق التقليدية وحدها.

وكلما أصبحت عملية تحديد الصفات المرغوبة أسرع وأكثر دقة، زادت قدرة برامج التربية على الوصول إلى أصناف جديدة تمتلك مزيجًا أفضل من الإنتاجية والجودة والمقاومة والتحمل وكفاءة استخدام الموارد.

وفي ظل التحديات التي تفرضها الزيادة السكانية وتغير المناخ والضغوط على المياه والأراضي الزراعية، يصبح تطوير هذه الأدوات جزءًا من سباق علمي أوسع نحو بناء أنظمة غذائية أكثر قدرة على الصمود.

فالمعركة من أجل الأمن الغذائي في العقود المقبلة لن تعتمد فقط على زراعة مساحات أكبر، وإنما أيضًا على معرفة النبات بصورة أدق، واكتشاف أفضل صفاته، واستخدام هذه المعرفة لتربية محاصيل تستطيع إنتاج غذاء أكثر في بيئة أصبحت أكثر صعوبة وتقلبًا.

ومن هذا المنظور، يمثل التنميط الظاهري أحد الجسور التي تربط بين علم الوراثة والزراعة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتفتح الطريق أمام جيل جديد من برامج تربية النباتات القادرة على الاستجابة لتحديات الغذاء والمناخ في آن واحد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة