من النزوح المناخي إلى الحماية الدولية.. كيف تتداخل الكوارث مع الاضطهاد والتمييز؟
تغير المناخ والكوارث قد يعززان فرص الحصول على الحماية الدولية.. متى يُعامل النازح باعتباره لاجئًا؟
لا تؤدي الكوارث المرتبطة بالمناخ تلقائيًا إلى اكتساب المتضررين منها صفة اللاجئين، لكن آثارها قد تتداخل مع الاضطهاد والتمييز والقيود السياسية، بما يجعل بعض الأشخاص مؤهلين للحصول على الحماية الدولية.
هذا هو جوهر دليل قانوني جديد أعده مركز كالدر للقانون الدولي للاجئين بجامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية، لمساعدة المحامين والقضاة والمسؤولين على تقييم طلبات اللجوء والحماية التكميلية عندما يكون تغير المناخ أو الكوارث عاملًا مؤثرًا في النزوح عبر الحدود.
ويهدف الدليل إلى توضيح كيفية تطبيق القوانين القائمة على حالات تتداخل فيها المخاطر المناخية والكوارث مع عوامل أخرى تدفع الناس إلى مغادرة بلدانهم، بدلًا من افتراض أن الأضرار البيئية وحدها تكفي لمنح صفة اللاجئ، أو أنها تمنع الحصول عليها بالضرورة.
دليل جديد لتقييم طلبات الحماية الدولية
أعدت أستاذة القانون جين ماك آدم، والدكتورة تامارا وود، الدليل الأسترالي للحماية الدولية في سياق تغير المناخ والكوارث، الذي صدر عام 2026، استكمالًا لدليل عملي دولي أُطلق عام 2025 بشأن حماية الأشخاص الذين يعبرون الحدود بسبب آثار تغير المناخ والكوارث.
ويستهدف الإصدار الجديد المسؤولين الحكوميين والقضاة وأعضاء الهيئات القضائية والمحامين الذين يتعاملون مع طلبات اللجوء أو الحماية التكميلية، في الحالات التي تلعب فيها آثار المناخ والكوارث دورًا في ظروف مقدم الطلب.
وتوضح ماك آدم أن إعداد الدليل جاء في ظل استمرار افتراضات لدى بعض المحامين وصناع القرار بأن آثار المناخ والكوارث لا يمكن أخذها في الاعتبار عند تطبيق القانون الأسترالي.
ويقدم الدليل شرحًا للمفاهيم الخاطئة الشائعة، إلى جانب دراستي حالة افتراضيتين توضحان كيفية تطبيق القانون على ظروف مختلفة.
هل ضحايا الكوارث الطبيعية لا يستحقون صفة اللاجئ؟
من أبرز الأفكار التي يسعى الدليل إلى تصحيحها الاعتقاد بأن الأشخاص الذين يضطرون إلى النزوح بسبب الكوارث «الطبيعية» لا يمكن اعتبارهم لاجئين.
ويؤكد الدليل أن آثار الكوارث والمخاطر المناخية، بمفردها، لا يُرجح أن تكون كافية في كثير من الحالات لتلبية شروط الحماية الدولية، لكنه يحذر من افتراض أن المتضررين من الأخطار الطبيعية والكوارث وتغير المناخ لا يمكنهم استيفاء معايير الحماية المقررة للاجئين.
ويستند هذا التمييز إلى ضرورة فحص الظروف المحيطة بكل حالة، بدلًا من الاكتفاء بتحديد السبب المباشر للنزوح.
فقد لا تكون الكارثة وحدها هي العامل الحاسم، لكن آثارها يمكن أن تتقاطع مع الاضطهاد أو التمييز أو الحرمان من المساعدة، بما يغير طبيعة المخاطر التي يواجهها الشخص عند العودة إلى بلده.
وتشرح ماك آدم أن الاعتقاد المعاكس يستند أحيانًا إلى تصور مفاده أن الكوارث طبيعية، وبالتالي لا يوجد طرف مسؤول عن الاضطهاد.
غير أن الدليل لا يقترح إنشاء نظام قانوني جديد أو توسيع اتفاقية اللاجئين، بل يوضح كيف يمكن تطبيق القواعد القائمة على الحالات التي تتداخل فيها الكوارث والتغيرات المناخية مع دوافع أخرى للنزوح.

كيف تتداخل آثار المناخ مع الاضطهاد والتمييز؟
لا يتعرض الجميع لمخاطر الكوارث بالمستوى نفسه، ولا تتساوى قدرتهم على الاستعداد لها أو التعافي من آثارها.
فقد تؤثر الموارد المتاحة للأفراد، ومدى حصولهم على الدعم الحكومي، وطريقة توزيع المساعدات، في حجم الضرر الذي يتعرضون له وفي فرصهم لإعادة بناء حياتهم.
ويشير الدليل إلى أن أنماط التمييز والتهميش القائمة قد تؤثر في كيفية تعرض بعض الفئات لتداعيات تغير المناخ والكوارث. كما أن إجراءات الحد من مخاطر الكوارث والاستجابة لها قد لا تفيد جميع الفئات بالتساوي، وهو ما يجعل دراسة ظروف كل حالة أمرًا ضروريًا.
وتوضح ماك آدم أن آثار الكوارث تختلف باختلاف عوامل متعددة، من بينها الموارد الشخصية، وما إذا كانت الحكومة تدعم التعافي أم تعوقه.
وقد تتداخل الآثار المناخية كذلك مع أشكال محددة من الاضطهاد. ويطرح الدليل، على سبيل المثال، احتمال أن تؤدي الكوارث إلى تفاقم الاضطهاد المرتبط بالنوع الاجتماعي، أو أن يتعرض مدافع عن البيئة للاضطهاد بسبب النظر إلى نشاطه باعتباره فعلًا سياسيًا.
في مثل هذه الحالات، لا يكون السؤال القانوني مجرد ما إذا كان تغير المناخ قد تسبب في النزوح، بل ما إذا كانت الظروف المناخية أو الكارثة قد فاقمت عوامل أخرى ذات صلة باستحقاق الحماية الدولية.
الحماية لا تعني أن كل نازح مناخي لاجئ
يشدد الدليل على ضرورة تجنب التعميم في الاتجاهين: فلا يمكن اعتبار كل شخص نزح بسبب تغير المناخ لاجئًا تلقائيًا، كما لا يصح استبعاد طلبات الحماية لمجرد أن الكارثة أو الخطر البيئي كانا من بين أسباب النزوح.
وتعتمد النتيجة على الوقائع الخاصة بكل حالة، وعلى كيفية تفاعل آثار المناخ والكوارث مع الظروف القانونية والإنسانية والسياسية المحيطة بها.
وقد تكون هذه الآثار عاملًا يفاقم الاحتياجات إلى الحماية، حتى إذا لم تكن وحدها كافية لتلبية المعايير القانونية.
ويشير الدليل أيضًا إلى أن السوابق القضائية الأسترالية المنشورة التي تتناول هذه المسألة بصورة تفصيلية ومنهجية لا تزال محدودة.
لكن قلة القرارات المنشورة لا تعني استحالة تطبيق القانون في هذه الحالات؛ بل تمثل أحد الأسباب التي دفعت الباحثتين إلى إعداد الدليل لتوضيح كيفية التعامل مع الطلبات.

ما أهمية الدليل في ظل تصاعد مخاطر المناخ؟
مع تزايد الاهتمام بتداعيات تغير المناخ والكوارث على حركة السكان، يبرز التحدي القانوني المتمثل في التمييز بين النزوح الذي لا يستوفي شروط صفة اللاجئ، والحالات التي تتداخل فيها المخاطر البيئية مع اضطهاد أو تهديدات أخرى تبرر الحماية الدولية.
ويقدم الدليل إطارًا عمليًا لفحص هذا التداخل ضمن القوانين القائمة، من دون افتراض أن تغير المناخ ينشئ تلقائيًا صفة قانونية جديدة، أو أن جميع المتضررين من الكوارث يستوفون شروط اللجوء.
وأعلن مركز كالدر عن ندوة إلكترونية مقررة يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، من الساعة الواحدة إلى الثانية ظهرًا بالتوقيت المحلي الأسترالي، بالتعاون مع المعهد الأسترالي للقانون الإداري في ولاية نيو ساوث ويلز، للتعريف بالدليل والإجابة عن الأسئلة المتعلقة به.
الخلاصة القانونية: لا تكمن أهمية الدليل في منح صفة اللاجئ لكل من يتضرر من تغير المناخ، بل في توضيح أن الأضرار المناخية والكوارث لا ينبغي استبعادها مسبقًا من تقييم طلبات الحماية؛ إذ يتطلب الأمر دراسة تفاعلها مع الاضطهاد والتمييز والظروف الأخرى في كل حالة على حدة.





