مسارات الدراجات والحدائق قد تكون أغلى مما نحسب.. فائدة خفية تعزز رفاه الإنسان
المدن التي تساعد الناس على الازدهار.. قيمة الحدائق ومسارات الدراجات تتجاوز توفير الوقت
غالبًا ما يكون مشهد آلات الحفر الثقيلة في الشوارع كافيًا لإثارة تساؤلات الناس حول الطريقة التي تُنفق بها أموال الضرائب والضرائب العقارية.
ومع بدء مشروع جديد، قد يتساءل السكان عن سبب إنفاق الأموال عليه بدلًا من توجيهها إلى مشروعات أخرى.
وعندما تقرر الحكومات تمويل إنشاء مسار جديد للدراجات، أو إعادة تصميم شارع، أو إقامة حديقة في ضاحية سريعة النمو، تركز التقييمات عادة على الفوائد المرتبطة بالنقل، مثل تقليل وقت الرحلات وتجنب الحوادث.
وتُعرف هذه الفوائد باسم قياس المنافع، وهي تركز غالبًا على عناصر عملية ومباشرة، مثل قدرة السكان على الانتقال من نقطة إلى أخرى بكفاءة أكبر.
وفي بعض الحالات، تشمل التقييمات أيضًا مستوى الرضا عن الحياة، وتأثير المشروع في أطراف أخرى، والآثار البيئية، وهي قياسات أصبحت أساسية في تصميم مفهوم مدن الـ20 دقيقة خلال السنوات الأخيرة.
لكن بحثًا جديدًا من جامعتي سيدني وملبورن يشير إلى أن هذه الحسابات قد تتجاهل عنصرًا مهمًا من عناصر رفاه الإنسان، وقد تكون قيمته الاقتصادية أكبر بكثير من بعض المنافع التي يجري احتسابها حاليًا.
ما الذي يجعل الحياة جيدة؟
يدرك معظم الناس intuitively أن الحياة الجيدة لا تتعلق فقط بالشعور بالرضا والسعادة اللحظية.
فوجبة شهية أو فترة مشمسة من اليوم يمكن أن تمنح الإنسان متعة مؤقتة، وهو ما يعرف بالرفاه المتعة أو اللذة، أو الرفاه الهيدوني.
لكن هناك نوعًا آخر من الرفاه يتجاوز المتعة اللحظية ويرتبط بتجربة أعمق وأكثر استدامة، ويعرف باسم الرفاه الوجودي أو الرفاه النفسي المستدام.
ويشمل هذا النوع من الرفاه الشعور بالهدف والمعنى، والنمو الشخصي، وبناء علاقات إيجابية مع الآخرين، والمساهمة في الصالح العام، والشعور بالارتباط بالمجتمع.
وكلا النوعين من الرفاه مهم، إلا أن مخططي النقل ومصممي المدن عندما يقيّمون قيمة مشروع جديد، غالبًا ما يمنحون قيمة مالية لمؤشرات الرضا عن الحياة، بينما تظل الجوانب الأطول أمدًا المرتبطة بالمعنى والهدف والعلاقات الاجتماعية خارج الحسابات الاقتصادية بدرجة كبيرة.
ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الرضا عن الحياة يتوافق مع المفهوم التقليدي للمنفعة في الاقتصاد، والذي يركز على الفائدة والعناصر العملية التي يحصل عليها الفرد.
وقد أدى هذا إلى تطوير دراسات لتقدير القيم المالية للتغيرات في مستوى الرضا عن الحياة، واستخدمت هذه القيم، على سبيل المثال، في تحليلات التكلفة والمنفعة في أستراليا، وبصورة أكثر شيوعًا في المملكة المتحدة.
واللافت أن القيم المالية الأسترالية والبريطانية للتغيرات في الرضا عن الحياة متقاربة بصورة كبيرة عند التعبير عنها كنسبة من دخل الأسرة.
لكن العوامل الأطول أمدًا المرتبطة بالرفاه النفسي المستدام، لم تحصل حتى الآن على قيمة مالية واضحة، ولذلك تظل إلى حد كبير غير مرئية في الحسابات الاقتصادية.

كيف يمكن قياس قيمة الترابط الاجتماعي؟
سلطت الدراسة الجديدة الضوء على هذه المنطقة التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي، ووجد الباحثون أن ارتفاع الدخل يقلل من خطر الاستبعاد الاجتماعي، وكذلك يفعل ارتفاع مستوى الرفاه.
كما أن زيادة عدد الرحلات التي يقوم بها الشخص، وامتلاكه شبكات اجتماعية قوية، وشعوره بالارتباط بمجتمعه، كلها عوامل تقلل من خطر الاستبعاد الاجتماعي.
ومن خلال مقارنة الدخل بالفوائد المرتبطة بالرفاه النفسي المستدام والرفاه الهيدوني، تمكن الباحثون من استنتاج قيمة مالية للتغير في كل من هذه الجوانب.
وقاس الفريق الرفاه النفسي المستدام باستخدام مقياس ريف للرفاه النفسي، الذي يتضمن ستة أبعاد رئيسية، هي: الهدف في الحياة، والنمو الشخصي، والعلاقات الإيجابية مع الآخرين، وتقبل الذات، والاستقلالية، والقدرة على إدارة البيئة المحيطة.
كما قاس الباحثون الرضا عن الحياة عبر سبعة مجالات باستخدام مؤشر الرفاه الشخصي، شملت مستوى المعيشة، والعلاقات الشخصية، والترابط مع المجتمع.
الرفاه النفسي قد تكون قيمته ثلاثة أضعاف الرضا عن الحياة
كشفت النتائج عن فارق لافت في القيمة الاقتصادية المقدرة لكل نوع من أنواع الرفاه، فعند التحكم في التأثيرات الأخرى، بلغت قيمة التحسن بمقدار وحدة واحدة في الرفاه النفسي المستدام نحو 273 دولارًا أستراليًا وفق أسعار عام 2008، على مقياس يتراوح من صفر إلى 6.
وبحسابها وفق أسعار عام 2023، تعادل هذه القيمة نحو 387 دولارًا أستراليًا، وتقترب هذه القيمة من ثلاثة أضعاف القيمة المقدرة للتحسن بمقدار وحدة واحدة في الرضا عن الحياة، والتي بلغت 93 دولارًا أستراليًا على مقياس يتراوح من صفر إلى 10.
ومع ذلك، يشير الباحثون إلى أن المقياسين لهما نطاقان مختلفان، ولذلك فإن تحقيق زيادة بمقدار وحدة واحدة في الرفاه النفسي المستدام سيكون أصعب من تحقيق زيادة بمقدار وحدة واحدة في الرضا عن الحياة.
ورغم ذلك، يظل الفارق في القيمة لافتًا، ويشير إلى أهمية أكبر لتحسين الجوانب المرتبطة بالرفاه النفسي المستدام.
وعندما وضع الباحثون المقياسين معًا في النموذج نفسه، انخفضت القيم إلى حد ما بسبب وجود تداخل بين بعض جوانب المفهومين، لكن قيمة الرفاه النفسي المستدام ظلت أعلى بصورة كبيرة.
الحدائق ومسارات الدراجات ليست مجرد بنية تحتية
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة عند النظر إلى الطريقة التي تتوسع بها المدن الحديثة.
فالحكومات في أنحاء العالم تستثمر بصورة متزايدة في مفهوم أحياء الـ15 أو الـ20 دقيقة، التي تتيح للسكان الوصول إلى معظم احتياجاتهم اليومية خلال 15 أو 20 دقيقة.
وغالبًا ما يجري تبرير هذه المشروعات بأسباب محددة، مثل تقليل الاعتماد على السيارات، وخفض الانبعاثات، وتوفير وقت التنقل.
لكن الباحثين يرون، أن القيمة الأعمق لهذه المشروعات قد تكمن في مكان آخر، فالحدائق والمساحات العامة ومسارات الدراجات والبيئات الحضرية القريبة يمكن أن تتيح تفاعلات اجتماعية ذات معنى، وتمنح السكان قدرًا أكبر من الاستقلالية، وتعزز المشاركة المجتمعية، وتدعم الشعور بالانتماء والهدف المشترك.
وهذه العناصر تحديدًا تمثل مكونات أساسية للرفاه ا، وبالتالي، إذا لم تُحتسب هذه المنافع عند تقييم المشروعات، فقد تكون الحكومات والمخططون يقللون بصورة منهجية من القيمة الحقيقية للاستثمار في الأماكن المحلية والبنية التحتية المجتمعية.

نحو مدن تساعد الإنسان على الازدهار
يقترح الباحثون خطوة عملية تتمثل في إدراج الرفاه باعتباره قيمة معترفًا بها ضمن إرشادات تقييم سياسات ومشروعات النقل والتخطيط الحضري.
وفي البداية، يمكن استخدام هذا المؤشر باعتباره اختبارًا لحساسية التقييم، بحيث يرى صانعو القرار الفرق الذي يحدثه إدراج هذا النوع من المنافع أو استبعاده من الحسابات.
ومع تراكم الأدلة والأبحاث، يمكن أن يتحول الرفاه النفسي المستدام إلى عنصر أساسي في التقييم الاقتصادي للمشروعات.
ويعترف الباحثون بأن دراستهم لها حدود، من بينها اعتمادها على بيانات جُمعت قبل نحو عقدين، لكنهم يرون أنها تكشف أن النهج الحالي في تقييم الرفاه النفسي المستدام لا يزال ضيقًا.
وتشير النتائج إلى ضرورة إعطاء قيمة، سياسيًا واقتصاديًا، لعناصر مثل النمو الشخصي، والعلاقات الاجتماعية، والمشاركة المجتمعية، وبناء المعنى والهدف في الحياة.
فإذا كانت المدن الحديثة تسعى فعلًا إلى دعم ازدهار الإنسان، فإن تقييم قيمة الحدائق ومسارات الدراجات والأحياء القريبة لا ينبغي أن يتوقف عند عدد دقائق التنقل التي توفرها أو عدد السيارات التي يمكن الاستغناء عنها.
بل ينبغي أن يشمل أيضًا سؤالًا أكثر عمقًا: هل تساعد هذه الأماكن الناس على بناء علاقات، والشعور بالانتماء، واكتساب معنى أكبر لحياتهم؟
وتشير الدراسة إلى أن الإجابة عن هذا السؤال قد تغير بصورة كبيرة الطريقة التي نحسب بها القيمة الحقيقية للمدن التي نعيش فيها.





