وجهات نظر

د.فوزي يونس: الغسيل الأخضر.. حين يتحول اللون الأخضر إلى وهم تسويقي

أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة

مع تزايد وعي المستهلكين بقضايا المناخ والاستدامة، أصبح وصف المنتج أو الخدمة بأنه «صديق للبيئة» ميزة تنافسية يمكن أن ترفع جاذبيته في السوق. لكن الصورة التسويقية قد تسبق الحقيقة أحيانًا؛ فيظهر ما يُعرف بـ«الغسيل الأخضر» (Greenwashing): وعد بيئي لامع على العبوة أو الموقع الإلكتروني، بينما تظل عمليات الإنتاج أو سلاسل التوريد على حالها.

ولا تقتصر المشكلة على شعارات مبالغ فيها أو ألوان خضراء تغطي العبوات، بل تمتد إلى ادعاءات بيئية قد تؤثر في قرارات الشراء والاستثمار، وتمنح الشركات التي تستخدمها بصورة مضللة ميزة تنافسية على حساب الشركات التي تستثمر فعليًا في خفض آثارها البيئية.

وتزداد أهمية هذه القضية مع دخول قواعد أوروبية جديدة حيز التطبيق في سبتمبر 2026، وتشدد متطلبات التعامل مع الادعاءات البيئية، إلى جانب تطور القواعد البريطانية والمعايير الدولية الخاصة بالادعاءات البيئية.

ما هو الغسيل الأخضر؟

الغسيل الأخضر هو ممارسة تسويقية أو اتصالية مضللة تقدم صورة مبالغًا فيها أو غير مدعومة بالأدلة عن الأداء البيئي لمنتج أو خدمة أو شركة، بهدف جذب المستهلكين المهتمين بالاستدامة، من دون أن تعكس هذه الصورة بالضرورة تغيرًا حقيقيًا ومتناسبًا في الأثر البيئي للنشاط.

وقد يأخذ التضليل شكل كلمات عامة، أو صور ورموز، أو شهادات غير موثوقة، أو التركيز على جانب بيئي صغير وإخفاء الآثار الأكبر للمنتج طوال دورة حياته.

ويعرّف معيار ISO 14021:2026 «الغسيل الأخضر» بأنه ادعاء بيئي غير مدعوم أو مضلل أو غير ذي صلة، في إطار القواعد الخاصة بالبيانات والادعاءات البيئية المعلنة ذاتيًا. ويضع المعيار متطلبات أكثر تفصيلًا لتوثيق هذه الادعاءات وإثبات صحتها.

ويعود ظهور مصطلح «Greenwashing» إلى عام 1986، عندما استخدمه الناشط والباحث البيئي الأمريكي جاي وسترفيلد في مقال انتقد فيه ممارسات بعض الفنادق التي كانت تطلب من النزلاء إعادة استخدام المناشف تحت شعار حماية البيئة، بينما كان ذلك يوفر عليها تكاليف الغسيل أيضًا، في الوقت الذي لم تكن فيه ممارساتها البيئية الأخرى قد تغيرت بصورة جوهرية.

أبرز أشكال الغسيل الأخضر

– المصطلحات المبهمة

من أكثر الأساليب شيوعًا استخدام عبارات فضفاضة مثل «صديق للبيئة»، و«أخضر»، و«طبيعي»، و«مستدام»، من دون تحديد المقصود بهذه الكلمات أو تقديم بيانات يمكن التحقق منها.

المشكلة هنا أن العبارة قد تخلق لدى المستهلك انطباعًا بأن المنتج أقل ضررًا للبيئة بصورة عامة، بينما قد يكون الادعاء متعلقًا بجزء صغير فقط من المنتج.

– التضليل البصري

قد تستخدم الشركات درجات اللون الأخضر، وصور الأشجار والأوراق والغابات والمياه، أو رموزًا تشبه الأختام والشهادات البيئية، لإيصال رسالة بأن المنتج مستدام.

لكن المظهر البصري ليس دليلًا على الأداء البيئي. وحتى هيئة المنافسة والأسواق البريطانية تحذر المستهلكين من الاعتماد على الشعارات والألوان والصور الطبيعية وحدها عند تقييم الادعاءات البيئية.

– إخفاء الحقائق

قد تسلط حملة تسويقية الضوء على ميزة بيئية محدودة، مثل استخدام نسبة من المواد المعاد تدويرها في العبوة، بينما تتجاهل الآثار البيئية الأكبر المرتبطة بالمواد الخام أو التصنيع أو النقل أو الاستخدام أو التخلص من المنتج.

ولهذا أصبح تقييم دورة الحياة الكاملة للمنتج عنصرًا أساسيًا في فحص الادعاءات البيئية.

– الشهادات أو الأختام الوهمية

قد تظهر على المنتجات شعارات أو أختام توحي بوجود اعتماد بيئي مستقل، بينما تكون في الحقيقة مصممة داخليًا أو غير مرتبطة بنظام اعتماد موثوق.

وتولي القواعد الأوروبية الجديدة أهمية كبيرة لمسألة العلامات البيئية وأنظمة الاعتماد، كما أن منظومة ISO تميز بين أنواع مختلفة من البيانات والعلامات البيئية، بما في ذلك العلامات التي تعتمد على طرف ثالث والادعاءات التي يعلنها المنتج بنفسه.

– التبرير البيئي المحدود

قد تعلن شركة عن زراعة عدد من الأشجار أو تمويل مشروع بيئي محدود، ثم تستخدم هذه المبادرة لتقديم صورة أوسع عن نشاطها باعتباره «صديقًا للمناخ» أو «محايدًا كربونيًا».

لكن وجود مبادرة بيئية حقيقية لا يعني تلقائيًا أن الأثر البيئي الإجمالي للنشاط أصبح محايدًا.

لماذا تلجأ الشركات إلى الغسيل الأخضر؟

هناك عدة دوافع يمكن أن تفسر انتشار هذه الممارسات، أبرزها:

  • استغلال الوعي البيئي المتزايد: فمع ارتفاع اهتمام المستهلكين بالاستدامة، أصبحت الصفات البيئية عنصرًا مؤثرًا في قرارات الشراء.

  • تحسين الصورة الذهنية: قد يكون تقديم صورة بيئية جذابة أسهل وأقل تكلفة من إجراء تحول حقيقي في عمليات الإنتاج وسلاسل الإمداد.

  • زيادة القدرة التنافسية والمبيعات: الادعاء بأن المنتج أكثر استدامة يمكن أن يجذب شريحة من المستهلكين الباحثين عن خيارات أقل تأثيرًا على البيئة.

لكن الضرر لا يقع على المستهلك وحده. فالشركات التي تستثمر فعلًا في كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات وتحسين المواد وسلاسل التوريد قد تجد نفسها في منافسة مع شركات تحصل على الميزة التسويقية نفسها من خلال ادعاءات لا تعكس أداءً بيئيًا حقيقيًا.

ولهذا تنظر القواعد الحديثة إلى مكافحة الغسيل الأخضر أيضًا باعتبارها وسيلة لحماية المنافسة العادلة.

ماذا تقول الأدلة؟

تقدم المفوضية الأوروبية واحدة من أكثر المؤشرات وضوحًا على حجم المشكلة. فقد أظهرت دراسة أوروبية أُجريت عام 2020 أن 53.3% من الادعاءات البيئية التي جرى فحصها كانت غامضة أو مضللة أو بلا أساس كافٍ، بينما افتقر 40% منها إلى أدلة داعمة.

كما أشارت المفوضية إلى أن نحو نصف العلامات البيئية المعروضة في السوق كانت ضعيفة التحقق أو تفتقر إلى التحقق.

وتوضح هذه الأرقام أن المشكلة لا تتعلق بعدد محدود من الحملات الإعلانية، وإنما بفجوة أوسع بين نمو الطلب على المنتجات المستدامة وبين قدرة المستهلك على التحقق من حقيقة الادعاءات التي تقدم له.

– أزمة الثقة

أحد أخطر آثار الغسيل الأخضر هو إضعاف الثقة في الادعاءات البيئية عمومًا.

فعندما يكتشف المستهلك أن بعض المنتجات التي تحمل عبارات بيئية جذابة لا تقدم ما توحي به هذه العبارات، فقد يصبح أكثر تشككًا حتى في الادعاءات الصادرة عن شركات تستثمر بالفعل في تحسين أدائها البيئي.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: مكافحة الغسيل الأخضر لا تهدف فقط إلى منع الادعاءات الكاذبة، وإنما إلى حماية قيمة الادعاء البيئي الصادق نفسه.

وفي المقابل، تبرز في النقاش العلمي ظاهرة تُعرف أحيانًا بـ«الصمت الأخضر»؛ إذ قد تتردد بعض الشركات في الإعلان عن إنجازاتها البيئية خشية أن تتعرض ادعاءاتها للتدقيق أو أن تُفهم بصورة تتجاوز الأدلة المتاحة.

ومن ثم، فإن الهدف التنظيمي ليس دفع الشركات إلى الصمت، وإنما نقل السوق من «التسويق الأخضر» إلى الإفصاح البيئي القابل للقياس والتحقق.

أوروبا تدخل مرحلة أكثر صرامة

أحد أهم التطورات التشريعية في هذا المجال هو توجيه الاتحاد الأوروبي 2024/825 بشأن تمكين المستهلكين للتحول الأخضر.

نُشر التوجيه في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي في 6 مارس 2024، ودخل حيز النفاذ في 26 مارس من العام نفسه، فيما كان يتعين على الدول الأعضاء نقل أحكامه إلى قوانينها الوطنية بحلول 27 مارس 2026، وبدأ تطبيق قواعده اعتبارًا من 27 سبتمبر 2026.

ويستهدف التوجيه عددًا من الممارسات التي يمكن أن تضلل المستهلكين بشأن الأداء البيئي للمنتجات.

– الادعاءات العامة لم تعد بلا ثمن

يحظر التوجيه بعض الادعاءات البيئية العامة عندما لا يستطيع التاجر إثبات وجود أداء بيئي ممتاز معترف به ذي صلة بالادعاء.

وبذلك لم يعد استخدام كلمات مثل «أخضر» أو «صديق للبيئة» أو «مستدام» مجرد مسألة اختيار تسويقي، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الشركة على إثبات الأساس الذي تستند إليه الرسالة التي تقدمها للمستهلك.

كما يتناول التوجيه الحالات التي تستخدم فيها الشركات ادعاءات بشأن الأداء البيئي المستقبلي، إذ ينبغي أن تستند هذه الادعاءات إلى التزامات واضحة وقابلة للتحقق، وخطة تنفيذ، وأهداف زمنية محددة.

– حظر بعض ادعاءات الحياد المناخي القائمة على التعويض

من أكثر النقاط أهمية منع الادعاءات التي توحي بأن المنتج أو الخدمة ذات تأثير «محايد» أو «منخفض» أو «إيجابي» على المناخ عندما تستند هذه النتيجة إلى تعويض الانبعاثات خارج سلسلة القيمة بدلًا من الأثر الفعلي للمنتج طوال دورة حياته.

ويذكر النص الأوروبي أمثلة على عبارات من قبيل «محايد مناخيًا» و«محايد لثاني أكسيد الكربون» و«إيجابي كربونيًا» و«صافي الصفر» عندما تكون مبنية على التعويضات الخارجية وليس على الأثر الفعلي للمنتج.

وهذا لا يعني أن الشركات ممنوعة من الإعلان عن استثماراتها في مشروعات بيئية أو مشروعات أرصدة الكربون، وإنما يعني أن تقديم هذه الاستثمارات على أنها تجعل المنتج نفسه محايدًا مناخيًا يخضع لقيود أكثر صرامة.

– العلامات البيئية تحت التدقيق

يتعامل التوجيه كذلك مع العلامات البيئية غير الموثوقة، ويضع قيودًا على استخدام أنظمة وضع العلامات التي لا تستند إلى نظام اعتماد معترف به.

والهدف هو الحد من كثرة الرموز والشعارات التي قد تبدو للمستهلك متشابهة في قيمتها، رغم اختلاف مستويات التحقق والشفافية بينها.

وماذا حدث لمشروع «توجيه الادعاءات الخضراء»؟

يجب التمييز بين توجيه 2024/825 وبين مشروع آخر أكثر تفصيلًا يُعرف باسم Green Claims Directive .

ففي مارس 2023 اقترحت المفوضية الأوروبية تشريعًا منفصلًا يهدف إلى وضع قواعد أكثر تفصيلًا لإثبات الادعاءات البيئية الطوعية والتواصل بشأنها، بما في ذلك الاعتماد على منهجيات علمية قابلة للتحقق والتحقق المستقل من بعض الادعاءات.

لكن مسار هذا التشريع تعثر في 2025؛ فقد أعلنت المفوضية في يونيو 2025 نيتها سحب المقترح، وأُلغي الاجتماع الثالث للمفاوضات الثلاثية الذي كان مقررًا في 23 يونيو، ومع ذلك، أدرج برنامج عمل المفوضية لعام 2026 المقترح بوصفه ملفًا قيد المتابعة، ولذلك فإن مصيره التشريعي لا ينبغي التعامل معه على أنه قانون نافذ حاليًا.

وهذه نقطة مهمة للشركات؛ لأن توجيه 2024/825 قانون قائم ومطبق، بينما Green Claims Directive المقترح ليس في الوضع القانوني نفسه.

بريطانيا تشدد قواعدها أيضًا

في المملكة المتحدة، أصدرت هيئة المنافسة والأسواق (CMA) عام 2021 Green Claims Code، الذي يضع ستة مبادئ أساسية للادعاءات البيئية:

• أن تكون الادعاءات صحيحة ودقيقة.
• أن تكون واضحة وغير ملتبسة.
• ألا تخفي معلومات مهمة.
• أن تستند المقارنات إلى أساس عادل وذي معنى.
• أن تأخذ في الاعتبار دورة الحياة الكاملة للمنتج أو الخدمة.
• أن تكون مدعومة بالأدلة.

وفي أبريل 2025 دخل نظام جديد لحماية المستهلك حيز التطبيق بموجب Digital Markets, Competition and Consumers Act 2024، وأصبح بإمكان هيئة المنافسة والأسواق اتخاذ إجراءات مباشرة بشأن بعض انتهاكات قانون حماية المستهلك، بما في ذلك فرض غرامات يمكن أن تصل إلى 10% من حجم الأعمال العالمي السنوي في الحالات التي ينطبق عليها النظام.

كما واصلت هيئة معايير الإعلان البريطانية (ASA) خلال 2025 و2026 إصدار قرارات وإرشادات تتعلق بالادعاءات البيئية، مع التشديد على ضرورة تقديم الأدلة وعدم إخفاء معلومات جوهرية عن الأثر البيئي الإجمالي للشركة أو المنتج.

ISO 14021:2026 معيار دولي محدث للادعاءات البيئية

لا تقتصر مواجهة الغسيل الأخضر على التشريعات، فالمعايير الدولية تلعب دورًا مهمًا في تحديد كيفية صياغة الادعاءات البيئية وإثباتها.

وتقسم منظومة ISO البيانات البيئية إلى أنواع مختلفة، من بينها:

  • ISO 14024 يتعلق بالعلامات البيئية التي تعتمد على برامج تقييم ومنح من طرف ثالث.
  • ISO 1402يتعلق بالادعاءات البيئية التي تعلنها الشركات أو الجهات المستفيدة من المنتج بنفسها.

  • ISO 14025 يتعلق بالإقرارات البيئية للمنتجات، المعروفة باسم Environmental Product Declarations أو EPDs.

وفي يونيو 2026 نشرت المنظمة الدولية للتقييس الإصدار الجديد ISO 14021:2026، الذي حل محل إصدار 2016.

ويشترط الإصدار الجديد أن تكون الادعاءات البيئية ذاتية الإعلان جزءًا من «برنامج موثق»، مع تعزيز متطلبات الاحتفاظ بالمعلومات والوثائق التي تثبت صحة الادعاء، واستخدام أساليب تقييم موثقة وشفافة وعلمية.

وهذا التطور مهم للمصدرين؛ لأن القدرة على قول «منتج منخفض الأثر البيئي» أو «منتج مستدام» تتجه بصورة متزايدة من كونها قرارًا تسويقيًا إلى كونها ادعاءً يحتاج إلى ملف إثبات.

كيف نكتشف الغسيل الأخضر؟

يمكن للمستهلك والشركة والمستثمر استخدام مجموعة بسيطة من الأسئلة لكشف الادعاءات البيئية المضللة.
أولًا: ابحث عن الدليل

إذا قالت الشركة إن المنتج «أخضر» أو «صديق للبيئة»، فالسؤال الأول هو: بأي مقياس؟

ابحث عن أرقام، ونسب، ومنهجية قياس، ونطاق زمني، ومعلومات عن المنتج أو العملية التي ينطبق عليها الادعاء.

ثانيًا: لا تنخدع بالصور

الأشجار والأوراق والغابات واللون الأخضر ليست شهادة بيئية.

قد تكون الصورة جزءًا من استراتيجية التسويق، بينما تكون البيانات الفعلية شيئًا مختلفًا تمامًا.

ثالثًا: اقرأ التفاصيل الصغيرة

اسأل: هل الادعاء يخص المنتج كله أم العبوة فقط؟ هل يتعلق بمرحلة التصنيع أم دورة الحياة بأكملها؟ هل المقارنة مع منتج سابق أم مع منتجات منافسة؟ وما هي شروط استخدام المنتج أو التخلص منه؟

رابعًا: ابحث عن جهة مستقلة

وجود علامة بيئية من نظام اعتماد موثوق يمكن أن يكون أكثر أهمية من وجود شعار أخضر صممته الشركة بنفسها.

لكن حتى العلامات المعروفة ينبغي فهم نطاقها: ماذا تقيس؟ ومن يتحقق منها؟ وما هي المعايير التي تمنحها؟

خامسًا: انظر إلى الصورة الكاملة

إذا قالت شركة إنها خفضت استهلاك الطاقة في مصنع بنسبة 20%، فهذا ادعاء محدد يمكن قياسه.

أما إذا استخدمت النتيجة نفسها لتقديم الشركة بأكملها باعتبارها «صديقة للبيئة»، فهنا يجب البحث عن الأثر الإجمالي للنشاط.

وتنصح هيئة المنافسة والأسواق البريطانية المستهلكين تحديدًا بالنظر إلى دورة حياة المنتج وعدم الاكتفاء بالرسالة التسويقية أو بالمظهر الخارجي للمنتج.

خمس خطوات للمصدرين والشركات

بالنسبة للشركات والمصدرين الراغبين في تجنب الوقوع في الغسيل الأخضر، يمكن اختصار المنهج العملي في خمس خطوات:

1 ـ لا تستخدم وصفًا عامًا لا تستطيع إثباته.

إذا كان المنتج «أكثر استدامة» أو «أقل تأثيرًا على البيئة»، فيجب أن تكون قادرًا على تحديد المقصود وإثباته.

2 ـ اربط كل ادعاء بدليل.

الأفضل أن يرتبط كل ادعاء بأرقام محددة ومنهجية قياس معلنة وقابلة للمراجعة.

3 ـ لا تصنع شهادة لنفسك.

استخدام علامات أو شهادات من جهات مستقلة وذات منهجية واضحة أكثر أمانًا من تصميم أختام داخلية توحي بالاعتماد.

4 ـ احسب البصمة قبل الإعلان عنها.

لا تبدأ بعبارة «محايد كربونيًا» ثم تبحث لاحقًا عن الأرقام التي تبررها؛ ابدأ بالقياس، ثم حدد ما يمكن قوله بناءً على النتائج.

5 ـ أنشئ ملف إثبات لكل ادعاء.

احتفظ بالمصادر والبيانات والمنهجيات والحدود الزمنية ونطاق القياس وأي مراجعات أو عمليات تحقق مستقلة، بحيث يستطيع المدقق أو العميل أو الجهة التنظيمية فهم أساس الادعاء.

وهذا يتسق مع الاتجاه الذي يعززه ISO 14021:2026 نحو توثيق الادعاءات البيئية وطرق تقييمها والاحتفاظ بالمعلومات التي تثبت صحتها.

ماذا يعني ذلك لمصر والمنطقة العربية؟

بالنسبة للشركات المصرية والعربية التي تصدر منتجاتها إلى أوروبا، لم يعد التعامل مع الادعاءات البيئية مسألة تسويقية محلية فقط.

فتوجيه الاتحاد الأوروبي 2024/825 يستهدف الممارسات التجارية الموجهة إلى المستهلكين في سوق الاتحاد الأوروبي، ما يعني أن المنتج القادم من دولة خارج الاتحاد يمكن أن يتأثر بالقواعد عندما يُسوَّق للمستهلك الأوروبي.

وبالتالي، فإن المصدر المصري الذي يضع على عبوة منتجه أو موقعه الإلكتروني عبارات مثل «صديق للبيئة» أو «مستدام» أو «محايد كربونيًا» يحتاج إلى النظر في الأساس الذي يستند إليه هذا الادعاء، وليس فقط إلى جاذبيته التسويقية.

وهنا تتقاطع قضية الغسيل الأخضر مع اتجاه أوسع في التجارة الدولية نحو زيادة أهمية البيانات البيئية، ومن بينها البصمة الكربونية للمنتجات ومتطلبات الإفصاح المرتبطة بالأسواق الأوروبية.

وبالنسبة للمصدرين، فإن الاستثمار في قياس البصمة الكربونية، وتحسين البيانات البيئية، وتوثيق سلسلة الإمداد، واستخدام منهجيات معترف بها، يمكن أن يتحول من تكلفة امتثال إلى ميزة تنافسية تجارية.

كما يفتح ذلك مجالًا أمام الجامعات ومراكز البحث والاستشارات البيئية ومنظمات المجتمع المدني في مصر والمنطقة لبناء قدرات متخصصة في قياس الأثر البيئي والتحقق من الادعاءات وتقديم خدمات التحقق والتوثيق للشركات.

نهاية عصر الكمال الأخضر

تتغير القاعدة التي تحكم التسويق البيئي بسرعة.

لم يعد كافيًا أن تكون العبوة خضراء، أو أن تحمل صورة شجرة، أو أن تتحدث الحملة الإعلانية عن مستقبل مستدام.

السؤال الجديد هو: أين البيانات؟

فالسوق يتجه تدريجيًا من زمن «الادعاء الأخضر» إلى زمن الإثبات الأخضر؛ حيث تصبح الكلمات البيئية مرتبطة بالقياس، والمنهجية، والشفافية، ودورة الحياة، والأدلة القابلة للتحقق.

والنتيجة لا تصب فقط في مصلحة المستهلك، وإنما في مصلحة الشركات التي تستثمر فعلًا في خفض آثارها البيئية، لأنها تقلل مساحة المنافسة أمام الادعاءات غير المدعومة.

أما القاعدة الأبسط التي يمكن أن يحملها المستهلك معه إلى السوق فهي: لا تنخدع باللون الأخضر.. ابحث دائمًا عن البيانات.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة