أخبارالمدن الذكيةالتنمية المستدامة

هل يمكن لخزانة ملابسك أن تصبح أكثر صداقة للبيئة؟ الموضة المستدامة تقدم بديلاً للأزياء السريعة

حلول عملية لمواجهة الموضة السريعة.. كيف تتحول الأقمشة القديمة إلى حل مناخي؟

لم تعد مواجهة تغير المناخ تقتصر على التحول إلى الطاقة النظيفة أو تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بل أصبحت تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من بينها الملابس التي نشتريها، والمدة التي نستخدمها خلالها، وما نفعله بها عندما نتوقف عن ارتدائها.

وفي مدينة ميسولا بولاية مونتانا الأمريكية، حاول عرض أزياء محلي تقديم إجابة عملية عن هذا التحدي، عبر تسليط الضوء على الملابس المعاد تدويرها والتصميمات المستدامة، في مواجهة نموذج «الموضة السريعة» الذي يشجع على شراء الملابس الرخيصة وملاحقة الصيحات المتغيرة باستمرار.

واستقطب العرض، الذي أُقيم للعام الثالث ضمن فعاليات أسبوع حلول المناخ، أكثر من 100 شخص داخل متجر يجمع بين بيع الملابس المستعملة وتقديم القهوة، حيث قدم خمسة مصممين محليين قطعًا مصنوعة يدويًا، أو أعيد توظيف أقمشتها وخاماتها القديمة في تصميمات جديدة.

الموضة السريعة.. تكلفة تتجاوز السعر الرخيص

تتمثل المشكلة في أن السعر المنخفض للملابس لا يعكس بالضرورة تكلفتها البيئية والاجتماعية الكاملة. فالإنتاج السريع والمتكرر، وملاحقة الصيحات قصيرة العمر، وتشجيع المستهلكين على شراء المزيد والتخلص من الملابس سريعًا، كلها عوامل تزيد الضغط على الموارد وترفع حجم النفايات.

ووفقًا لتقديرات أوردتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا، تسهم صناعة الأزياء بنحو 10% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية. ويعني ذلك أن طريقة إنتاج الملابس واستهلاكها تمثل جزءًا مهمًا من النقاش بشأن خفض الانبعاثات، وإن كانت هذه النسبة تقديرية وتعتمد على حدود حساب الانبعاثات والمنهجية المستخدمة.

وتتفاقم المشكلة مع انتشار الملابس المصنوعة من ألياف صناعية مشتقة من الوقود الأحفوري، مثل البوليستر، الذي يُستخدم على نطاق واسع بسبب انخفاض تكلفته وتعدد استخداماته.

ولا تتوقف الآثار عند التصنيع والتخلص من الملابس؛ إذ يمكن أن تطلق الأقمشة الصناعية أليافًا دقيقة أثناء الغسيل، تنتقل إلى مياه الصرف والبيئة. وتثير هذه الجسيمات مخاوف علمية بشأن تراكم التلوث البلاستيكي وتأثيراته المحتملة في النظم البيئية وصحة الإنسان.

الجينز الذي يُرتدى سبع مرات فقط

تكشف دورة حياة الملابس عن جانب آخر من المشكلة: شراء القطعة لاستخدام محدود، ثم التخلص منها رغم إمكانية إطالة عمرها أو إصلاحها أو إعادة توظيفها.

ويشير تقرير نشرته دورية علمية عام 2024، واستند إلى تحليل صيني لانبعاثات الموضة السريعة باستخدام الجينز نموذجًا، إلى أن بنطال الجينز يُرتدى في المتوسط نحو سبع مرات قبل التخلص منه، وفقًا لما أورده التقرير الأصلي.

وعندما تنتهي الملابس في مدافن النفايات، تتحلل المواد العضوية الموجودة فيها وتنتج غاز الميثان، وهو أحد غازات الاحتباس الحراري القوية. أما الأقمشة الاصطناعية، فقد تبقى فترات طويلة في البيئة، مع اختلاف سلوكها وفق تركيبها وظروف التخلص منها.

وتوضح هذه الصورة أن الأثر البيئي للملابس لا يرتبط فقط بما يحدث داخل مصانع النسيج، بل يتأثر أيضًا بسلوك المستهلك، ومدة استخدام القطعة، وإمكانية إصلاحها أو إعادة استخدامها بدلًا من التخلص منها.

كيف تتحول الأقمشة القديمة إلى أزياء جديدة؟

في عرض ميسولا، لم تكن الاستدامة مجرد شعار؛ فقد قدم المصممون نماذج عملية لإطالة عمر الخامات الموجودة بالفعل.

واستخدمت المصممة إيمي بيرسون، صاحبة علامة CC Designs، أقمشة قديمة ذات قيمة شخصية، من بينها قطع مطرزة من مفارش طاولات ورثتها عن جدتها، إلى جانب مناديل وأغطية أسرّة وخامات أخرى أعادت تحويلها إلى ملابس جديدة.

وترى بيرسون أن إعادة استخدام هذه المواد تمنحها فرصة لحياة جديدة بدلًا من بقائها منسية داخل الخزائن أو وصولها إلى مكبات النفايات.

كما قدمت علامة Lessons Learned تصميمات استفادت من قصاصات الجينز لصناعة قطع جديدة، فيما عرضت المصممة ليا تومبسون، صاحبة علامة Moonlight Citizen، ملابس سباحة وقطعًا رياضية مريحة، وشاركت في الفعالية للعام الثاني.

وتقوم هذه الفكرة على مبدأ بسيط: ليس من الضروري أن تبدأ صناعة قطعة ملابس جديدة بشراء خامات جديدة؛ ففي بعض الحالات يمكن تحويل الأقمشة الموجودة إلى منتجات مختلفة، مع تقليل الحاجة إلى مواد أولية إضافية.

كيف تتحول الأقمشة القديمة إلى أزياء جديدة؟
كيف تتحول الأقمشة القديمة إلى أزياء جديدة؟

الموضة البطيئة.. بديل لا يقتصر على شراء الملابس المستعملة

يستهدف مفهوم «الموضة البطيئة» تغيير العلاقة مع الملابس، من الاستهلاك المتكرر وملاحقة الصيحات إلى التركيز على الجودة، وطول العمر، وإمكانية الإصلاح وإعادة الاستخدام.

وتوضح كلوي راسل، الشريكة في ملكية متجر Funk It، أن الهدف من عرض الأزياء لم يكن توجيه اللوم إلى المستهلكين، بل تعريفهم بالبدائل وإلهامهم لتجربة أساليب مختلفة في اختيار الملابس.

وهذا التوجه مهم لأن تغيير سلوك الشراء لا يعتمد على القرارات الفردية وحدها؛ فإتاحة الملابس المستعملة، وتوفير خدمات الإصلاح، وتصميم منتجات تدوم طويلًا، وتطوير أنظمة جمع المنسوجات وإعادة تدويرها، كلها عوامل يمكن أن تجعل الخيارات الأقل ضررًا أكثر سهولة.

الموضة البطيئة.. بديل لا يقتصر على شراء الملابس المستعملة
الموضة البطيئة.. بديل لا يقتصر على شراء الملابس المستعملة

ماذا يمكن للمستهلك أن يفعل لتقليل البصمة البيئية لملابسه؟

يمكن تقليل الأثر البيئي المرتبط بالملابس من خلال خطوات عملية، أبرزها:

  • شراء ما تحتاج إليه فعلًا: تجنب شراء قطع جديدة لمجرد أنها رائجة أو منخفضة السعر.
  • إطالة عمر الملابس: العناية بها وغسلها عند الحاجة وإصلاح القطع التالفة بدلًا من التخلص منها سريعًا.
  • اختيار الملابس المستعملة: عندما تكون مناسبة، يمكن أن تساعد إعادة الاستخدام على تقليل الطلب على الإنتاج الجديد.
  • إعادة توظيف الأقمشة: يمكن تحويل الملابس القديمة إلى قطع أخرى أو الاستفادة منها في أغراض مختلفة.
  • الاهتمام بالجودة وطول العمر: اختيار الملابس التي تناسب الاستخدام الفعلي ويمكن ارتداؤها مرات عديدة.
  • التخلص المسؤول من المنسوجات: التبرع بالملابس الصالحة للاستخدام أو الاستفادة من برامج جمع المنسوجات المتاحة محليًا.

لكن من المهم عدم افتراض أن كل قطعة مستعملة أو كل خامة توصف بأنها مستدامة تحقق تلقائيًا أثرًا بيئيًا أقل؛ فالنتيجة تتوقف على عوامل منها طريقة الإنتاج، وعدد مرات الاستخدام، والنقل، والغسيل، وإمكانية إعادة التدوير.

الموضة السريعة
ماذا يمكن للمستهلك أن يفعل لتقليل البصمة البيئية لملابسه؟

هل تستطيع صناعة الأزياء أن تصبح جزءًا من الحل؟

يقدم عرض ميسولا نموذجًا محليًا لربط العمل المناخي بالمجتمع والإبداع، لكنه لا يمثل وحده حلًا لأثر صناعة الأزياء. فخفض الانبعاثات على نطاق واسع يتطلب أيضًا تغييرات في أساليب الإنتاج، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وزيادة شفافية سلاسل التوريد، وتوفير بدائل عملية للتخلص من المنسوجات.

كما أن المسؤولية لا تقع على المستهلك وحده؛ إذ تؤثر قرارات الشركات والمصنعين وتجار التجزئة والسياسات العامة في كمية الملابس المنتجة، وجودتها، ومدى سهولة إصلاحها وإعادة استخدامها.

والرسالة الأهم أن مواجهة تغير المناخ لا تتطلب بالضرورة شراء منتجات جديدة تحمل ملصقات خضراء، بل قد تبدأ بخيار أكثر بساطة: استخدام ما نملكه لفترة أطول، والتقليل من الشراء غير الضروري، ومنح الملابس فرصة لحياة ثانية.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة