وجهات نظر

د.عبد الحكيم العلوي: حكم أوروبي يربك قواعد السلامة الكيميائية.. قراءة تحليلية

خبير الإنفاذ البيئي الدولي بمنظمة الجمارك العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة

تداعيات واسعة لحكم أوروبي بشأن ثاني أكسيد التيتانيوم على التجارة والصحة العامة

أصدرت محكمة العدل الأوروبية حكمًا نهائيًا يقضي بإلغاء التصنيف الذي اعتمده الاتحاد الأوروبي عام 2020 لثاني أكسيد التيتانيوم (Titanium Dioxide – TiO₂) في بعض أشكاله المسحوقية، بوصفه مادة “يُشتبه في تسببها بالسرطان عند الاستنشاق”.

ويُعد هذا الحكم محطة مهمة في مسار تنظيم المواد الكيميائية داخل الاتحاد الأوروبي، نظرًا للأهمية الاقتصادية الكبيرة لهذه المادة، التي تُستخدم على نطاق واسع في صناعات الدهانات والبلاستيك والورق والأحبار ومستحضرات التجميل والمنتجات الصناعية الأخرى.

ثانيًا: ماهية ثاني أكسيد التيتانيوم وأهميته الاقتصادية

يُعد ثاني أكسيد التيتانيوم من أكثر الأصباغ البيضاء استخدامًا في العالم، ويتميز بقدرته العالية على:
• إعطاء اللون الأبيض الناصع.
• تحسين درجة التغطية والانعكاس الضوئي.
• مقاومة الأشعة فوق البنفسجية.
• تعزيز متانة المنتجات.

وتستهلك قطاعات الدهانات والطلاءات النسبة الأكبر من الإنتاج العالمي للمادة، كما تدخل في تصنيع:
• اللدائن والبلاستيك.
• الأحبار.
• الورق.
مستحضرات التجميل.
مواد البناء.
• بعض التطبيقات الدوائية.
• الغذاء.

ثالثًا: أصل النزاع القانوني

في عام 2020، اعتمدت المفوضية الأوروبية تصنيفًا لثاني أكسيد التيتانيوم استنادًا إلى رأي علمي صادر عن وكالة الكيماويات الأوروبية (European Chemicals Agency)، والذي خلص إلى أن استنشاق بعض الجسيمات الدقيقة القابلة للتنفس من المادة قد يشكل خطرًا سرطانيًا محتملاً على الإنسان.

وبناءً عليه، تم إدراج المادة ضمن فئة “Carcinogen Category 2” (مادة يُشتبه في تسببها بالسرطان)، وذلك بالنسبة لبعض الأشكال المسحوقية فقط.

إلا أن عددًا من الاتحادات الصناعية والشركات الأوروبية المنتجة للمادة طعن في القرار أمام القضاء الأوروبي.

رابعًا: حكم المحكمة الأوروبية

أيدت محكمة العدل الأوروبية حكمًا سابقًا للمحكمة العامة للاتحاد الأوروبي يقضي بإلغاء التصنيف.

واستند القرار إلى أن السلطات الأوروبية ارتكبت ما وصفته المحكمة بـ”خطأ واضح في التقييم” عند تفسير الأدلة العلمية المتاحة.

ورغم أن المحكمة أقرت بأن المحكمة العامة تجاوزت جزئيًا حدود اختصاصها عندما دخلت في مناقشة المنهجية العلمية المستخدمة من قبل وكالة الكيماويات الأوروبية، فإنها أبقت على النتيجة النهائية المتمثلة في إلغاء التصنيف، وبذلك أصبح تصنيف عام 2020 غير نافذ.

خامسًا: الموقف العلمي المقابل

أثار الحكم جدلاً واسعًا داخل الأوساط العلمية ومنظمات حماية المستهلك. ففي فبراير 2025، أيد المدعي العام لدى محكمة العدل الأوروبية التصنيف الأصلي، معتبرًا أن:
• الوكالة الأوروبية للمواد الكيميائية اتبعت منهجية علمية سليمة.
• المحكمة العامة لم يكن ينبغي لها إعادة تقييم الأساس العلمي للقرار.
• الأدلة المتاحة لا تُظهر وجود خطأ جوهري في التقييم العلمي.

وبالتالي، جاء الحكم النهائي مخالفًا للرأي القانوني الاستشاري الصادر عن المدعي العام.

سادسًا: التداعيات التنظيمية للحكم

1- إضعاف نظام تصنيف المواد الخطرة
تُعد اللائحة الأوروبية الخاصة بتصنيف المواد الكيميائية والمخاليط الخطرة ووضع بطاقات التحذير عليها وتغليفها (CLP) إحدى أهم أدوات الاتحاد الأوروبي في إدارة مخاطر المواد الكيميائية.

وتؤدي التصنيفات المعتمدة إلى:
• وضع علامات تحذيرية موحدة.
• فرض متطلبات خاصة للتعبئة والتغليف.
• دعم قرارات تقييد الاستخدام في القطاعات الحساسة.

ويخشى خبراء السلامة الكيميائية أن يؤدي الحكم إلى زيادة الطعون القضائية ضد التصنيفات المستقبلية للمواد الخطرة.

2- تأثير خاص على المواد النانوية
أشارت منظمات المجتمع المدني إلى أن الشركات المصنعة لم توفر للسلطات الأوروبية بيانات كافية حول الأشكال النانوية للمادة “Nanoforms”، وهو ما أعاق عمليات التقييم العلمي.

وتبرز هذه القضية تحديًا متزايدًا أمام الجهات التنظيمية، مع الانتشار المتزايد للمواد النانوية في الأسواق العالمية.

3- تعزيز نفوذ جماعات الضغط الصناعية
اعتبرت العديد من منظمات حماية المستهلك أن الحكم يمثل انتصارًا واضحًا للصناعة الكيميائية الأوروبية، التي مارست ضغوطًا كبيرة لإلغاء التصنيف، لما يترتب عليه من:
• تكاليف امتثال إضافية.
• متطلبات وسم وتحذير جديدة.
• تأثيرات محتملة على التجارة وسلاسل الإمداد.

سابعًا: ما الذي لم يتغير؟

رغم إلغاء التصنيف المسرطن، فإن الحكم لا يؤثر على الحظر الأوروبي المفروض على استخدام ثاني أكسيد التيتانيوم كمضاف غذائي.

فقد حظر الاتحاد الأوروبي منذ عام 2022 استخدام المادة الغذائية المعروفة بالرمز E171، استنادًا إلى تقييم صادر عن الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء، والذي خلص إلى عدم إمكانية استبعاد المخاطر الجينية المحتملة (Genotoxicity)، وبالتالي تعذر تأكيد سلامة المادة للاستهلاك الغذائي.

ثامنًا: الانعكاسات التجارية والجمركية

1- على المصنعين والمصدرين
• تخفيف الأعباء المرتبطة بوسم المنتجات الكيميائية.
• تقليل تكاليف الامتثال التنظيمي.
• تسهيل تداول المنتجات داخل السوق الأوروبية.

2- على الجهات الرقابية
• الحاجة إلى إعادة تقييم بعض متطلبات الوسم والتحذير.
• متابعة أي تعديلات مستقبلية على قوائم المواد الخطرة.

3- على سلطات الجمارك
• مراجعة قواعد إدارة المخاطر المتعلقة بالشحنات.
• الاستمرار في مراقبة القيود الخاصة بالاستخدامات الغذائية.

تاسعًا: قراءة تحليلية

تكشف القضية عن صراع مستمر داخل الاتحاد الأوروبي بين اتجاهين رئيسيين:

الاتجاه الأول: يدعو إلى تطبيق مبدأ الحيطة والحذر لحماية الصحة العامة، حتى في ظل وجود شكوك علمية.

الاتجاه الثاني: يركز على ضرورة توافر أدلة علمية قاطعة قبل فرض قيود تنظيمية قد تؤثر على الصناعة والتجارة.

ويبدو أن حكم المحكمة منح وزنًا أكبر للاعتبارات القانونية والإجرائية المرتبطة بتقييم الأدلة، مقارنة بالاعتبارات الوقائية.

ويمثل هذا الحكم سابقة قانونية وتنظيمية قد تؤثر مستقبلاً على آليات تصنيف المواد الكيميائية الخطرة داخل الاتحاد الأوروبي. وبينما يُنظر إليه من جانب الصناعة باعتباره انتصارًا لمبدأ التقييم العلمي الدقيق، ترى منظمات حماية المستهلك أنه قد يحد من قدرة السلطات على اتخاذ إجراءات وقائية لحماية الصحة العامة.

وفي جميع الأحوال، تؤكد هذه القضية أن إدارة مخاطر المواد الكيميائية لم تعد مسألة علمية بحتة، بل أصبحت ساحة تتداخل فيها الاعتبارات العلمية والقانونية والاقتصادية والتجارية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة